Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الطاهر بن جلّون أحد أعضاء لجنة تحكيم الغونكور
الطاهر بن جلّون أحد أعضاء لجنة تحكيم الغونكور

عبد الرحيم التوراني

عندما أصدر ديوانه "الفرح ليس مهنتي" في العام 1970، كتب الشاعر السوري محمد الماغوط: "أنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء". وكأنه كان يتنبأ بما سيحدث للمواطنين اللبنانيين اليوم، وهم يعيشون تحت وطأة أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية متصاعدة ومترابطة كسلاسل قيود تطوق الكرامة وتهين الإنسانية، وتدفع إلى مكابدة مرارة الانكسار والاستسلام الكامل للهزيمة النفسية الداخلية، بدل التمرد على واقع التدجين والإذلال والخوف. 

لولا أن الفرح قيمة إنسانية ضرورية لبني البشر. إذ لا بد من تجاوز المزاج السيء والانفلات من التشاؤم وإنْ مؤقتا، من خلال استغلال مناسبات يتم فيها ابتكار طقوس الفرح الجماعي، والإعلان عن التشبث بالحياة وبكرامة العيش، ما يساعد على الانتصار على القهر وتجاوز التحديات. 

من هنا سعي الناس لالتقاط نسمة فرح، والتعبير عنها بمناسبة فوز المنتخب الرياضي لبلدهم مثلا، أو عند حصول مواطنٍ على امتياز عالمي أو قاري أو إقليمي، في مجال من المجالات الرياضية والفنية والثقافية والعلمية، وغيرها.  

بصدد الحالة اللبنانية، ووسط أسوء أزمة اقتصادية يتخبط حاليا في ذيولها وطن الأرز، بعد تدنّي العملة الوطنية بشكل غير مسبوق، إذ لم تعد لأكوام أوراق الليرة اللبنانية قيمة تذكر، كدليل على ذلك أن المحلات التجارية، كالمقاهي والمطاعم، صارت تستعين بماكينة عد النقود التي تستعمل عادة في المؤسسات البنكية، بعد أن أصبح سعر الدولار يتراوح ما بين 38 ألف و40 ألف ليرة. هذا دون أن ننسى أزمة الكهرباء والماء وندرة الدواء، لا سيما أدوية المصابين بأمراض مزمنة كالسرطان. ومع استمرار حجز حسابات المودعين، لجأ اللبنانيون اليائسون من استرداد أموالهم إلى اقتحام البنوك للحصول على مدخراتهم. 

وسط هذا المشهد السوداوي، الذي لا يمت لأجواء الفرح والارتياح بِصِلَة، لا يتردد المواطنون اللبنانيون في الانفلات من أجواء المأساة الرازحة، بالهروب إلى ضفاف الفرح متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا، كما حصل عند تأهيل منتخب لبنان لكرة السلة للإقصائيات النهائية لكأس العالم 2023، وقد ابتهجوا أيضا في مستهل هذه السنة، لما أحرز المنتخب ذاته لقب بطولة العرب. 

مرة أخرى، وقبل أيام نسي اللبنانيون أزماتهم المتناسلة، وتملكتهم موجة من فرح جماعي، وهم يتابعون فوز الفرقة اللبنانية الراقصة "ميّاس"، في واحد من أهم برامج المواهب العالمية، برنامج "أمريكان غات تالنت". 

 كأن المبادرات والنجاحات الرياضية والفنية التي تأتي من الشعب اللبناني، تساهم في تأخير ساعة الانهيار الشامل الذي يهدد البلاد منذ أعوام، كما ذهبت إلى ذلك الباحثة الاجتماعية د. دلال البزري. لكن "مسكن الأوجاع لا يشفي من مرض"، قالها المفكر فواز طرابلسي منذ عقود متحدثا عن أغاني المطربة أم كلثوم، التي اتهمها الشاعر بالفرنسية المغربي عبد اللطيف اللعبي بالتسبب في هزيمة العرب في حزيران 1967، وقد نشر اللعبي قصيدته الهجائية ضد كوكب الشرق في أحد أعداد مجلة "أنفاس" اليسارية التي كان يديرها، مصحوبة برسومات للتشكيلية والشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان. 

