Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

ليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم
ليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم

د. عماد بوظو

في منتصف شهر سبتمبر الحالي تمّ الإعلان في طهران عن وفاة الشابة مهسا أميني ابنة 22 عاماً بعد اعتقالها من "شرطة الأخلاق" بتهمة عدم ارتداء الحجاب الإسلامي بالشكل الصحيح، وعرضَ موقع إيراني صور أشعة أظهرت إصابة الفتاة بكسر في الطرف الأيمن من الجمجمة يُرجّح أنه ناجم عن ضربة مُباشرة على الرأس، وأشعلت هذه الحادثة موجة تظاهُرات شمَلت أغلب المُدن الإيرانية وكانت النساء في المقدّمة وقامت مئات منهُن بنزع أغطية الرأس وتجميعها في الساحات العامّة ثم حرقها، بينما قامت أُخريات بقصّ شعرهنّ أمام الكاميرا رفضاً للحجاب. 

وقبل شهرين في يوليو الماضي نظّمت مجموعات من النساء الإيرانيات حملة احتجاج نزعنَ فيها الحجاب بعد إعلان الحكومة عن "اليوم الوطني للحجاب والعفّة"، والذي اعتبرنه ذَريعة للقيام بحملة قمع جديدة ضدّ النساء، ثم نشرَت إيرانيات داخل وخارج إيران هاشتاغ لا للحجاب، ولا تكاد تمرّ سنة في إيران دون احتجاجات مُماثلة رُغم القوانين المُشدّدة التي تحكُم على النساء بالسجن سنوات طويلة إذا خلعنَ الحجاب في الشارع لأنّ الحكومة تعتبر ذلك تهديداً للأمن الوطني وتسلّلاً للقيم الغربية وإفساداً في الأرض ودَعارة!، فمنذ عام 1979 يتوجّب على كل فتاة تتجاوز 13 عاماً أن ترتدي حجاباً وملابس طويلة تغطّي الجسد. 

وفي أفغانستان رُغم الرُعب الذي تفرضهُ حركة طالبان ورُغم أنها تقوم بقتل الفتيات برصاصة في الرأس على الحواجز إذا بدَت ملابسها غير مُتطابقة مع معايير هذه الحركة، فقد تظاهرت النساء في كابل في شهر أغسطس الماضي وردّدنَ "العدل العدل…سئمنا منَ الجهل"، كما خرجت احتجاجات في شهر مايو الماضي عندما أصدرت الحكومة مرسوماً يُجبر النساء على وضع النقاب في الأماكن العامّة. 

كما خرَجت نساء في بداية العام الحالي للاحتجاج على تعليمات وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر التي تنصّ على وُجوب ارتداء النساء الحجاب وتغطية الرأس، وقالت إحداهنّ لقد خرجنا في احتجاج سلمي للدفاع عن حقوق المرأة لكن تمّ قمعُنا، وتتّبع حركة طالبان أسلوباً مزدوجاً في قمع النساء فهي تفرّق الاحتجاجات في الشارع ثم تَقوم بعد ذلك باختطاف المُشاركات فيها كل واحدة على حدة حتّى لا تلفت الأنظار، وأوضحت حركة طالبان أنّه إذا لم يكن هناكَ سبب مُلحّ فإن الحركة تفضّل أن تبقى النساء في البيت، واختصرت إحدى السيدات حالة النساء بالقَول، "أشعر بأنّ مُجرّد كوني امرأة يُعتبر جريمة في أفغانستان". 

في تركيا الوضع مختلف، ولكن بعد عقدين من حكم الإسلام السياسي سيطرت جماعات مُحافظة على المجتمع التركي خاصّة في الأرياف والبلدات جعَلت من الحجاب رمزاً سياسيا لإخضاع المرأة، ولذلك انتشرت خلال العام الحالي مَوجة من خلع الحجاب كتعبير عن التمرّد على هذه الجماعات الإسلامية، وأنشأت مجموعة من النساء منصّة على الإنترنت بعنوان "لن تَمشي وحدك"، لكي تتساعَد النساء وتتضامن مع بعضها في نزع الحجاب. 

