Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

ليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم
ليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم

د. عماد بوظو

في منتصف شهر سبتمبر الحالي تمّ الإعلان في طهران عن وفاة الشابة مهسا أميني ابنة 22 عاماً بعد اعتقالها من "شرطة الأخلاق" بتهمة عدم ارتداء الحجاب الإسلامي بالشكل الصحيح، وعرضَ موقع إيراني صور أشعة أظهرت إصابة الفتاة بكسر في الطرف الأيمن من الجمجمة يُرجّح أنه ناجم عن ضربة مُباشرة على الرأس، وأشعلت هذه الحادثة موجة تظاهُرات شمَلت أغلب المُدن الإيرانية وكانت النساء في المقدّمة وقامت مئات منهُن بنزع أغطية الرأس وتجميعها في الساحات العامّة ثم حرقها، بينما قامت أُخريات بقصّ شعرهنّ أمام الكاميرا رفضاً للحجاب. 

وقبل شهرين في يوليو الماضي نظّمت مجموعات من النساء الإيرانيات حملة احتجاج نزعنَ فيها الحجاب بعد إعلان الحكومة عن "اليوم الوطني للحجاب والعفّة"، والذي اعتبرنه ذَريعة للقيام بحملة قمع جديدة ضدّ النساء، ثم نشرَت إيرانيات داخل وخارج إيران هاشتاغ لا للحجاب، ولا تكاد تمرّ سنة في إيران دون احتجاجات مُماثلة رُغم القوانين المُشدّدة التي تحكُم على النساء بالسجن سنوات طويلة إذا خلعنَ الحجاب في الشارع لأنّ الحكومة تعتبر ذلك تهديداً للأمن الوطني وتسلّلاً للقيم الغربية وإفساداً في الأرض ودَعارة!، فمنذ عام 1979 يتوجّب على كل فتاة تتجاوز 13 عاماً أن ترتدي حجاباً وملابس طويلة تغطّي الجسد. 

وفي أفغانستان رُغم الرُعب الذي تفرضهُ حركة طالبان ورُغم أنها تقوم بقتل الفتيات برصاصة في الرأس على الحواجز إذا بدَت ملابسها غير مُتطابقة مع معايير هذه الحركة، فقد تظاهرت النساء في كابل في شهر أغسطس الماضي وردّدنَ "العدل العدل…سئمنا منَ الجهل"، كما خرجت احتجاجات في شهر مايو الماضي عندما أصدرت الحكومة مرسوماً يُجبر النساء على وضع النقاب في الأماكن العامّة. 

كما خرَجت نساء في بداية العام الحالي للاحتجاج على تعليمات وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر التي تنصّ على وُجوب ارتداء النساء الحجاب وتغطية الرأس، وقالت إحداهنّ لقد خرجنا في احتجاج سلمي للدفاع عن حقوق المرأة لكن تمّ قمعُنا، وتتّبع حركة طالبان أسلوباً مزدوجاً في قمع النساء فهي تفرّق الاحتجاجات في الشارع ثم تَقوم بعد ذلك باختطاف المُشاركات فيها كل واحدة على حدة حتّى لا تلفت الأنظار، وأوضحت حركة طالبان أنّه إذا لم يكن هناكَ سبب مُلحّ فإن الحركة تفضّل أن تبقى النساء في البيت، واختصرت إحدى السيدات حالة النساء بالقَول، "أشعر بأنّ مُجرّد كوني امرأة يُعتبر جريمة في أفغانستان". 

في تركيا الوضع مختلف، ولكن بعد عقدين من حكم الإسلام السياسي سيطرت جماعات مُحافظة على المجتمع التركي خاصّة في الأرياف والبلدات جعَلت من الحجاب رمزاً سياسيا لإخضاع المرأة، ولذلك انتشرت خلال العام الحالي مَوجة من خلع الحجاب كتعبير عن التمرّد على هذه الجماعات الإسلامية، وأنشأت مجموعة من النساء منصّة على الإنترنت بعنوان "لن تَمشي وحدك"، لكي تتساعَد النساء وتتضامن مع بعضها في نزع الحجاب. 

