Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

اشتباكات مسلحة اندلعت في العاصمة طرابلس وخلفت عددا من القتلى والجرحى
اشتباكات مسلحة اندلعت مؤخرا في العاصمة طرابلس وخلفت عددا من القتلى والجرحى

نضال منصور

العالم يتغير، والعالم العربي ليس استثناء على هذه القاعدة، وبعد عقد من الزمان على ما سمي "الربيع العربي"، وسقوط رهانات كثيرة، فإن الأسئلة كثيرة عن ما يحدث، ويتطور على أرض الواقع، وهناك محاولات، وهواجس لقراءة ما هو قادم. 

كلفتني إدارة ملتقى الرافدين -التظاهرة الحوارية الأهم، والأكبر في العراق- بإدارة جلسة تحت عنوان "أزمات المغرب العربي (تونس وليبيا).. جدليات الصراع ورهانات  المستقبل" ، كنت أتوق أن أعاين واقع المشرق العربي فربما فضاء أقرب لي، ولكن معرفتي الوطيدة بتفاصيل المشهد التونسي، واقترابي من التطورات في المغرب شجعتني للاقتراب أكثر. 

أول التساؤلات التي استوقفتني هل يمكن الحديث عن وحدة حال للمغرب العربي؟، هل تتشابه التحديات، وطبيعة البنى السياسية، وأنماط الاشتباك المجتمعي؟. 

هذا السؤال يبدو أساسيا ومفصليا، والواضح أن المغرب العربي الذي تجمعه قواسم مشتركة كثيرة، يُظهر الواقع أيضا، والسياق السياسي أن أزماته متباينة كثيرا، فالواقع الذي تمر به ليبيا لا يمكن أن تكون له مقاربة في كل الدول المغاربية، بما فيها تونس التي كانت فاتحة التحولات في الربيع العربي. 

تفكيك المشهد ، وقراءة جدليات الصراع في كل من ليبيا وتونس يمكن أن يساهم في استجلاء الصورة أكثر، والحقيقة كلما اقتربت من الوضع الليبي محاولا فهم من يتصارع مع من؟، وجدت فسيفساء الصراع معقدة، ومتشابكة، وتتداخل بين أنماط القوى القبائلية، والمليشيات العسكرية، التي لا تنفصل دائما عن الحالة العشائرية أو القبلية، والجغرافية، عدا عن الاستقطابات الدولية، والإقليمية لقوى الداخل الليبي، وتجنيدها لخدمة أجندتها، ومصالحها، واللافت أن الحالة الليبية مثل الرمال المتحركة، لا تتسم بالثبات، وخصوم الأمس قد يصبحوا حلفاء اليوم. 

عشر سنوات مضت سقط خلالها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، ومات في المنفى السعودي، وقُتل فيها الزعيم معمر القذافي بشكل عنيف، ومهين، ولم يتغير الكثير، والمخاض مستمر، والرهانات على ولادة الديموقراطية، سطعت قليلا ثم خبت. 

تونس التي كانت نموذجا للتحول الديموقراطي أنجزت تجربة في التقدم خطوات نحو الإصلاح، والدمقرطة، دون دماء، وتعثرها، وسيطرة الرئيس قيس سعيد على السلطات منفردا، والانقلاب على التجربة السياسية التي امتدت لعقد، يعود في مقدمة أسبابه إلى فشل الطبقة السياسية التي تعاقبت على الحكم بمختلف أطيافها على تقديم حلول للشارع الذي طحنته الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ووجد أن الأحزاب الحاكمة التي تدثرت بالديموقراطية الوليدة كانت تستجلب مصالحها قبل مصالح الشعب. 

أزممة تونس الداخلية، وصراع الأحزاب السياسية على السلطة لا يعني أن التجاذبات، والمصالح الدولية، والإقليمية لم تكن طرفا في المآلات التي وصلت لها تونس. 

المقاربة التونسية منذ بداياتها وحتى ما انتهت إليه، تبتعد كثيرا عن الحالة الليبية التي  شهدت حروبا، واقتتالا منذ سقوط القذافي، ورغم الخطوات الإيجابية التي عاشتها طرابلس في السنوات الأولى التي لحقت الإطاحة بالنظام السياسي، إلا أنه سرعان ما تحولت الجغرافية الليبية إلى دويلات متناحرة، ورغم مرور عقد من الزمان فإن أيا من السلطات أو القوى المتصارعة لم تفرض سيطرتها، أو شرعيتها على كامل التراب الليبي. 

حكومتان في ليبيا ليس حالة جديدة في العقد الماضي، وكل منها تحاول أن تفرض شرعيتها، وكل منها يعتمد على تحالفات تثبت أقدامه على الأرض، وما محاولة السيطرة العسكرية على طرابلس شهر أغسطس الماضي إلا محاولة لبسط الشرعية الأحادية بالقوة، ولولا الطائرات المسيرة التي تملكها حكومة عبد الحميد الدبيبة بدعم تركي، لاستطاعت حكومة فتحي باشاغا المكلفة من البرلمان من السيطرة على طرابلس دون منازع. 

فشلت حتى الآن معارك حسم الشرعية، وكل طرف يتحين الفرصة المناسبة لتوسيع نفوذه، ودوره، ويقدم نفسه للمجتمع الدولي بأنه القادر على إنقاذ ليبيا من دوامة العنف، والصراع، والقادر أيضا على تأمين مصالحها الاقتصادية، والحقيقة أن الملف الليبي بعد الحرب على أوكرانيا لم يعد يحتل أولوية، والصراع في أوكرانيا خطف الأضواء، والقضية الليبية تتعرض للإهمال، والآجال الزمنية للتفاهمات الدستورية، وإجراء الانتخابات تمضي دون تنفيذ. 

