Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

FILE - In this Nov. 5, 2016 file photo, people gather in the landmark Jemaa el-Fnaa square, in Marrakesh, Morocco. Tourism…
نساء مغربيات اشتكين بسبب قيود على حقهم في الإقامة بفنادق محلية

سناء العاجي

يوم 5 يوليوز 2014، نشرت الطبيبة النفسية المغربية فاتن فيفاني مقالة رأي باللغة الفرنسية تحت عنوان: "أمي، ما الذي يعنيه أن أكون مغربية؟".  

في النص الذي نشرته هذه الطبيبة، حكت بكثير من الغضب والإحساس بالإهانة، كيف رفض أكثر من فندق في الرباط السماح لها بالمبيت، بما أن عنوانها على بطاقة التعريف الوطنية يحيل على مقر سكناها في نفس المدينة. 

بعد النقاش الذي أحدثته تلك الواقعة، صرح وزير الداخلية المغربي حينها، في جلسة برلمانية، بأن الأمر يتعلق بممارسة تمييزية أساسها "شطط من بعض موظفي المؤسسات الفندقية"، بما أن القانون لا يحيل على شيء من هذا القبيل. 

هذه الواقعة كنتُ قد تطرقت لها في كتابي "الجنسانية والعزوبة في المغرب"، الصادر سنة 2017... وكان سيكون جميلا جدا لو أن رد الوزير حينها وضع حدا لهذه الممارسة.   

لكن الحقيقة عكس ذلك تماما... لأن رد الوزير كان في وادٍ، والواقع في وادٍ آخر تماما... وادٌ مازالت كرامة النساء المغربيات تهدر فيه إلى غاي الآن، مادامت العديد من المؤسسات الفندقية تعتبرهن "مهنيات جنس" إلى أن يثبت العكس! وإلا، فأي تفسير آخر نعطيه لرفض بعض هذه المؤسسات كراء غرفة لكل امرأة تقيم في نفس المدينة التي يوجد بها الفندق؟ 

في خريف 2022 (مجازا، بكل أسف... لأن التغيرات المناخية تحرمنا من النعم الحقيقية لتحول الفصول وتجعلنا، في سبتمبر من هذه السنة، نعيش في حرارة صيفية يفترض أن تقلقنا!)، ها نحن أمام رد جديد لوزارة الداخلية المغربية احتفت به وسائل الإعلام وكأن الأمر يتعلق بإنجاز! الرد الكتابي لوزارة الداخلية جاء كجواب على سؤال كتابي للنائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي، المهدي الفاطمي. يقول الرد إن "هذه الوزارة لم يسبق لها أن أصدرت أية تعليمات لمصالحها المختصة من أجل إلزام أرباب الفنادق والمؤسسات السياحية بعدم السماح بمبيت النساء في الفنادق الموجودة بالمدن التي تقطنّ بها، كما أن الأبحاث التي أجريت بهذا الشأن لم تسفر عن وجود أية تجاوزات في هذا الإطار ولم تسجل أية شكاية بهذا الخصوص".  

أولا، سيدي الوزير، فعدم وجود شكايات بهذا الخصوص لا يعني عدم وجود تجاوزات... شهادات العشرات من النساء تؤكد وجود هذه الممارسة في عدد من الفنادق، التي تعتبر ضمنيا أن كل امرأة تقيم في مدينة وتحجز غرفة، هي بالضرورة مهنية جنس. ماذا مثلا لو غيرت سيدة محل سكناها ولم تغير عنوانها بعد على البطاقة؟ ماذا بالنسبة لسيدة في حالة خصام مع زوجها ولا تريد بالضرورة (أو لا تستطيع) الذهاب لبيت أهلها؟ ثم، ماذا لو اختارت سيدة بمحض إرادتها، لأسباب تخصها، أن تقضي ليلة في فندق؟ لماذا عليها أن تقدم حججا وبراهين تثبت "صفاء سمعتها" قبل أن تشتري خدمة في القطاع الخاص؟ هل علينا، لمجرد كوننا نساء، أن نبرر سبب خروجنا للشارع واستعمالنا لوسائل النقل أو شرائنا لمثلجات أو دخولنا لمطعم... حتى يكون علينا أن نبرر أسباب اختيارنا (أو اضطرارنا) المبيت في فندق؟ ثم، أيضا، ما السبب الذي يجعل عددا من المؤسسات الفندقية ترفض استقبال نساء تقول وثائقهن الإدارية إنهن تقمن في نفس المدينة، ولا ترفض استقبال الرجال الذين تقول وثائقهم الإدارية نفس الشيء؟ 

جواب وزير الداخلية على سؤال البرلماني الاشتراكي يترجم الرغبة غير المعلن عنها في أن يبقى الوضع على ما هو عليه... والدليل أن وزير الداخلية في حكومة عبد الإله بنكيران، سنة 2014، قال نفس ما يقوله وزير الداخلية الحالي. وإذا لم يتم أخذ الأمور على محمل الجد، فسنجد، بعد عشر سنوات أخرى، برلمانيا أو فاعلة جمعوية أو سيدة ضحية بكل بساطة، يطرحون هذا السؤال ليجيبهم وزير الداخلية حينها بنفس الصياغة: هذا شطط والوزارة لم تفعل شيئا! 