وذكرَ مقال على الواشنطن بوست، "منَ الصعب معرفة أعداد هؤلاء النساء لكن يبدو أنّ الهدف الذي حدّده إردوغان لنفسه بولادة جيل تَقي يسير الآن بالاتجاه المُعاكس"، وقالت إحداهن عندما نَزعتُ الحجاب أوّل مرّة، شعرتُ أن الجميع ينظر إليّ لكنّ الشُعور بالهواء يلعَب في شعري كانَ جميلاً، ووَصفت كيف تتعرّض الفتيات لضغوط كبيرة من الأهل لوضع الحجاب، مثلَ امتناع الأمّهات عن الكلام مع بناتهنّ لعدّة أشهر إلى حَبس الآباء لبناتهم في المنزل أو إخراجهنّ من المدرسة وحتى ضربُهن، وانتهت الحال بإحدى الفتيات إلى دُخول مصحّة عقليّة حتى وافق أهلُها على أن تنزعَ الحجاب. 

وفي تونس بعدَ ثورة الربيع العربي انتشر الحجاب إلى حدّ ما كَرد فعل على منعُه من النظام السابق، ولكن بعد عشر سنوات بدأت ظاهرة الحجاب في التراجع وقالت إحدى الفتيات قبلَ سنة كانَ لا يُمكنني إظهار أنوثتي وجمالي أمامَ من حولي لقد شعرتُ أنّني كبرتُ سنوات عندما وضعتُه وعندما خلعتُه شعرتُ أنّني نزعتُ ثقلاً كانَ جاثماً على صَدري، وقالت أخرى أنّ رغبتها بارتداء الحجاب انتهت بعد بضعة سنوات لأنها لم تستطع أن تكونَ على طبيعتها وهي ترتديه، حيثُ لا تستطيع أن تخرُج للترفيه أو الرقص أو حتّى الضحك لأن ذلك يبدو غريباً من المرأة المحجّبة فقرّرَت التوقُّف عن النفاق ونَزع الحجاب، وقالت أستاذة جامعية تونسية أنّ ظاهرة انتشار الحجاب كانت تعبيراً عن مُعارضة النظام السياسي، وخلعُه اليوم تَعبير عن رفض تجربة الإسلاميين السياسية. 

وعند الحديث عن احتجاجات نساء على الحجاب لابدّ من الرُجوع قَرن إلى الوراء وتحديداً إلى عام 1923 عندما قادت صفيّة فهمي زوجة سعد زغلول مع رائدة الحركة النسائية هُدى شعراوي أوّل مُظاهرة نسائية في مصر وصَلت حتّى أعتاب ميدان التحرير الحالي حيثُ قامت نساء بنزع الحجاب وإلقائه على الأرض وإضرام النار فيه، في ما اعتبرنه رفضاً للجهل والتخلّف وكل ما لهُ علاقة بدولة الخلافة العثمانية، وساعدَ نشاط هؤلاء السيّدات في نَشر التنوير في مصر لعدّة عُقود شهدت مصر خلالها نهضة اجتماعية وثقافية وفكريّة وفنّية، حتى أنّه في عام 1958 قالت صحيفة يونايتد برس كأنّ الحجاب لم يعُد معروفاً في مصر. 

وفي ثمانينات القرن الماضي عادَ الحجاب إلى مصر وانتشر وأصبح شكلُه أكثر تزمّتاً كتعبير عن تنامي المُعارضة لنظام مبارك، وقالت صحيفة نيويورك تايمز أن نسبتهُ في المجتمع المصري في العقد الأوّل من القرن الحالي أصبحت 90 في المائة، وَخلال سنة حُكم الإخوان تراجعَ الحجاب قليلا ًمعَ ميل نسبة كبيرة من الشعب لمعارضة حكمهم، ولكنّه عادَ بقوّة بعد سنوات من حُكم الرئيس السيسي خُصوصاً في الأحياء الشعبية والعشوائيّات والبلدات والقرى التي انخفض مُستوى المعيشة فيها بشدّة، وكذلكَ كان انتشاره تعبيراً عن مُعارضة النظام. 

ولكن في هذه المرّة لم تكُن هذه المُعارضة لمصلحة الإخوان المسلمين الذين فَقدوا الكثيرَ من شعبيّتهم، بَل كانت لمصلحة الأزهر لانتشار اعتقاد واسع في الشارع المصري بأنّ الأزهر يخوض صراعاً مع السلطة دفاعاً عن الإسلام، ولم يُمانع الأزهر في انتشار هذا الاعتقاد بل يَعمل يومياً على تأكيدُه عن طريق لعب دور مُشابه لدور شرطة الأخلاق في إيران أي مُراقبة سُلوك وأخلاق المجتمع المصري، وفي النتيجة تضافرَت عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية في جعل معاناة المرأة المصرية أشدّ من مثيلاتها في بقية الدول الإسلامية لأنّها أصبحت مُحاصرة ومُراقبة وتُعامَل كمتّهمة من قبل كلّ مَن يُحيط بها ولا يقف معها أحد لا عائلتها ولا جيرانها في الحيّ الذي تسكُن فيه ولا زُملاؤها في المدرسة أو الجامعة أو العمل. 