وذكرَ مقال على الواشنطن بوست، "منَ الصعب معرفة أعداد هؤلاء النساء لكن يبدو أنّ الهدف الذي حدّده إردوغان لنفسه بولادة جيل تَقي يسير الآن بالاتجاه المُعاكس"، وقالت إحداهن عندما نَزعتُ الحجاب أوّل مرّة، شعرتُ أن الجميع ينظر إليّ لكنّ الشُعور بالهواء يلعَب في شعري كانَ جميلاً، ووَصفت كيف تتعرّض الفتيات لضغوط كبيرة من الأهل لوضع الحجاب، مثلَ امتناع الأمّهات عن الكلام مع بناتهنّ لعدّة أشهر إلى حَبس الآباء لبناتهم في المنزل أو إخراجهنّ من المدرسة وحتى ضربُهن، وانتهت الحال بإحدى الفتيات إلى دُخول مصحّة عقليّة حتى وافق أهلُها على أن تنزعَ الحجاب. 

وفي تونس بعدَ ثورة الربيع العربي انتشر الحجاب إلى حدّ ما كَرد فعل على منعُه من النظام السابق، ولكن بعد عشر سنوات بدأت ظاهرة الحجاب في التراجع وقالت إحدى الفتيات قبلَ سنة كانَ لا يُمكنني إظهار أنوثتي وجمالي أمامَ من حولي لقد شعرتُ أنّني كبرتُ سنوات عندما وضعتُه وعندما خلعتُه شعرتُ أنّني نزعتُ ثقلاً كانَ جاثماً على صَدري، وقالت أخرى أنّ رغبتها بارتداء الحجاب انتهت بعد بضعة سنوات لأنها لم تستطع أن تكونَ على طبيعتها وهي ترتديه، حيثُ لا تستطيع أن تخرُج للترفيه أو الرقص أو حتّى الضحك لأن ذلك يبدو غريباً من المرأة المحجّبة فقرّرَت التوقُّف عن النفاق ونَزع الحجاب، وقالت أستاذة جامعية تونسية أنّ ظاهرة انتشار الحجاب كانت تعبيراً عن مُعارضة النظام السياسي، وخلعُه اليوم تَعبير عن رفض تجربة الإسلاميين السياسية. 

وعند الحديث عن احتجاجات نساء على الحجاب لابدّ من الرُجوع قَرن إلى الوراء وتحديداً إلى عام 1923 عندما قادت صفيّة فهمي زوجة سعد زغلول مع رائدة الحركة النسائية هُدى شعراوي أوّل مُظاهرة نسائية في مصر وصَلت حتّى أعتاب ميدان التحرير الحالي حيثُ قامت نساء بنزع الحجاب وإلقائه على الأرض وإضرام النار فيه، في ما اعتبرنه رفضاً للجهل والتخلّف وكل ما لهُ علاقة بدولة الخلافة العثمانية، وساعدَ نشاط هؤلاء السيّدات في نَشر التنوير في مصر لعدّة عُقود شهدت مصر خلالها نهضة اجتماعية وثقافية وفكريّة وفنّية، حتى أنّه في عام 1958 قالت صحيفة يونايتد برس كأنّ الحجاب لم يعُد معروفاً في مصر. 

وفي ثمانينات القرن الماضي عادَ الحجاب إلى مصر وانتشر وأصبح شكلُه أكثر تزمّتاً كتعبير عن تنامي المُعارضة لنظام مبارك، وقالت صحيفة نيويورك تايمز أن نسبتهُ في المجتمع المصري في العقد الأوّل من القرن الحالي أصبحت 90 في المائة، وَخلال سنة حُكم الإخوان تراجعَ الحجاب قليلا ًمعَ ميل نسبة كبيرة من الشعب لمعارضة حكمهم، ولكنّه عادَ بقوّة بعد سنوات من حُكم الرئيس السيسي خُصوصاً في الأحياء الشعبية والعشوائيّات والبلدات والقرى التي انخفض مُستوى المعيشة فيها بشدّة، وكذلكَ كان انتشاره تعبيراً عن مُعارضة النظام. 

