Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

هشام العلوي
هشام العلوي ألقى قبل ما يزيد عن أسبوع محاضرة في كندا عن الربيع العربي

عبد الرحيم التوراني

ما صلة الديمقراطية بالرقص؟ خاصة إذا كان القصد  هو الديمقراطية. وتحديدا "الديمقراطية المقيدة في الشرق الأوسط: تونس ومصر من منظور مقارن"؟ 

لا تذهبوا بعيدا، فهذا عنوان محاضرة ألقاها قبل ما يزيد عن أسبوع، هشام العلوي في جامعة "لافال" بمدينة مونتريال.  

لكنه لم يثر فيها موضوع الرقص على الإطلاق. وما دام المحاضر تحدث عن "الربيع العربي"، فلا بأس من الإشارة إلى أن الاحتجاج السياسي الجماهيري يكون بالرقص أيضا، كما في مظاهرات جنوب افريقيا التي لا تتم من دون الرقص والغناء.  

واستكمالا للخبر، فإن هشام العلوي انطلق بعد إنهاء محاضرته يتجول في شوارع أكبر مدن كندا، فإذا به يصادف في زاوية شارع عازفَ غيثار مفترشا الأرض، منغمرا في أداء وصلة من أغاني الروك القديمة، من ريبرتوار مجموعة "البيتلز"، الفرقة الإنجليزية الأسطورية التي ألهب وألهمت أجيالا كاملة من شبيبة العالم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وما يزال أثرها ممتدا إلى اليوم من خلال أغانيها الخالدة.  

ما أن دنا المحاضر من العازف، حتى انخرط معه في اللحظة، معبرا بتلقائية عن سعادة غامرة ملأت صدره. وكانت الأغنية Twist and Shout، فوجد نفسه يغني ويرقص أمام العالم. 

كانت لحظة مرح واستمتاع تم توثيقها ومشاركتها لاحقا مع الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كرسالة مفتوحة أرادها صاحبها أن تصل إلى كل من يرغب، تقول إن "صاحبهم" بخير ويهديهم أجمل تحيات الود والسلام. وتضيف أنه وهو على عتبة الستين لا يزال يمتلك جسدا حيويا برشاقة الشباب، وبكامل المرونة الفكرية والجسدية.  

 إن الرقص عنوان ساطع للمحبة والتفاؤل وللأمل، فلمَ لا نحتفل ونرقص ونستمتع بالحياة مهما تعقدت أمورنا. ألم يساعد الرقص البشرية في البقاء على قيد الوجود قبل آلاف السنين؟ كما يؤكد ذلك علماء الأنثربولوجيا وأخصائيو "عصر ما قبل التاريخ"! 

وضع السيد هشام العلوي مقطع الفيديو، على حسابه في موقع "إنستغرام"، مشيرا إلى "أسباب النزول" لحلبة الرقص العلني في واضحة النهار وسط الشارع العريض. ("من يرقص لا يخفي لحيته" يقول مثل مغربي). مضيفا أنه ليس محترفا في هذا الفن التعبيري الجميل. وبتواضع شديد عُرِفَ عنه، كتب أنه لا يدعي أن رقصه كان موفقا تماما. 

كما لم تفته الإشارة في التعليق نفسه، أنه من المعجبين بكلاسيكيات الروك، وأنها "النوع الموسيقي المفضل لديه". لذلك لم يقاوم الرغبة في الرقص في الشارع، على إيقاعات أغنية "البيتلز"، داعيا رواد صفحته إلى الاستمتاع بالموسيقى والغناء. 

على الفور سجل الفيديو إعجاب الآلاف، بالأخص منهم المغاربة، الذين تقاسموه بشكل واسع على الواتساب والفيسبوك والأنستغرام.  

كان من الممكن أن تكون هذه القصة عادية، إلا أن من ظهر يرقص ويغني في الشارع، ليس شخصية عادية، بل هو ابن عم ملك المغرب محمد السادس، وهو أمير بالرغم منه، فبعد إعلانه التخلي عن لقبه الأميري وما يتصل به، كترتيبه الثالث في ولاية عرش المملكة. وتجنسه قبل سنتين بالجنسية الأمريكية، وقد اختار الإقامة الرسمية بالولايات المتحدة الأمريكية منذ أعوام، إلا أن لقبه المولوي ما زال يلاحقه، ويبدو أنه سيظل لصيقا به. بعكس الألقاب الأخرى التي صارت تختفي نوعا ما، مثل لقب "الأمير الأحمر"، بسبب نشاطه المدني وكتاباته المنحازه للديمقراطية في المغرب والبلاد العربية، ولقب "الأمير المنبوذ".  المُحَوَّر عن عنوان كتاب أصدره سنة 2014: "سيرة أمير مبعد"، فعمد آخرون إلى ترويجه باسم: "الأمير المنبوذ"، والفارق واضح ودقيق بين الكلمتين. 