ولكنّ ما قيل عن أحوال المرأة المصرية لا يشمل الأقليّة الثريّة التي تعيش في عالم خاص مُنعزل ومُختلف وفي مناطق شبه مَحظورة على العامّة، قالت إحدى السيدات التي تسكُن في أحد هذه التجمّعات السُكانيّة المُغلقة أنها تشعُر بالحريّة في ارتداء ما تُريده من الملابس دونَ التعرّض للتحرّش، وقالت أخرى أنها تستطيع الخُروج والعودة متى أرادت وارتداء ما تُريد من ملابسها المتحرّرة التي يرفُضها المجتمع.   

والخُلاصة أنّ تجارب العُقود الأخيرة قد أثبتت أنه لا فائدة ولا جدوى من محاولة إقناع رجال الدين المُسلمين بأنّ الحجاب بدعَة دَخيلة على الدين، كما أثبتت أنّه في قَضايا المرأة لا يُوجد بينَ الإسلاميين مُعتدل ومُتطرّف بل يتّفق الجميع على النَظر إلى المرأة كأداة للجنس ولإمتاع الرجل، كما يتّفقون على أنّ الرجل قَوّام على المرأة وأنه وليّها وراعيها وأنها الرعيّة، رُغم أن الكثير من العائلات والدول تحكُمها وتقودها نساء بكلّ نَجاح، وكذلك أثبتت أنّ موقف داعش والإخوان وطالبان والأزهر ونظام ولاية الفقيه في إيران مُتطابق في جميع قضايا المرأة، وإن اختلفت أساليبُهم في التعامُل معها منَ الشكل الفجّ والبدائي في أفغانستان وإيران إلى الضغط المجتمعي الهائل والمتعدّد الوسائل في مصر. 

كما يَرفضون جميعاً الاعتراف بأنّ التشريعات الإسلامية تظلُم المرأة في كلّ شيء وليسَ تعدّد الزوجات وقوانين الإرث سوى مثال بسيط عنها، ولذلك فإنّ الحجاب ليس مُجرّد قطعة قُماش تُغطّي شعرَ المرأة بل هوَ تجسيد لثقافة مُتكاملة تنظر بدونيّة إلى المرأة في جميع النواحي، وليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم، ولن يستغربَ أحد إن كانت أول خطوة يقمنَ بها هي نَزع الحجاب بل وحرقُه إذا اقتضى الأمر، كما تفعل نساء إيران اليوم وكما فعَلت الرائدات صفيّة زغلول وهدى شعراوي عام 1923. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة تعبيرية من متجر في فرنسا
صورة تعبيرية من متجر في فرنسا

محمد المحمود

عندما وصل نابليون بونابرت بحملته الشهيرة إلى شواطئ مصر أواخر القرن الثامن عشر، كان الفارق بين أوروبا والعالم العربي في مستوى "التقدم الاستهلاكي" والمقتنيات التقنية هائلا.

لقد واجه جنودُ مصر التابعين للدولة العثمانية آنذاك، مدافع نابليون بالسيوف وبالسكاكين وبالعِصي.

وطبعا، كانت المعركة بين الفريقين "كاريكاتورية" إلى أبعد الحدود، تبعا للفرق الهائل في التنظيم وفي التقنية، والذي كان لصالح الجنود الفرنسيين المتوفرين على أحدث الأسلحة وأحدث التقنيات، وعلى أحدث المهارات القتالية، مقابل المقاتلين المصريين، المماليك، الذين كانوا لا يزالون يُحاربون بأسلحة قروسطية، بل كانوا يتخيلون المعارك، تنظيما، وإداريا، وتشغيليا، ومآلات، كما كانت عليه الحال في آخر الحملات الصليبية القروسطية على مصر: حملة لويس التاسع في القرن الثالث عشر الميلادي.

ولم تكن حملة نابليون حملة عسكرية مجردة، بل كانت حملة عسكرية مُجَهَّزة بفريق علمي كبير مُتعدّد الاهتمامات، وبمطبعة أيضا، وهي أول مطبعة تدخل العالم العربي.

وخلال وجود هذه الحملة الفرنسية بمصر، كان علماؤها يستعرضون علومهم الحديثة.