وتتواصل عملية "تأجيل الانهيار"، بهذا الحجم أو ذاك، وبصيغ ومستويات غير مبرمجة أو مخطط لها، فالمسيطرون على شؤون البلد لا يتحكمون في هذه العملية الإيجابية والتنفيسية، بقدر ما تبرمج سياساتهم لهندسة واقع التفقير ومراكمة اليأس وتمديد تغول الأزمة الاخطبوطية، بل إن "نسائم التأجيل" غالبا ما تهب بردا وسلاما من جهات خارجية، تهوِّن على الناس صراعهم اليومي مع تسونامي الغلاء. 

*** 

هذا الشهر، وصل نبأ ترشيح أكاديمية "غونكور" كاتباً لبناني الأصل للفوز بجائزتها التي تعد من أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا. وقد حظي بها من قبل الأديب اللبناني أمين معلوف (1993)، إلى جانب بضعة كتاب عرب آخرين، كان أولهم من المغرب الطاهر بن جلون (1987)، ثم ليلى السليماني (2016)، وفؤاد العروي الذي فاز بـ"غونكور" القصة" (2013)، والجزائري كمال داوود (2015). وكانت جائزة "غونكور" 2009 الخاصة بالشعر من نصيب عبد اللطيف اللعبي. 

شكَّل ترشيح سبيل غصوب (33 سنة) لجائزة "الغونكور" مفاجأة سعيدة للكاتب الشاب، ومعه اللبنانيون، بإدراج روايته "بيروت على نهر السين"، (صادرة عن منشورات "ستوك"، باريس، 2022). وهي الثالثة له، بعدما أحدثت روايته الأولى "الأنف اليهوديّ" ضجة داخل لبنان بعد زيارته لإسرائيل. أما روايته الثانية فحملت عنوان: "بيروت بين قوسين". 

تحدث سبيل غصوب أنه كتب رواية "بيروت على نهر السين" تحية لوالديه وانتقاما لهما من الحرب الأهلية اللبنانية. حيث أنه من مواليد 1988 في باريس لأبوين لبنانيّين، خططا لنزوح مؤقت من وطنهما إلى فرنسا سنة 1975 على أمل العودة، ولما طالت سنوات الحرب وجدا نفسيهما مقيمين بشكل دائم بالمهجر الفرنسي. وإنْ لم يعش ابنهما قساوة تلك الحرب المجنونة ومرارتها، التي امتدت خمسة عشر سنة، فإنه ورث أصداءها وعواقبها، ورأى ندوبها على ملامح من عاشوها، وفي مقدمتهم والديه. ولأنه سليل الهجرة طرحت عليه بقلق وجودي وعبثي حاد، أسئلة تتصل بالهوية واللغة والذاكرة والانتماء وخيبة الأمل والعلاقة مع الآخر. لذلك عمد سبيل غصوب إلى نسج حكاية عن "لبنان مختلف"، بناه في ذاكرته على أنقاض حكاية أبويه وقصة هجرتهما. وإن كان الكاتب يُقِرُّ بزيف الذاكرة التي يقدمها للقارئ، إلا أنه يتبناها: "إنها ذاكرة لبنان الخاصّ بي وحدي".  

كأنه ينخرط هنا، عن وعي أو غير وعي، في الجدل الوجودي لقيام كيان اسمه لبنان، الذي بالرغم من احتفاله بذكرى مائة سنة على تأسيسه، ما زالت تتجاذبه قوى إقليمية ودولية، تنازعه الحق في بناء التصور الخاص لتاريخ وحاضر ومستقبل البلد. 

