Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يا لها من نهاية سعيدة أثلجت الصدور في بلدان شرق المتوسط وغربه
يا لها من نهاية سعيدة أثلجت الصدور في بلدان شرق المتوسط وغربه

عبد الرحيم التوراني

وأخيرا، تحققت النهاية السعيدة، وحصل ما كانت تتمناه وتريده الغالبية في المغرب والبلاد العربية وباقي العالم. فقد أقبل موعد الحدث المأمول بسرعة غير منتظرة. كأننا في حضرة الميلودراما المصرية في أوج أمجادها التليدة، في الزمن الذي كان فيه معظم كتاب السيناريو والمخرجين المصريين يحرصون جيدا على حفظ شفرة سحرية يترجمونها إلى لغة استهلاكية رائجة، تحقق الانتشار السريع والربح المادي المضمون، عبارة "الجمهور عايز كدا" ذات الصلة بنهايات أفلامهم السينمائية ومسلسلاتهم التلفزيونية.

هي النهاية التي آلت إليها قضية الشاب المغربي ابراهيم سعدون، الأسير لدى روسيا منذ أبريل 2022، إثر توقيفه وهو يقاتل ضمن القوات الأوكرانية، وبعد تقديمه أمام قضاء نظام انفصالي مُستَحْدَث في شرق أوكرانيا، لم تعترف به سوى أربع دول من محور موسكو، تابع العالم قرار حكم أكثر من قاسٍ نطق به رئيس المحكمة: تنفيذ حكم الإعدام رميا بالرصاص ضد ابراهيم سعدون مع بريطانيين اثنين (إيدن أسلين وشون بينر)، والثلاثة لم يتمتعوا بحق المتابعة وفق القانون الدولي الخاص بأسرى الحرب، بل تم إلباسهم جميعا تهمة "المرتزقة والارتزاق".. 

وبعدما بكى أهل المحكومين ومواطنيهم ومعهم العالم، وفوجئوا بالمصير الأسود الذي يلتوي حول أعناق الأسرى، ستنتهي المأساة نهاية غير متوقعة بهذا الشكل المفاجئ والسريع، إذ سيحصل الإفراج عنهم وتمكينهم من العودة إلى منازلهم وأهلهم.

يا لها من نهاية سعيدة، أثلجت الصدور في بلدان شرق المتوسط وغربه، كما أدفأت صدورا في أوروبا وأميركا الشمالية.

كان لا بد هنا من الإشارة إلى كاتب سيناريو هذا الفيلم البالغ الإثارة، الذي حبس الأنفاس طيلة مدة عرضه (حوالي نصف سنة تقريبا)، قبل أن يختتم بمثل تلك النهاية السعيدة، وقد أهداها مخرجها إلى الجمهور المغربي والعربي، ضمن جمهور أشمل عبر العالم يسعى للسلم والسلام.

ليس هناك أدنى شك أن هذا الجمهور الواسع ملء كوكب الأرض، يتمنى أيضا لو عمد السيناريست الماهر والمخرج الكبير إلى اختزال حلقات المسلسل الميلودرامي الطويل، الذي لا تزال حلقاته تبث على شاشة الأرض، وأن تكون النهاية أسعد بإخماد نيران الحرب المدمرة التي تهدد البشرية بالجوع وبالقر، بل بالفناء النووي.

لكن من يكون هذا العبقري المليودرامي، هل هو فلاديمير بوتين، أم فولوديمير زيلينسكي؟ أم قادة حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة الأميركية؟ أم أن الفيلم الطويل هو من إنجاز جماعي يحمل بصمات عدة أطراف ومتدخلين، وكل له منه نصيب خراب وبصمة دم ووصمة عار.