ووفق ما يذكر المؤرخ المصري، ومؤرخ الحملة الفرنسية من جهة المصريين، الجبرتي، فإن الفرنسيين كانوا يدعون علماء الأزهر وغيرهم لمشاهدة بعض التجارب الكيميائية التي كانوا يقومون بها.

والجبرتي بعد أن يستعرض شيئا مما عرضه الفرنسيون أمامهم يعلق، وبحسرة بالغة: "وهذا مما تقصر عنه عقول أمثالنا".

المهم، جراء حملة نابليون، انفتحت أعينُ المصريين، ومن ورائهم سائر العرب، على الفرق الحضاري الهائل بين أوروبا من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى.

وأدركوا، ولو بكثير من الغموض، وبكثير من الاضطراب، حجمَ تخلّفهم المُرَوِّع؛ قياسا بما كانت عليه أوروبا آنذاك.

وكانت الحملة الفرنسية ضربة مفاجئة على الرأس؛ ليستيقظ هذا النائم من سباته الطويل والعميق.

لقد استيقظ كثيرون، وهم يفركون عيونهم ويمسحون وجوههم، غير مُصَدِّقين بحقيقة نومتهم الكهفية الممتدة لقرون. وعى بعض الناس آنذاك، وخاصة شرائح من النخبة الحاكمة ومن النخبة المتعلمة تعليما متواضعا، ضرورة ردم هذه الهوة العميقة الفاصلة بين العالم الإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى. 

نعم، لقد أصبح الاشتغال على تجاوز "واقعة التخلّف" هاجسا نخبويا؛ حسب ما عبر عنه الشيخ الأزهري، حسن العطار.

ولهذا، نجد والي مصر، محمد علي، وبعد هذه الحملة بثلاثة عقود تقريبا، يُرسل "البعثة العلمية" إلى فرنسا، تلك البعثة التي كان من أشهر أفرادها (كإمام ومرشد ديني للبعثة) الشيخ، رفاعة الطهطاوي، بعد ترشيح من شيخه المباشر، حسن العطار، الذي نصحه بمحاولة فهم سرّ التقدم الغربي.

ومنذ وطئت قدما الطهطاوي الأراضي الفرنسية؛ أدرك، بعمق، حجم المأساة التي يعيش فيها عالمه الذي جاء منه العالم الإسلامي مقارنة بما أصبح يُشاهده ـ رأي عَيْنٍ ـ في العالم الفرنسي، العالم الغربي.

كان وعيه بالمأساة حادا وأليما.

ولهذا، تجاوز مُهمّته الأصلية المتواضعة بصفته مرشدا دينيا للبعثة، وتعلّم الفرنسية، ومن ثم العمل الجاد على فهم أسرار التقدم الغربي.

وعندما ألَّف كتابه الشهير عن هذه الرحلة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كانت المقارنات الأليمة، الصريحة والضمنية، تنتظم الكتاب، وتُشَكِّل عصبه الأساس.

تَبِعَ الطهطاويَّ كثيرون من أنحاء العالم العربي، ممن قذفت بهم الظروف والأقدار ليكونوا في موضعٍ مؤسساتي أو ثقافي؛ يفرض عليهم المقارنة بين عالمهم العربي، الإسلامي البائس، والعالم الغربي المتقدم.

وبهذا تنامى الوعي بالفارق الهائل، وتعددت المقترحات التي تتغيا تقليص الفجوة؛ كُلٌّ في مجاله.

وقد ازدادت هذه الحال الجارحة للاعتبار القوم الذاتي كثافة؛ عندما بدأ الاستعمار الغربي يُطِلُّ برأسه، أي عندما بدأ "التفوق الحضاري الغربي" يأخذ مسارا أكثر حِدَّةً وأشدَّ خُشُونةً في رَسْمِ معالم "العار القومي" المتمظهر واقعيا في احتلالٍ عسكري مُهِين.

وعلى امتداد القرن التالي لحملة نابليون، أي على امتداد القرن التاسع عشر، كان الوعي الأليم (أي الوعي بمأساة التخلف الذاتي الشامل، مقابل الحسرة البالغة الناتجة عن مراقبة اطراد التقدم الغربي الذي كانت معجزاته، واختراعاته تتوالى) وهو ما يُشَكِّل معالمَ وعي النخب السياسية والثقافية في معظم أرجاء العالمين: العربي والإسلامي. وبالتالي، كانت إرادة التتلمذ، إرادة الانبعاث من أجل اللحاق، ولو جزئيا، بالعالم الغربي المتقدم، هي المسيطرة على اهتمام السياسيين والمثقفين، إن حقا وصدقا، أو كذبا وادّعاء.