وبما أن الحديث عن جائزة فرنسية، سنكتفي بِصِلَة فرنسا بلبنان.. في هذا الإطار ستشهد بيروت من 19 إلى 30 أكتوبر- تشرين الأول المقبل تنظيم فعالية أدبية فرنكفونية كبرى، تحت عنوان: "بيروت الكتب". وعلى هامش الحدث الثقافي ستجتمع لجنة تحكيم جائزة "غونكور"، المؤلّفة من 12 عضوًا، بينهم المغربيّ الطاهر بن جلّون، وذلك لاختيار القائمة النهائية، وتشمل أربعة متسابقين. 

ولن نبالغ إذا أفصحنا أنه لا يساورنا أدنى شك في أن سبيل غصوب سيكون من بين هؤلاء الأربعة، بل هناك توقعات عالية جدا بأنه هو من سيضاف إلى لائحة الفائزين بـ"غونكور"هذا العام، عندما سينادى باسمه ساعة الإعلان عن المتوج يوم الخميس 3 نوفمبر - تشرين الثاني 2022. 

بعيدا عن أي سوء نية للتنقيص من مُنجز الكاتب اللبناني المرشح هذه السنة، أو من الجائزة نفسها التي تساهم في تنشيط الحياة الثقافية، إلا أن "الغونكور" باتت في الأعوام الأخيرة محاطة بالانتقادات السلبية، لا سيما الموجهة إلى لجان تحكيمها، حيث ذهبت الجائزة مرات لأسماء معينة لاعتبارات غير أدبية، بل خضعت لترضيات "سياسية"، ولتدخلات ما يسمى بـ"لوبي دور النشر" الفرنسية. 

ولأن للبنان مكانة وجدانية خاصة لدى باريس والقادة الفرنسيين، وإيمانويل ماكرون لن يكون استثناء بينهم، إذ يحرص على إبقاء لبنان تحت المظلة الفرنكفونية بالمفهوم السياسي والجيوستراتيجي والتاريخي، وأن تكون اللغة الفرنسية جزءا وثيقا من الهوية اللبنانية. 

هكذا شاهدنا كيف سافر ماكرون إلى لبنان بعد يومين من حادث انفجار ميناء بيروت في صيف 2020، كان الرئيس الوحيد في العالم الذي هرع ليجتمع بساكن قصر بعبدا وأمراء الطوائف اللبنانية، بمن فيهم الثنائي الشيعي بزعامة حزب الله وحركة أمل. ما منح النخبة الحاكمة والطبقة السياسية المسيطرة في لبنان فرصة التقاط الأنفاس، وأضفى عليها شرعية الاستمرارية القائمة على المحاصصة الطائفية، وأفلتها من غضب المتظاهرين في "ثورة 17  تشرين"، الذين ووجهوا بقنابل مسيلة للدموع ورصاصات مطاطية وقاذفات من صناعة فرنسية، كما أكدت ذلك منظمة العفو الدولية. 

وبالرغم من فشل سياسة "الجزرة والعصا" الفرنسية مع لبنان، فإن استراتيجية باريس لم يطلها تغيير كبير حتى اليوم، ولا زالت تراوح تعثرها أمام الحضور الإيراني المتنامي في لبنان الذي يؤمنه سلاح حزب الله. 

هو ما يرجح تتويج سبيل غصوب بالجائزة الفرنسية الكبرى. غير أن الكاتب والصحفي المغربي المعطي قبَّال يشكك في حقيقة الوضع الفرنكوفوني بلبنان، واصفاً إياه بـ"وضع هجين، يفتقد إلى الوضوح. لبنان بلد فرانكفوني بالكاد، لكن بلا كتاب ولا ناشرين ولا صحافة فرنكفونية، ومع ذلك ولأسباب سياسية ترحل لجنة تحكيم "الغونكور" لبيروت للقيام بإعلان ربما لا يهم الغالبية العظمى من اللبنانيين، الذين تتلاحق عليهم الصدمات". ويعلق قبّال ساخرا إنه في حالة فوز غصوب "ستكتب الأكاديمية (غونكور) حكاية أخرى!". 