جاءت "رقصة مولاي هشام" بعد أيام فقط من فوز فرقة الرقص "ميّاس" بجائزة "المليون دولار" الأمريكية، وبعد تحريض رئيس هذه الفرقة اللبنانية مواطنيه على الثورة والتغيير في بلد الأرز، البلد الذي يتحدر منه هشام العلوي من جهة والدته، ابنة الزعيم الوطني الكبير رياض الصلح.  

*** 

الجميع يحب الرقص والغناء، إلا أن رقص المشاهير "شيء ثاني" كما غنَّت أم كلثوم. يرقص الناس فرحا وفي حالات الانتشاء، ويساهم رقصهم الجماعي في الأفراح والمناسبات، في تقوية الروابط الاجتماعية، كما في التجمعات السياسية، مثل المهرجانات الانتخابية، وبالأخص عندما تصدر النتائج كما ينتظرون، ويكون "الرقص السياسي" من وسائل استمالة الجمهور، وأسلوبا لأنسنة "الحيوان السياسي" الذي أمامهم، حيث يظهره الرقص قريبا من الناس وواحدا منهم، فيطمئنون إليه ومعه إلى أن الرقص والغناء ما زال ممكنا. وفق لكلمات أغنية المشهورة للمصري محمد منير، وظفها المخرج العالمي يوسف شاهين في فيلمه "المصير": 

(ولا انهزام ولا انكسار../  ولا خوف ولا حلم نابت في الخلا../ علِّي صوتك علِّى صوتك في الغنى/  لسة الأغاني ممكنة.. / غنوتك وسط الجموع تهز قلب الليل فرح/  تداوي جرح اللّي انجرج / ترقص.. ارقص غصب عني..). 

*** 

تعددت فيديوهات أشهر السياسيين وهم يرقصون أمام الكاميرا، من الملك البريطاني تشارلز الثالث، الذي ظهر يشارك مجموعة أطفال رقصتهم لما كان وليا للعهد، ودونالد ترامب وباراك أوباما وبيل كلينتون، إلى بوريس يلتسين وفلادمير بوتين، وحتى زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ يون يرقص على موسيقى الروك ومن المعجبين بالمغني الإنجليزي إيريك كلابتون. بل إن أدولف هتلر هو أيضا كان يرقص. وشاهد العالم الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز يرقص خلال جولاته الانتخابية على أنغام أغنية شعبية أمريكية لاتينية. أما ترامب فرقص في حملاته الانتخابية على إيقاع أغاني حركة المثليين والمتحولين جنسياً.  

وكان الرئيس العراقي صدام يرقص على الدبكة العراقية المعروفة باسم "الجوبي"، وهو في بذلته العسكرية مزنرا بالسلاح والسيجار الكوبي ملتصق بشفتيه. ويحرص القادة السعوديون على إشراك ضيوفهم في رقصة "العرضة" النجدية التي تُحمَل فيها السيوف، وغالبا ما رقَّصُوا ضيوفهم، ومنهم رؤساء أمريكيين، مثل بوش الابن، وترامب. وقبل ذلك بعقود، في فترة الستينيات، ألبسوا ملك المغرب الحسن الثاني الزي الخليجي وأدخلوه حلبة الرقص برفقة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود. وكذلك فعلوا مع أخيه الأمير مولاي عبد الله، والد هشام العلوي، الراقص التلقائي في شوارع مونتريال. 

عُرِف عن الحسن الثاني أنه من هواة الموسيقي والغناء، ويبدو الحسن الثاني في صور يحمل آلات موسيقية. وفي مناسبة عيد جلوسه على العرش كانت تقام حفلات بجهات المملكة، تمتد أياما كلها رقص وغناء.  

لكن للحسن الثاني حكاية أخرى مع الرقص، مرة صاح غاضبا في حفل أقامته أخته الأميرة للا أمينة: "إن أجدادنا لا يرقصون، بل يركبون الخيل"، وتوجه إلى الفنان لحسن زينون بالقول: "بالله العلي العظيم إن لم تترك التراث المغربي لحاله ستحل بك لعنتي". وأمر بحل فرقة الرقص التي أسسها الفنان الكوريغرافي الكبير والمخرج السينمائي زينون، الذي اجتهد في تصميم رقصات فنية مستوحاة من التراث الشعبي المغربي الأصيل. 

لما نجحت المجموعة الأسطورية "ناس الغيوان" في مصالحة المغاربة مع تراثهم الموسيقي، تجاوب معها الشباب بالرقص على إيقاعاتها الروحية، في مشهد هو أقرب إلى "الجذبة" الصوفية، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن مرادف لفظة الرقص في العامية المغربية هو "الشَّطْحَة"، وهي مفردة صوفية واضحة. "هنا طاحْ الرّْيالْ..هنا نْشَطْحو عليه"، أي جاء الرزق فلنرقص.. 

 لكن شباب المغرب اليوم يميل إلى التمايل على موسيقى الراب، ولهذه الغاية تم إنشاء مهرجانات منها "البوليفار" في الدار البيضاء. آخر نسخة من هذه الفعالية نظمت قبل أسبوع، تخللتها وقائع إجرامية، أخطرها اغتصاب فتاة، وسط انتشار واسع للمخدرات والتشجيع العلني على استهلاكها. 

