Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

ليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم
ليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم

د. عماد بوظو

في منتصف شهر سبتمبر الحالي تمّ الإعلان في طهران عن وفاة الشابة مهسا أميني ابنة 22 عاماً بعد اعتقالها من "شرطة الأخلاق" بتهمة عدم ارتداء الحجاب الإسلامي بالشكل الصحيح، وعرضَ موقع إيراني صور أشعة أظهرت إصابة الفتاة بكسر في الطرف الأيمن من الجمجمة يُرجّح أنه ناجم عن ضربة مُباشرة على الرأس، وأشعلت هذه الحادثة موجة تظاهُرات شمَلت أغلب المُدن الإيرانية وكانت النساء في المقدّمة وقامت مئات منهُن بنزع أغطية الرأس وتجميعها في الساحات العامّة ثم حرقها، بينما قامت أُخريات بقصّ شعرهنّ أمام الكاميرا رفضاً للحجاب. 

وقبل شهرين في يوليو الماضي نظّمت مجموعات من النساء الإيرانيات حملة احتجاج نزعنَ فيها الحجاب بعد إعلان الحكومة عن "اليوم الوطني للحجاب والعفّة"، والذي اعتبرنه ذَريعة للقيام بحملة قمع جديدة ضدّ النساء، ثم نشرَت إيرانيات داخل وخارج إيران هاشتاغ لا للحجاب، ولا تكاد تمرّ سنة في إيران دون احتجاجات مُماثلة رُغم القوانين المُشدّدة التي تحكُم على النساء بالسجن سنوات طويلة إذا خلعنَ الحجاب في الشارع لأنّ الحكومة تعتبر ذلك تهديداً للأمن الوطني وتسلّلاً للقيم الغربية وإفساداً في الأرض ودَعارة!، فمنذ عام 1979 يتوجّب على كل فتاة تتجاوز 13 عاماً أن ترتدي حجاباً وملابس طويلة تغطّي الجسد. 

وفي أفغانستان رُغم الرُعب الذي تفرضهُ حركة طالبان ورُغم أنها تقوم بقتل الفتيات برصاصة في الرأس على الحواجز إذا بدَت ملابسها غير مُتطابقة مع معايير هذه الحركة، فقد تظاهرت النساء في كابل في شهر أغسطس الماضي وردّدنَ "العدل العدل…سئمنا منَ الجهل"، كما خرجت احتجاجات في شهر مايو الماضي عندما أصدرت الحكومة مرسوماً يُجبر النساء على وضع النقاب في الأماكن العامّة. 

كما خرَجت نساء في بداية العام الحالي للاحتجاج على تعليمات وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر التي تنصّ على وُجوب ارتداء النساء الحجاب وتغطية الرأس، وقالت إحداهنّ لقد خرجنا في احتجاج سلمي للدفاع عن حقوق المرأة لكن تمّ قمعُنا، وتتّبع حركة طالبان أسلوباً مزدوجاً في قمع النساء فهي تفرّق الاحتجاجات في الشارع ثم تَقوم بعد ذلك باختطاف المُشاركات فيها كل واحدة على حدة حتّى لا تلفت الأنظار، وأوضحت حركة طالبان أنّه إذا لم يكن هناكَ سبب مُلحّ فإن الحركة تفضّل أن تبقى النساء في البيت، واختصرت إحدى السيدات حالة النساء بالقَول، "أشعر بأنّ مُجرّد كوني امرأة يُعتبر جريمة في أفغانستان". 

في تركيا الوضع مختلف، ولكن بعد عقدين من حكم الإسلام السياسي سيطرت جماعات مُحافظة على المجتمع التركي خاصّة في الأرياف والبلدات جعَلت من الحجاب رمزاً سياسيا لإخضاع المرأة، ولذلك انتشرت خلال العام الحالي مَوجة من خلع الحجاب كتعبير عن التمرّد على هذه الجماعات الإسلامية، وأنشأت مجموعة من النساء منصّة على الإنترنت بعنوان "لن تَمشي وحدك"، لكي تتساعَد النساء وتتضامن مع بعضها في نزع الحجاب. 