وهذا ما رأيناه في الخطوات الإدارية والتعليمة، وخطوات الانفتاح على الآخر الغربي في أكثر من مستوى، سواء في الدولة العثمانية أو في ولاياتها العربية، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي بدأت فيه معطيات الحضارة الحديثة، الغربية، تُلامِس، وبشكل مباشر، حياة معظم الناس في العالم العربي. 

ما الذي حدث بعد ذلك؟ أي: ما الذي حدث مطلع القرن العشرين، وتنامى في النصف الثاني منه، وأصبح هو السائد مطلع القرن الحادي والعشرين؟

الذي حدث هو أن الاستهلاك العربي للتقنيات الحديثة تصاعد؛ من دون أن يُحَايثه تصاعدٌ للتقدم الفكري والعلمي، ومن دون أن يُقدِّم العالم العربي المستهلك أيَّ إسهام علمي وإبداعي؛ حتى في ما هو بصدد استهلاكه على نحو واسع و محموم.

فَجَرّاء مقدرات من هنا وهناك، أصبح الإنسان العربي مطلعَ القرن العشرين يركب السيارة، ولاحقا الطيارة، ثم هو يلبس أحدث الساعات، ويستخدم المذياع، ثم التلفاز، فضلا عن الهاتف بكل مستوياته.

العربي المستهلك؛ أصبح متقدما! 

أصبحت مخترعات العالم المتقدم بين يديه بشكل أو بآخر.

ومع مرور الزمن، وتوفّر بعض المقدرات الأخرى، أصبح يقتني أحدث ما ينتجه العالم المتقدم، بل ربما أصبحت ساعته الخاصة أحدث من ساعة الغربي في بلد الاختراع، وسيارته أحدث، وهاتفه أحدث، بل ومسارات طرقه أحدث، ومنازله أحدث وأفخم.. وغيرها العديد من مظاهر التقدم الاستهلاكي، المقرون عربيا بعجز تام عن الإسهام ولو بالقليل، لا في رفع متتاليات هذه المخترعات فحسب، بل حتى في صناعته ـ كتقليد ـ ابتداء. 

إن هذا "التقدم الاستهلاكي" مَنح الإنسانَ العربي اليوم شعورا زائفا بانعدام الفارق الحضاري بينه وبين العالم المتقدم.

أصبح الإنسان العربي يشعر شعورا عميقا بأن لا فارق حضاريا بينه وبين المشتغلين على الإبداع الحضاري في بوسطن، ولوس أنجلوس، وبرلين، ولندن، وباريس.. حواضر العالم الغربي المتقدم.

ربما يقول أحدهم: ماذا يضيرنا هذا الشعور الزائف بالتقدّم إذا كان يمنح الذات شيئا من الاعتداد، ومن ثم، شيئا من التماسك؟ أليس هذا الشعور الجميل يُمَهِّد للتماهي مع عوالِم المُبدِعين حضاريا، ومن ثَمَّ يقود إلى الإبداع الحضاري؟

في تقديري أن هذا الشعور الزائف يقود إلى مزيد من التبلّد؛ مع مزيد من الاستئناس بالاستهلاك. فشراء أحدث التقنيات سهل، بل هو سهل جدا، ولا يحتاج إلا لبضعة أوراق مالية؛ بينما الإسهام في إنتاج هذه التقنيات صعب جدا؛ فضلا عن صعوبة تطويرها ذاتيا. وخطورة "التقدم الاستهلاكي" أنه يمنح الذات شعورا بالرضا، شعورا زائفا بالإنجاز، شعورا زائفا بالوصول، بالتقدم حضاريا.

ما يعني أن ليس ثمة ما يدعو لتَكبّد عَناء التفكير الحاد، ولا لِتَحمُّل أعباء العمل الجاد في أي مجال من مجالات التقدم الحضاري.

لقد رأينا نتائج هذا الامتلاء المُتَورِّم بالاستهلاك السلبي في العالم العربي. كان هذا العالم إذ يتقدّم على مستوى الاستهلاك في القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؛ يتأخر، في الوقت نفسه، وفي الاتجاه المضاد، على مستوى الإسهام العلمي، الإبداعي، وعلى مستوى الهِمّة في ابتغاء ذلك، وعلى المستوى الأهم والأخطر: مستوى الإبداع في فنون إدارة الذات في كل المستويات.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).