بانتظار إدخال الكرة الفرنكفونية في السلة اللبنانية المقعورة، (للإشارة فإن "الباسكيت" الرياضة الجماهيرية الأولى في بلد الأرز، رياضة أمريكية النشأة والأصل)... والتفرج على التواءات سياسة "الإيليزيه"، وهي تحاكي مرونة جسد لبناني جماعي في إيقاع مفرد (فرقة ميّاس)... مع متابعة دردشة عابرة بين عاشقين للغة الفرنسية من لبنان، على رصيف مقهى بشارع الحمرا أو "على ضفاف نهر السين"، ما دام سبيل غصوب نقل شوارع بيروت إلى باريس، فالمهم هو اللكنة البيروتية للغة الماكرونية. لنتساءل حول حقيقة ومغزى عبارة "اللغة الفرنسية غنيمة حرب" التي أطلقها ذات يوم الجزائري كاتب ياسين... أترى هي اللغة الفرنسية، أم لبنان بأكمله.. ("بلد بحاله" كما يقول المصريون!) 

ويستمر تأجيل المؤجل.. ولا ملاذ، تأكيدا أن الفرح اليوم ليس لبنانيا، وأن "الفرح ليس مهنة اللبنانيين"، وأن أحلامهم أخشاب تطافية على نهر زمن ميتافيزيقي.. إلى حين. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس
عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس

نضال منصور

انتهى المونديال في قطر بصورة تاريخية لميسي يرتدي "البشت" العربي حاملاً كأس العالم بعد فوز الأرجنتين على فرنسا في المباراة النهائية، وهي الصورة التي أثارت جدلاً ولغطاً، وستظل مخلدة على مر العقود. 

انتهى المونديال، وتساءلت وكثيرون غيري فعلوا؛ ماذا سنفعل بعد أسابيع من الشغف والتوتر والانفعال؟ ولم أكن أعلم أن هناك ما يسمى "اكتئاب ما بعد المونديال"، أو "متلازمة ما بعد المونديال"، وعكفت مؤسسات صحية عالمية على دراسة هذه الظاهرة التي تصاحب العديد من الناس بعد انتهاء بطولة كأس العالم لكرة القدم، والحالة الشعورية التي تسيطر، وتطغى عليهم حين يعودون إلى رتابة الحياة اليومية، ويفقدوا متعة التشجيع التي تتيح لهم مساحات للتنفيس، وتفريغ شحنات الإحباط المتراكم الذي يعيشونه. 

بشهادات دولية، فإن نسخة مونديال قطر لن تتكرر، وباستفتاء لشبكة "بي بي سي"، فإن بطولة كأس العالم في الدوحة أفضل نسخة للمونديال في القرن الحادي والعشرين، مقارنة بمونديالات كوريا/ اليابان 2002، ألمانيا 2006، جنوب أفريقيا 2010، برازيل 2014، وروسيا 2018، وصوّت 78 بالمئة من المشاركين في الاستفتاء لصالح مونديال قطر.

وعدا عن التكنولوجيا المبهرة التي استخدمت في حفلتي الافتتاح والختام، وفي الملاعب خلال المباريات، فإنه للمرة الأولى يتمكن المشجعون من مشاهدة أكثر من مباراة في اليوم الواحد بسبب قرب الملاعب، وتوفر المواصلات العامة المجانية، ويقول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، جياني إنفانتينو، إن "البطولة جمعت الكل، ولأول مرة في التاريخ تواجدت جماهير كل الفرق في مدينة واحدة".  

في المونديال رابحون وخاسرون، والرابح الأول في الملعب كان المنتخب الأرجنتيني الذي حصد كأس العالم بعد سنوات طويلة، وأعاد الكأس إلى أميركا الجنوبية، وانتزعها من القارة الأوروبية بعد هزيمته لمنتخب الديوك الفرنسي في ضربات الجزاء، والأهم في الفوز الأرجنتيني أن ميسي توّج ملكا دون منازع، واستطاع أن يحصد في حياته الكروية كل الألقاب التي تخلده بالتاريخ، ومثلما كانت الأرجنتين تتغنى باللاعب الأسطورة، مارادونا، الذي توّجهم بآخر مونديال، فإن الجماهير في بيونس آيرس خرجت إلى الشوارع لتشكر ميسي الذي أحيى فيهم الأمل بعد أعوام عجاف. 