وذكرَ مقال على الواشنطن بوست، "منَ الصعب معرفة أعداد هؤلاء النساء لكن يبدو أنّ الهدف الذي حدّده إردوغان لنفسه بولادة جيل تَقي يسير الآن بالاتجاه المُعاكس"، وقالت إحداهن عندما نَزعتُ الحجاب أوّل مرّة، شعرتُ أن الجميع ينظر إليّ لكنّ الشُعور بالهواء يلعَب في شعري كانَ جميلاً، ووَصفت كيف تتعرّض الفتيات لضغوط كبيرة من الأهل لوضع الحجاب، مثلَ امتناع الأمّهات عن الكلام مع بناتهنّ لعدّة أشهر إلى حَبس الآباء لبناتهم في المنزل أو إخراجهنّ من المدرسة وحتى ضربُهن، وانتهت الحال بإحدى الفتيات إلى دُخول مصحّة عقليّة حتى وافق أهلُها على أن تنزعَ الحجاب. 

وفي تونس بعدَ ثورة الربيع العربي انتشر الحجاب إلى حدّ ما كَرد فعل على منعُه من النظام السابق، ولكن بعد عشر سنوات بدأت ظاهرة الحجاب في التراجع وقالت إحدى الفتيات قبلَ سنة كانَ لا يُمكنني إظهار أنوثتي وجمالي أمامَ من حولي لقد شعرتُ أنّني كبرتُ سنوات عندما وضعتُه وعندما خلعتُه شعرتُ أنّني نزعتُ ثقلاً كانَ جاثماً على صَدري، وقالت أخرى أنّ رغبتها بارتداء الحجاب انتهت بعد بضعة سنوات لأنها لم تستطع أن تكونَ على طبيعتها وهي ترتديه، حيثُ لا تستطيع أن تخرُج للترفيه أو الرقص أو حتّى الضحك لأن ذلك يبدو غريباً من المرأة المحجّبة فقرّرَت التوقُّف عن النفاق ونَزع الحجاب، وقالت أستاذة جامعية تونسية أنّ ظاهرة انتشار الحجاب كانت تعبيراً عن مُعارضة النظام السياسي، وخلعُه اليوم تَعبير عن رفض تجربة الإسلاميين السياسية. 

وعند الحديث عن احتجاجات نساء على الحجاب لابدّ من الرُجوع قَرن إلى الوراء وتحديداً إلى عام 1923 عندما قادت صفيّة فهمي زوجة سعد زغلول مع رائدة الحركة النسائية هُدى شعراوي أوّل مُظاهرة نسائية في مصر وصَلت حتّى أعتاب ميدان التحرير الحالي حيثُ قامت نساء بنزع الحجاب وإلقائه على الأرض وإضرام النار فيه، في ما اعتبرنه رفضاً للجهل والتخلّف وكل ما لهُ علاقة بدولة الخلافة العثمانية، وساعدَ نشاط هؤلاء السيّدات في نَشر التنوير في مصر لعدّة عُقود شهدت مصر خلالها نهضة اجتماعية وثقافية وفكريّة وفنّية، حتى أنّه في عام 1958 قالت صحيفة يونايتد برس كأنّ الحجاب لم يعُد معروفاً في مصر. 

وفي ثمانينات القرن الماضي عادَ الحجاب إلى مصر وانتشر وأصبح شكلُه أكثر تزمّتاً كتعبير عن تنامي المُعارضة لنظام مبارك، وقالت صحيفة نيويورك تايمز أن نسبتهُ في المجتمع المصري في العقد الأوّل من القرن الحالي أصبحت 90 في المائة، وَخلال سنة حُكم الإخوان تراجعَ الحجاب قليلا ًمعَ ميل نسبة كبيرة من الشعب لمعارضة حكمهم، ولكنّه عادَ بقوّة بعد سنوات من حُكم الرئيس السيسي خُصوصاً في الأحياء الشعبية والعشوائيّات والبلدات والقرى التي انخفض مُستوى المعيشة فيها بشدّة، وكذلكَ كان انتشاره تعبيراً عن مُعارضة النظام. 