ولكن في هذه المرّة لم تكُن هذه المُعارضة لمصلحة الإخوان المسلمين الذين فَقدوا الكثيرَ من شعبيّتهم، بَل كانت لمصلحة الأزهر لانتشار اعتقاد واسع في الشارع المصري بأنّ الأزهر يخوض صراعاً مع السلطة دفاعاً عن الإسلام، ولم يُمانع الأزهر في انتشار هذا الاعتقاد بل يَعمل يومياً على تأكيدُه عن طريق لعب دور مُشابه لدور شرطة الأخلاق في إيران أي مُراقبة سُلوك وأخلاق المجتمع المصري، وفي النتيجة تضافرَت عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية في جعل معاناة المرأة المصرية أشدّ من مثيلاتها في بقية الدول الإسلامية لأنّها أصبحت مُحاصرة ومُراقبة وتُعامَل كمتّهمة من قبل كلّ مَن يُحيط بها ولا يقف معها أحد لا عائلتها ولا جيرانها في الحيّ الذي تسكُن فيه ولا زُملاؤها في المدرسة أو الجامعة أو العمل. 

ولكنّ ما قيل عن أحوال المرأة المصرية لا يشمل الأقليّة الثريّة التي تعيش في عالم خاص مُنعزل ومُختلف وفي مناطق شبه مَحظورة على العامّة، قالت إحدى السيدات التي تسكُن في أحد هذه التجمّعات السُكانيّة المُغلقة أنها تشعُر بالحريّة في ارتداء ما تُريده من الملابس دونَ التعرّض للتحرّش، وقالت أخرى أنها تستطيع الخُروج والعودة متى أرادت وارتداء ما تُريد من ملابسها المتحرّرة التي يرفُضها المجتمع.   

والخُلاصة أنّ تجارب العُقود الأخيرة قد أثبتت أنه لا فائدة ولا جدوى من محاولة إقناع رجال الدين المُسلمين بأنّ الحجاب بدعَة دَخيلة على الدين، كما أثبتت أنّه في قَضايا المرأة لا يُوجد بينَ الإسلاميين مُعتدل ومُتطرّف بل يتّفق الجميع على النَظر إلى المرأة كأداة للجنس ولإمتاع الرجل، كما يتّفقون على أنّ الرجل قَوّام على المرأة وأنه وليّها وراعيها وأنها الرعيّة، رُغم أن الكثير من العائلات والدول تحكُمها وتقودها نساء بكلّ نَجاح، وكذلك أثبتت أنّ موقف داعش والإخوان وطالبان والأزهر ونظام ولاية الفقيه في إيران مُتطابق في جميع قضايا المرأة، وإن اختلفت أساليبُهم في التعامُل معها منَ الشكل الفجّ والبدائي في أفغانستان وإيران إلى الضغط المجتمعي الهائل والمتعدّد الوسائل في مصر. 

كما يَرفضون جميعاً الاعتراف بأنّ التشريعات الإسلامية تظلُم المرأة في كلّ شيء وليسَ تعدّد الزوجات وقوانين الإرث سوى مثال بسيط عنها، ولذلك فإنّ الحجاب ليس مُجرّد قطعة قُماش تُغطّي شعرَ المرأة بل هوَ تجسيد لثقافة مُتكاملة تنظر بدونيّة إلى المرأة في جميع النواحي، وليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم، ولن يستغربَ أحد إن كانت أول خطوة يقمنَ بها هي نَزع الحجاب بل وحرقُه إذا اقتضى الأمر، كما تفعل نساء إيران اليوم وكما فعَلت الرائدات صفيّة زغلول وهدى شعراوي عام 1923. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).