لما نودي على نزلاء غرفة الإعدام، رفرفت أعينهم وخفقت قلوبهم، ثم تقطعت أنفاسهم، فكروا أن الساعة حانت لاقتيادهم صوب ساحة النهاية، ساحة الإعدام بأعمدتها المنتصبة كخوازيق جاهزة لتدفن في الصدور إلى الأبد. لكن الخفقات المتسارعة ما ستلبث أن تتحول إلى نبضات حيوية مضادة، غامرة بالفرح الذي لا يقاس والعصي على الوصف، عندما سيعلمون أنها ساعة الإفراج عنهم أزفت وسيوضع حد للمأساة المميتة. فتم نقلهم إلى أرض المملكة العربية السعودية أولا، وبعدها تم توزيعهم على رحلات متجهة إلى موطن كل واحد منهم، لتغمرهم مشاعر خاصة لم يحلموا بها من قبل. لكن أسعدهم ربما كان أصغرهم سنا، الطالب المغربي ابراهيم سعدون، الذي حكى أنه استقبل من طرف المسؤولين في العربية السعودية استقبالا استثنائيا. سيصرح سعدون لاحقا، وهو في بيت العائلة بالحي الشعبي في الدار البيضاء، أن السعوديين احتفوا بي حفاوة بالغة لم يكن يتصورها، "لقد حاروا في حفاوتهم أين يضعوني، ووضعوني فوق رؤوسهم...". إنها ذكرى غطت على الآلام الثقيلة التي كابدها، وعوضته بمحبة كبيرة ستزيد وتتأكد لما ستُنقل إليه ردود فعل الرأي العام في أكثر من بلد، من بينها وطنه المغرب.

في ساعة مسائية من يوم الأسبوع الأخير من سبتمبر 2022، حجت جماهير غفيرة من أهل ابراهيم سعدون ومن جيرانه وأصدقائه في الدار البيضاء، وأيضا ممن لم يعرفوا اسمه قبل وقوعه في الأسر لدى الروس. كما حضرت الصحافة المحلية وتزاحمت لتغنم بسبق صحفي...

لما ظهر سعدون في المطار، ضج المكان بهتافات الفرح والصلاة على نبي الإسلام، مع الزغاريد وتقديم التمر والحليب في استقباله. مشهد لا يكون عادة إلا في أعراس الزفاف المغربية، أو عند استقبال الأبطال المغاربة، مثل الرياضيين الذي يحققون إنجازات تسعد المغاربة وتجعلهم يعتزون أكثر بوطنهم وبهويتهم. فما هو الإنجاز البطولي يا ترى الذي حققه هذا الشاب الصغير، الذي تمتلئ أساريره بفرحة كبرى، يفصح عنها اتساع حدقتي عينيه بعدما غطى وجهه ببسمته العريضة وراء كمامة طبية للوقاية من كورونا؟  

سؤال طرحه البعض وظل من دون إجابة، سوى إنها فرحة زفاف ابراهيم سعدون ومعانقته الحياة التي كتبت له من جديد، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير ما بعده إنجاز يستحق الأهازيج والزغاريد...

في خضم هذه الفرحة اعتبر رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (ج.م.ح.إ) أنها نصر يضاف إلى سجل نضالات منظمته الحقوقية، وكانت مناسبة استغلها لإلقاء اللوم على السلطات المغربية ووزارة الخارجية وسفارتي المغرب في موسكو وكييف. حيث صرح عزيز غالي رئيس (ج.م.ح.إ) أن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة رد على السفير الروسي بالرباط أن "قضية سعدون لا تهمنا ولا توجد بين أولوياتنا". كما نقل ذلك السفير الروسي إلى عزيز غالي في لقاء خاص. وكانت الجهات المغربية المسؤولة أخبرت حين وقوع سعدون أسيرا، أن المعني "التحق بصفوف الجيش الأوكراني بمحض إرادته"، وأنه "يحمل الجنسية الأوكرانية"، وأنه "قيد الاحتجاز لدى كيان غير معترف به لا من طرف الأمم المتحدة ولا من طرف المغرب"، إذ "ألقي عليه القبض وهو يرتدي زي جيش دولة أوكرانيا، بصفته عضوا في وحدة تابعة للبحرية الأوكرانية". ثم تلا ذلك الصمت الرسمي المطبق إزاء هذه القضية، جر وراءه صمتا أكبر للأحزاب المغربية والنقابات والجمعيات والهيئات الحقوقية والمنابر الإعلامية الموالية.

لكن الطاهر سعدون، والد الشاب ابراهيم، لم يهمل في أكثر من تصريح له بعد عودة ابنه، أن يتقدم بشكر السلطات السعودية وعلى رأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مع شكر خص به سلطات بلاده، وفي المقدمة ملك المغرب محمد السادس، والجهود المبذولة لتحقيق هذه النتيجة السعيدة، "جهود ظلت في الظل بعيدا عن الأضواء وأجهزة الإعلام، بعد تدخل الملك محمد السادس وولي العهد مولاي الحسن". كما صرح سعدون الأب، الموظف السابق في صفوف الدرك الملكي المغربي.