ولكن في هذه المرّة لم تكُن هذه المُعارضة لمصلحة الإخوان المسلمين الذين فَقدوا الكثيرَ من شعبيّتهم، بَل كانت لمصلحة الأزهر لانتشار اعتقاد واسع في الشارع المصري بأنّ الأزهر يخوض صراعاً مع السلطة دفاعاً عن الإسلام، ولم يُمانع الأزهر في انتشار هذا الاعتقاد بل يَعمل يومياً على تأكيدُه عن طريق لعب دور مُشابه لدور شرطة الأخلاق في إيران أي مُراقبة سُلوك وأخلاق المجتمع المصري، وفي النتيجة تضافرَت عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية في جعل معاناة المرأة المصرية أشدّ من مثيلاتها في بقية الدول الإسلامية لأنّها أصبحت مُحاصرة ومُراقبة وتُعامَل كمتّهمة من قبل كلّ مَن يُحيط بها ولا يقف معها أحد لا عائلتها ولا جيرانها في الحيّ الذي تسكُن فيه ولا زُملاؤها في المدرسة أو الجامعة أو العمل. 

ولكنّ ما قيل عن أحوال المرأة المصرية لا يشمل الأقليّة الثريّة التي تعيش في عالم خاص مُنعزل ومُختلف وفي مناطق شبه مَحظورة على العامّة، قالت إحدى السيدات التي تسكُن في أحد هذه التجمّعات السُكانيّة المُغلقة أنها تشعُر بالحريّة في ارتداء ما تُريده من الملابس دونَ التعرّض للتحرّش، وقالت أخرى أنها تستطيع الخُروج والعودة متى أرادت وارتداء ما تُريد من ملابسها المتحرّرة التي يرفُضها المجتمع.   

والخُلاصة أنّ تجارب العُقود الأخيرة قد أثبتت أنه لا فائدة ولا جدوى من محاولة إقناع رجال الدين المُسلمين بأنّ الحجاب بدعَة دَخيلة على الدين، كما أثبتت أنّه في قَضايا المرأة لا يُوجد بينَ الإسلاميين مُعتدل ومُتطرّف بل يتّفق الجميع على النَظر إلى المرأة كأداة للجنس ولإمتاع الرجل، كما يتّفقون على أنّ الرجل قَوّام على المرأة وأنه وليّها وراعيها وأنها الرعيّة، رُغم أن الكثير من العائلات والدول تحكُمها وتقودها نساء بكلّ نَجاح، وكذلك أثبتت أنّ موقف داعش والإخوان وطالبان والأزهر ونظام ولاية الفقيه في إيران مُتطابق في جميع قضايا المرأة، وإن اختلفت أساليبُهم في التعامُل معها منَ الشكل الفجّ والبدائي في أفغانستان وإيران إلى الضغط المجتمعي الهائل والمتعدّد الوسائل في مصر. 

كما يَرفضون جميعاً الاعتراف بأنّ التشريعات الإسلامية تظلُم المرأة في كلّ شيء وليسَ تعدّد الزوجات وقوانين الإرث سوى مثال بسيط عنها، ولذلك فإنّ الحجاب ليس مُجرّد قطعة قُماش تُغطّي شعرَ المرأة بل هوَ تجسيد لثقافة مُتكاملة تنظر بدونيّة إلى المرأة في جميع النواحي، وليسَ أمام النساء من طريقة لنَزع الظُلم ونَيل حريّتهن سوى تعاونهنّ معاً في عمل مُنظّم، ولن يستغربَ أحد إن كانت أول خطوة يقمنَ بها هي نَزع الحجاب بل وحرقُه إذا اقتضى الأمر، كما تفعل نساء إيران اليوم وكما فعَلت الرائدات صفيّة زغلول وهدى شعراوي عام 1923. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).