التدقيق في المشهد الليبي يدفع للسؤال، هل الأجندة الداخلية، وبناء تفاهمات بين الفرقاء المتصارعين على السلطة باختلاف أيديولوجياتهم هو الأساس، والمحرك لكل المسارات السياسية؟، أم أجندات العالم الخارجي هي من يبني السيناريوهات في طرابلس؟ 

الحرب في أوكرانيا تشي إلى استنتاج أن التأثيرات الروسية قد تراجعت، فهي منشغلة، ومستنزفة في حربها، ولكن من غير المؤكد أن القوات الأجنبية قد انسحبت من الأراضي الليبية كما أشيع، ولا يُعرف مثلا ما هو مصير قوات "مجموعة فاغنر" الروسية، والتي تعرض دورها لانتقادات شديدة، ووصفت بالمرتزقة، وما ينطبق عليها ينسحب على العديد من القوات، وأجهزة المخابرات التي تتحرك بحرية على الساحة الليبية. 

تركيا، ومصر هما اللاعبان الأساسيان على أرض الملعب الليبي، والمؤشرات تقول أن الأدوار الدولية والإقليمية الأخرى تراجعت طوعا، وتنسيقا، أو قسرا لأن قدرتها على التأثير هامشية، ومحدودة، وما لا يمكن تجاهله أن الدور المصري سياسيا ، وأمنيا في ليبيا يمتد لعقود سابقة، ومصر لا يمكن أن تترك طرابلس لقمة سائغة لاحد، أو ساحة خلفية تلعب فيها دول وأجهزة أمنية بالضد من رؤيتها، ومصالحها، وتستطيع من خلالها تهديدها، وفي المقابل الحضور التركي "الأخطبوطي" تمدد بعد الربيع العربي، وبعد سيطرة جماعات الإسلام السياسي على الحكم في دول عربية، والتي وجدت في سلطة الرئيس أوردغان البرجماتية ، والتي ترفع شعارات "الإخوان المسلمين"، وتُغازلها ، وتطرح حماية الإسلام السني ، حليفا، وملاذا. 

ملخص الحالة أن خارطة المصالحات السياسية الإقليمية قد غيرت واقع المشهد الليبي، وأهمها التقارب المصري التركي، ويلي ذلك إغلاق ملف العداء التركي الإماراتي، والتفاهمات الروسية التركية، وهذا الوضع الناشئ زاد من حالة الاستبشار بفرص نجاح المسار السياسي، وحقن الدماء. 

التفاهمات المصرية التركية قد تدفع إلى الواجهة حلولا توافقية، أولها تشكيل حكومة مصغرة، ومؤقتة تضم الأطراف المتصارعة، مهمتها الإعداد للانتخابات بما يتوافق مع استحقاقات دستورية، وتسعى الدولتان لتمرير هذا السيناريو كخيار أفضل، وإن لم ينجح ويكون له فرصة، يمكن التقدم بمقترح آخر بدمج الحكومتين القائمتين والمتصارعتين،  مع تعديلات يتفق عليها هنا وهناك، أو تقبل أي منهما بالانسحاب المؤقت، والخروج من المشهد لتذليل مشكلة مقابل ضمانات ،ومكاسب سياسية. 

القاهرة وأنقرة فتحت قنوات للحوار، وتسعى لتجسير حدة الخلافات، والصراعات، وهما على الأرض يسيطران إلى حد كبير على القوى الموالية لهما، ويمكن أن يصنع تفاهما أثرا مختلفا، والمتفق عليه أيضا لا شيء في السياسية مضمون، وفي لحظة معينة إذا فشلت كل سيناريوهات الحل، فإن الخيار الأخير، والكارثي، والأسوأ العودة للاقتتال والحرب، وهو ليس بعيدا، فالمحاولات الأممية فشلت في لجم الصراع بعد عقد من الزمان، والعديد من القوى الإقليمية والدولية، كانت تصب النار على الزيت خدمة لمصالحها. 

على مسافة ليست بعيدة من القاهرة تحاول خلية الأزمة في الجزائر أن تبني تصورا، وتقدم مبادرة للإنقاذ في ليبيا، تكون منطلقا لتحرك عربي توافقي في القمة العربية التي ستنعقد في الجزائر شهر نوفمبر القادم. 

حتى وقت قريب كانت الجامعة العربية غائبة عن الملف الليبي، ودورها مفقود، ولا تُذكر كطرف فاعل يسعى لاحتواء الأزمة في طرابلس. 

على ما ببدو فإن الجزائر بالتنسيق مع القاهرة تسعى للدخول على الخط، وتملك كجار كبير لليبيا معرفة واسعة في تفاصيل المشهد، وتملك إمكانيات، ونفوذا للتدخل تحت يافطة، وتفويض عربي. 

مآلات المغرب العربي لم تحسم بشكل نهائي، وإن كانت دول: المغرب، الجزائر، مورتانيا، خارج سياق الاضطرابات، وخطوا مسارات مختلفة بعيدا عن الصراع، وتبقى تونس تحت الاختبار، والضغط، والمكاسرة  مع الرئيس قيس سعيد مفتوحة على كل الاحتمالات، في حين أن ليبيا بين التفاؤل بفرص الاتفاق والحل، أو الإخفاق، والفشل،  تظل متأرجحة وعلى فوهة البركان.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).