زاد ميسي من رصيده عالمياً قبل أن يعتزل الملاعب، وفرحته الغامرة تقابلها دموع كريستيانو رونالدو الذي ودع منتخب بلاده البرتغال البطولة مبكراً بعد هزيمة مذلة أمام المنتخب المغربي، وبقائه في أكثر المباريات على دكة اللاعبين الاحتياطيين. 

الرابح الأهم بعد الأرجنتين كانت قطر التي انتزعت إعجاب العالم، ورسخت حضورها دولياً، وصنعت معجزة في التفاصيل الكثيرة للمونديال بعد أن ظلت لأكثر من عقد من الزمن تحت مطرقة النقد، والتشكيك بقدرتها على استضافة هذه التظاهرة الكونية التي تستقطب اهتمام المليارات من البشر على هذا الكوكب. 

قطر لم يكسب فريقها، وخرج مبكرا، ولكنها ربحت في رهانات التنظيم، ولم تشهد الملاعب، أو مناطق المشجعين شغبا، أو اعتداءات مثلما كان يتكرر في البطولات، واعتبرت البطولة نموذجا خاليا من شكاوى التحرش الجنسي. 

قبيل البطولة شنّت العديد من الدول الأوروبية حملة منظمة على قطر، استخدم ملف العمالة، والانتهاكات الحقوقية للعمال الذين نفذوا مشاريع كأس العالم بيدقا للنيل منها، ورغم إحراز الدوحة لنجاحات في تحسين بيئة العمل بشهادة منظمة العمل الدولية، لكن هذا لم يشفع لها للحد من حملة اتسمت في بعض جوانبها بالعنصرية والشوفينية والعدائية. 

حاولت الدول الغربية فرض أجندتها ومعاييرها الحقوقية والأخلاقية، واعتبرت قضية المثلية الجنسية أولوية تستحق أن تُخاض من أجلها حرب لا هوادة فيها، دون مراعاة للخصوصيات القيمية للمجتمعات الأخرى، وحصدت بسبب هذه التوجهات عزلة، ورفضا مجتمعيا عربيا، وربما مشاعر الشماتة التي رافقت خروج المنتخبات الأوروبية العريقة، مثل: ألمانيا، وإسبانيا، وإنكلترا كانت مؤشرا على فقدان التعاطف معها. 

شعر العرب بالفخر وهم يرون المُنجز القطري يتحقق في المونديال، وتعرفوا بشكل جلي على النظرة الاستعلائية الغربية، وعقدة التفوق الأوروبي التي ترى أن الحضارة دونهم خراب. 

أبرز الرابحون في المونديال المنتخب المغربي الذي وصل إلى ربع النهائي، وأخرج منتخبات مهمة، مثل: إسبانيا والبرتغال وظلمه التحكيم، ولولا ذلك لكانت الفرصة أن يُشاهد منتخب عربي في نهائي كأس العالم. 

حظي المنتخب المغربي باهتمام منقطع النظير بعد خروج المنتخبات العربية، وبعد أداء لافت وروح قتالية في الملاعب، أصبح نجومهم حديث الناس وترسخت في وجدان الجماهير العربية احتفاء اللاعبين وتكريمهم لأمهاتهم، والحقيقة أن المغرب أدخل البهجة للملايين الذين يتوقون لانتصارات تُبعد شبح الهزائم في حياتهم ومجتمعاتهم، وأكثر ما يُزين صورة المنتخب المغربي "متلازمة" حبهم لفلسطين، وإبراز عدالة قضيتها، وما قدموه في المونديال عجزت عنه الجامعة العربية وقممها منذ تأسيسها. 