طيب، مادامت الوزارة تقر بهذا الشطط، أو حتى تفترض وجوده، فلماذا لا تواجهه بصرامة؟  

الإرادة الحقيقية للتغيير تعتمد، أولا، على الاعتراف بأشكال الخلل الموجودة وعدم الاكتفاء بترديد شعارات من قبيل "لا توجد شكايات بهذا الصدد"؛ فلو انتظرنا شكايات الضحايا في كل القضايا، لما تم فضح عدم من الممارسات غير المقبولة في مختلف مجتمعات العالم. كما أن الإرادة الحقيقية للتغيير تعتمد على معاقبة كل الأطراف التي تقوم بممارسات تمييزية في حق المواطنين. في هذه الحالة، كانت الإرادة الحقيقية للتغيير تعني أن تقر الوزارة عقوبات في حق المؤسسات الفندقية التي تقوم بهذه الممارسات التمييزية. أما الاكتفاء بالتصريح بأن لا مقتضيات قانونية موجودة في هذا الإطار، فهذا ما نعرفه أساسا... لكن الواقع اليوم أننا، كنساء، نعاني فعليا من هذا الوصم المجتمعي كلما قررنا، لأسباب شخصية أو مهنية، استئجار غرفة في فندق.  

فهل سيأتي يوم تقرر فيه السلطات ليس فقط الاكتفاء بالتصريح بأن الوضع غير قانوني... بل معاقبة المؤسسات الفندقية التي تقوم بهذا الشطط المهين للنساء المغربيات في وطنهن؟  

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"
"لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء"

منى فياض

الأسطورة تحكي لنا خيالات الشعوب وتمثلاتها.. تنقل ما لا يقصه التاريخ، فهي تعرض علينا، في غفلة منا، ما تحمله الذاكرة البعيدة عبر رموز وإشارات. تقبض على جوهر الأشياء، لشعب أو لحقبة، وتنبئنا بما يغيب عنا في حياتنا القصيرة الغاربة.

لطالما سحرتني الأساطير. سحر الخيال المجبول في كلمات تحملنا على أجنحتها الرقيقة والهشة والشفافة إلى عوالم نجهلها فتفتح آفاقا ورؤى.

كتبت في عام 2013، والحرب في سوريا في عامها الثاني، تعليقا على فيسبوك عن أسطورة رع وإيزيس سيدة الحكمة ومعالجتهما لعنف آلهة الحرب سخمت. أعاد فيسبوك تذكيري بهذا التعليق الأسبوع الماضي فأعدت نشره. فتمنى بعض أصدقائي من القراء لو أني أعيد كتابته وأعلق على شاربي الدم الذين يحيطون بنا.

في مقال للكاتبة سميا رمضان، في عام 2013، أشارت إلى رواية الخلق بحسب الأسطورة المصرية عن رع، التي تشكل إحدى روايات الخلق وكيفية ظهور الحضارة.

تقول الأسطورة إن زهرة اللوتس كانت ساكنة في قاع الماء. ولما ظهر أول شعاع للشمس على الدنيا استشعرت الزهرة الدفء، وبدأت تصعد إلى السطح.

وكان السطح مسكوناً بالوحوش والثعابين المائية التي كانت تتصادم فى صراع مستميت من أجل الهيمنة على البحر الهائج. ما يشير إلى حالة الفوضى قبل ظهور الحضارة.

لما استوت اللوتس على صفحة الماء، فتحت بتلاتها وفردتها لامتصاص دفء الشمس وضوئها الذي كان يمثله رع.

ثم ظهر وسط الزهرة طفل من نور يضع سبابته على شفتيه. وفي الحال هدأ الصراخ والعويل، وسكنت أصوات الوحوش، وتلاشوا من على صفحة الماء. فهدأ بحر الفوضى، وساد الكون السكون اللازم لبناء الحضارة.

بحسب الأسطورة، فإن رع خلق كل أشكال الحياة. وخلق الإنسان من دموعه وعرقه. فأطلق المصريون على أنفسهم "أنعام رع". وهو كان يدعوهم "أبناء دموعي".