أما محبو رقصات "الشيخات" وغناء "العيطة"، فباتت تستهويهم رقصات تمزج بين الإيروتيك والبورن، للراقصة الشعبية "الشيخة التسونامي" وزميلتها "الشيخة تراكس"، ولعل اللقبين يقربان نوع الرقص الذي يقدمانه المعتمد على هز وتدوير المؤخرة "الكردشيانية" (نسبة إلى العارضة الأمريكية كيم كردشيان). وقبل سنوات، تم الحرص على الاحتفاء بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون خلال إحدى زياراته الخاصة إلى المغرب، بتنظيم حفل فني من تنشيط  الراقص(ة) نور المتحول جنسيا. 

***   

ليس الرقص كله فنا نبيلا، بل هناك أيضا الرقص على الجراح وعلى آلام ومآسي الآخرين، فعندما أعدام صدام حسين يقال إن جماعة من الشيعة المتطرفين رقصوا على جثته، ما جعل ابنته رغد تكتب تغريدة من شعر الإمام الشافعي:  

لا تأسفن على غدر الزمان لطالما/رقصت على جثث الأسود كلاب. 

وكان الرئيس الليبي معمر القدافي يحب رقصة الفلامنغو الأندلسية الأصل. وحسب تسريبات "ويكيليكس"، ففي إحدى رحلاته عائدا من فنزويلا إلى بلده، توقف القدافي خصيصا في إشبيلية لحضور حفل رقص فلامنغو. وفي آخر ظهور له خاطب الزعيم الليبي جماعات من أنصاره مذكرا بأمجاد مقاومة الليبيين للاستعمار الإيطالي، وأنهى كلمته بدعوة الشباب إلى الغناء والرقص. دون أن يدور بخلده أنهم بعد بضع ساعات سيرقصون كالذئاب فوق جثته المثخنة بالجراح. 

***   

لن ننسى رقصة زوربا اليوناني، ولا جماليات الرقص الكلاسيكي الشرقي في الهند. وأساطيره في مصر، ساميا جمال ونعيمة عاكف ونجوى فؤاد والأخريات.. تتقدمهن الراقصة تحية كاريوكا وكانت شيوعية وظفت فنها في العمل السياسي، وسجنت في زمن عبد الناصر لانتمائها لـ"الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" ذات الاتجاه الشيوعي. 

كما أن جماهير الرياضة لن ينسوا رقصات لاعبي كرة القدم وهم يسجلون الأهداف، وخصوصا رقصة الكاميروني روجيه ميلا في مونديال إيطاليا 1990. ورقصة دييغو مارادونا، ولا نتحدث هنا فقط عن رقصاته في الملاعب، بل عن رقصته المميزة في حفل شعبي أقيم في مدينة العيون المغربية، على هامش مباراة استعراضية جمعت نجوم كرة القدم الإفريقية والعالمية (2015)، عندما اندمج مارادونا في الرقص على إيقاعات محلية بطريقة مثيرة أمام الحاضرين.  

 *** 

وبما أن الرقص دلالة عما يختلج في الصدر وفي العقل الباطن، فقد سارع بعضهم إلى التساؤل عن سر وخلفيات ظهور مولاي هشام في هذا التوقيت بالذات، وهو يرقص مستمتعا بالحياة، في الوقت الذي تتداول فيه أخبار عن سوء صحة ابن عمه الملك محمد السادس. وأن من المرجح أن يكون لـ"رقص مولاي هشام" غرض سردي سياسي، وأن الموضوع يستوجب الخوض في سيكولوجية رقصته الكندية وصِلَتِها بالسياسة والوضع الراهن في المغرب، عبر البحث في تفاصيل الرقصة وحركة الشفتين، فثمة لغة لا يمكن التعبير عنها إلا بلغة الجسد. 

***  

عندما يتجرأ حرف "الصاد" ويستعير نقطة واحدة من جاره حرف "القاف"، يتحول "الرقص" إلى "رفض" جلي. ذلك ما ابتدعته الجماهير الإفريقية المتظاهرة بالشوارع والميادين في احتجاجاتها الصادحة بالغناء والرقص.مترجمين بوح الشاعر العربي المتنبي: (لا تحسبوا رقصي بينكم طربا *** فالطير يرقص مذبوحا من الألم). 

في آخر مقال له نشر بعدد سبتمبر من شهرية "لوموند دبلوماتيك"، توقع هشام العلوي تجدد "ثورات الربيع العربي" بعد فتورها وإخمادها، ولم يستبعد عودة الاحتجاجات إلى الساحات، نظرا لتدهور الأوضاع المعيشية والفكرية في مجموع العالم العربي. 

هذا هو الرقص- الرفض الذي يستوجب النظر والاهتمام. 

ولعل في هذا تكمن الإجابة عن سؤال البداية، عن صلة الديمقراطية بالرقص؟ 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).