في مونديال قطر شارك 32 منتخبا من العالم، والواقع في المدرجات أن الغائب الحاضر كانت فلسطين، ولذلك اعتبرتها وسائل الإعلام المنتخب رقم 33 في البطولة، فعلم فلسطين كان خفاقا في كل المباريات، والهتافات لفلسطين كانت تعلو أهازيجَ، خاصة حين تلعب المنتخبات العربية، وفي مقدمتها المغرب. 

المونديال في الدوحة أسقط رهانات التطبيع مع إسرائيل، وقنوات التلفزة الإسرائيلية حظيت بالمقاطعة الشعبية، والصحفيون الاسرائيليون شعروا بأنهم منبوذون وأصيبوا بالصدمة، ولهذا فإن عنوان صحيفة "إسرائيل اليوم" كان "إنهم لا يحبوننا ولا يرغبون بوجودنا".

وكتب الصحفي، تسيون نانوس، في القناة 12 الإسرائيلية "للأسف في قطر وجزء كبير من العالم، وبالتأكيد العالم العربي ينظرون إلى أننا نمثل نظام الفصل العنصري الذي كان قائما في جنوب أفريقيا حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي"، والاستنتاج الذي توصلت له صحيفة معاريف في عنوانها "فلسطين هزمت إسرائيل في أكبر مسرح في العالم.. المونديال". 

كانت بطولة كأس العالم حافلة بالمفاجآت فالمنتخب السعودي هزم الأرجنتين، والبرازيل المصنف الأول في العالم خرجت، وهزمتها كرواتيا، وكل الكبار بكرة القدم خرجوا بشكل صادم، وكارل هاينز يدعو الألمان للتعلم من التجربة المغربية للتعافي بعد الخروج المحبط من دور المجموعات. 

حقق مونديال قطر رقما قياسيا في الإيرادات للفيفا، إذ حصدت 7.5 مليار، أي أكثر بمليار دولار عن مونديال روسيا، وحسب الأرقام الرسمية فإن عوائد استضافة المونديال لقطر بلغت 17 مليار دولار، والأهم أن ما تحقق يصب بشكل مباشر في رؤية قطر الوطنية 2030، ويحولها إلى مجتمع عالمي ومركز تجاري وسياحي.

ومن المتوقع أن تحرز قطر نموا اقتصاديا عامي 2022-2023 يبلغ 3.4 بالمئة، واستطاعت في حفل الافتتاح أن تلفت الأنظار لقضايا حقوقية، ويشير رئيس الفيفا "استخدمنا قوة كرة القدم خارج الملعب لتسليط الضوء على قضايا التمييز والترويج للاستدامة وضمان تمتع الأطفال بالحماية والتعليم". 

الحركة الذكية التي تعمدها أمير قطر الشيخ تميم بإلباس ميسي "البشت" رغم كل الجدل وضعت بصمة عربية بتاريخ المونديال، والانتقادات التي راجت في وسائل إعلام غربية مثل قول دايلي تيليغراف إن "إلباس البشت عمل غريب أفسد أكبر لحظة في تاريخ كأس العالم"، أو وصف التلفزيون الفرنسي "BFM" "البشت بخرقة أو رداء حمام" أعاد إلى المشهد حملة عدائية غير مبررة تستكثر ولا تريد لأي دولة خارج أوروبا أن تفلح في تنظيم مبهر لأكبر تظاهرة عالمية.

وبالتوازي وردا على الاتهامات استحضرت منصات التواصل الاجتماعي صورة للأسطورة بيليه وهو يلبس "الطاقية" المكسيكية بعد فوزه في كأس العالم بالمكسيك باعتبار أن ما فعلته قطر ليس خارج السياق. 

انتهى المونديال، وستظل الصور، واللحظات التي عشناها حاضرة تُذكرنا أن كرة صغيرة تحتشد لأجلها كل البشرية. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).