لما هاجمت "سخمت، آلهة الحرب، البشر لجرم ارتكبوه، وعلم رع أنها شربت من دماء أبناء دموعه، وراق لها طعم الدماء، فصارت تبحث عن المزيد. أرسل وراءها سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، التي قامت بخداعها، فجعلت لها بحارا من شراب قوي مسكر بلون الدم. أفاقت منه سخمت ورأسها به صداع شديد، ومن يومها كرهت الدماء!

والأساطير عموماً مفحمة بالمعاني. وفي أسطورة رع، سيدة المعارف والحكمة، إيزيس، عالجت دموية سخمت، آلهة الحرب، بالشراب الملهم اللذيذ فجعلتها تستبدل تذوقها لدماء البشر بهذا الشراب القوي المسكر بلون الدم. ربما هذا ما يفسر الشخصية المسالمة التي تغلب على المصريين.

ويبدو أن هناك اتفاقا على وجود صلة ما بين الدم والنبيذ. فغالينوس بعد أن يصف النبيذ كغذاء محمود ينقي البدن من الأوساخ ويفتح ما بالعروق من الانسداد ولا يدع خلطا يعفن في البدن، يضيف أن الأحمر منه يولد دما كثيرا، وكلما اشتدت حمرته كلما كان توليده للدم أكثر فعالية.

وهكذا إذا كان استبدال إيزيس للدم بالخمرة هو التجربة الأولى في التاريخ لإحلال النبيذ مكان الدم.

والنبيذ روح الآلهة وعزاء الفنانين. وهو مشروب له قدرة إبعاد الهموم عنا ومنحنا، ولو مؤقتا، رؤى الجنة.

أيضاً ارتبط النبيذ، بحسب إنجيل القديس لوقا، بالمعجزة الأولى التي حدثت في قانا الجليل خلال عرس حضره يسوع وأمه وتلامذته. إذ تقدمت منه أمه في منتصف العرس وقالت له إن النبيذ نفد، وعندئذ أمر يسوع بملء ست جرار ماء، ولما صب الخدم الماء في الكؤوس اكتشفوا أنه نبيذ.

أليس من مغزى لنا في أن أول معجزة ليسوع، كانت في توفير النبيذ الأحمر القاني؟ يسوع الذي يدعو للحب والسلام وينصح بأن ندير الخد الأيسر إذا ما ضُربنا على خدنا الأيمن؟

فمن يقنع الجلادين الذين لا يشبعون من إراقة الدماء في المنطقة، التي لو جمعنا ما سُكب فيها من دماء لتلون تراب أرضها أحمر قانيا، أن يستبدلوا الدم بالنبيذ؟ علّ عطشهم للدم والقتل يهدأ قليلا في نواحينا، بدءا من أوكرانيا، مرورا بما يعرف بالهلال الخصيب وصولا إلى إيران، وإسرائيل في المقدمة.

وعلى أمل أن تزهر دماء الضحايا، قريبا، زهورا على غرار ما جاء في أسطورة أدونيس التي استبدلت الدم المراق بزهرة، لونها هي أيضا أحمر قانٍ بلون الدم.

فأسطورة أدونيس، وهي من أقدم أساطير آلهة الخصب والحب والحرب، تقول، بحسب رواية أوفيد: "عندما كبر أدونيس تعلقت به عشتروت، وأصبحت رفيقته تصحبه أينما ذهب؛ حذّرته من الوحوش، قائلة:' لا تأمن الحيوانات التي تتعرض لك. ولا تكن طائشا فتتعرض للحيوانات التي زودتها الطبيعة بأسلحة، فليس لشبابك ومجدك وجمالك وسحرك الذي يفتن عشتروت وجميع النساء، أي أثر على الأسود والخنازير البرية المشعثة الشعر'".

وفي أحد الأيام خرج أدونيس للصيد دون حذر فهاجمه خنزير بري. وعندما علمت عشتروت هرعت إليه ولكنها لم تنجح في تضميد جراحه. فقامت بسكب رحيق زهرة عطرة عليه، ولم يكد يمّسه السائل حتى أخذ الدم يغلي ويفور، وتصاعدت منه فقاعات صافية. ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة بلون الدم المسكوب على الأرض، بهية ورقيقة وهشة كزهرة الرمان. إنها زهرة شقائق النعمان.

لا شك أن دماء مهسا أميني، وجميع الضحايا، ستتحول إلى زهور حمراء لتحمل معها الربيع القادم رغم كل ما يقوم به الطغاة الذين لا موئل لهم إلا السقوط مهما تأخر الوقت.

علّ هذه السنة الجديدة تحمل الخير لهذا العالم المضطرب.

=================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).