بعيدا عن إثارة الأسباب التي جعلت الرئيس الروسي يهدي مثل هذه الصفقة السياسية إلى ولي العهد السعودي، وليس إلى مسؤول دولي غيره، أو لمؤسسة هيئة الصليب الأحمر الدولي المعنية. وبعيدا عن سرد الغايات التي الزمت الأمير محمد بن سلمان أن يمضي حتى النهاية لإنجاح الوساطة وتحقيق صفقة الإفراج، غايات لعل من بينها التخلص من وطأة قضية خاشقجي وثقلها، ها هو "الأمير المتهم" يحمل الآن غصن زيتون أخضر، ليقف أمام العالم بوصفه داعية سلام ومنقذا لأرواح بشرية من الموت المحقق، ونجاة عشرة أسرى من المغرب وأميركا وبريطانيا والسويد وكرواتيا.

ما الذي يميز سعدون عن مغاربة آخرين تورطوا في ساحات حروب ونزاعات تبعد بمسافات تحسب بآلاف الكيلومترات عن المغرب؟ لقد شارك عدة مغاربة سابقا في حروب أفغانستان والبوسنة والهرسك وسوريا، وحاربوا تحت رايات طالبان ومسلمي البلقان وتنظيم داعش، وكانوا يواجهون في أغلب هاته الصراعات الجيوش الروسية، تماما مثلما حصل لسعدون الذي حمل السلاح ضد روسيا.

ربما الفرق أن سعدون كان يحمل جنسية البلد الذي يحارب من أجله، وأنه كان يحارب تحت راية جيش أوكرانيا. بخلاف المغاربة الذين كانوا يجاهدون تحت رايات جماعات متطرفة وألوية تنظيمات إسلامية.

وبينما حارب جل المتطرفين الإسلاميين لغايات وأهداف دينية، حارب سعدون مع أوكرانيا مقابل المال، وحاول العمل على تحسين راتبه قبيل وقوعه في الأسر، كما صرح هو نفسه لقناة "روسيا اليوم" التلفزيونية في مقابلة خاصة تم بثها إثر أسره.

إلا أن العائدين المغاربة من ساحات الحروب في أفغانستان، عاد أغلبهم بعد فترات مروا فيها بالمعتقل الأميركي غونتانامو الرهيب، لكنهم عند عودتهم وقفوا أمام قضاة التحقيق في قضايا الإرهاب بمدينة سلا المتاخمة للعاصمة الرباط، حول أسباب ذهابهم إلى ساحة حروب بعيدة. وأعيدت محاكمتهم والزج بهم فترات أخرى بالسجون المغربية.

في حين أن الطالب سعدون تم الإفراج عنه بوساطة سعودية على أعلى المستويات الرسمية، تزعمها الحاكم الفعلي للمملكة الخليجية، كما أنه حظي بتضامن شعبي واسع في المغرب. في وقت سابق وصف الطاهر سعدون ولده ابراهيم بـ"النابغة"، في الوقت الذي قوبل المحاربون الإسلاميون بتحفظ ونظر إليهم كمتطرفين ومنتمين لجهات متهمة بالإرهاب.

لما تم بث فيديو مقابلة مع ابراهيم سعدون، ظهر الشاب المغربي ثابتا رابط الجأش. وعندما نطق بالحكم عليه بالإعدام استرجع سريعا ثباثه وتماسكه، خلاف لرفيقيه البريطانيين. وعندما سئل من صحفي روسي عن شعوره بعد حكم الإعدام الذي تلقاه، جاءه رد ابراهيم سعدون كـ"ريبليك" في مسرحية عبثية من تأليف الإيرلندي صمويل بيكيت، وقال: أرغب في التهام بيتزا".

فهل طلب ابراهيم سعدون بعد عودته، من والدته أن تعد له وجبة كسكس المغربية المشهورة، أم طلب من والده أن يجلب قطعة بيتزا روسية "جاهزة للأخذ"، من أقرب محل بيتزا؟  

ليس من المستبعد أن قصة ابراهيم سعدون لن تنته عند هذا الحد، بانتظار فصول قادمة منها، ربما لن تكون أقل إثارة...

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).