Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تحتج النساء الإيرانيات على القمع والاستهداف الذي تمارسه السلطات بحق من لا يلتزمن بارتداء الحجاب
تحتج النساء الإيرانيات على القمع والاستهداف الذي تمارسه السلطات بحق من لا يلتزمن بارتداء الحجاب

د. عماد بوظو

"مرأة..حياة..حرية"، كلمات ثلاث جعل منها الإيرانيون شعاراً لاحتجاجاتهم على الاستبداد وعلى حكم رجال الدين، وتعبر كل كلمة في هذا الشعار عن رفض جوهري وعميق لأُسس الجمهورية الإسلامية، بداية من المرأة التي اضطهدتها هذه الجمهورية لعقود طويلة، ولذلك شكلت النساء العمود الفقري للاحتجاجات الحالية، والجسر الذي وحد بين مكونات المجتمع المختلفة من الفرس والأذَر والأكراد والعرب والبلوش، مما أفشل الوسيلة التي كان النظام الإيراني يلجأ إليها في الإحتجاجات السابقة، وهي زرع الفرقة بين الأعراق والطوائف، ولذلك خرجت الاحتجاجات هذه المرة من مختلف المدن والبلدات. 

إذ رغم وجود دور بارز للنساء في جميع الإحتجاجات السابقة، والتي ترك بعضها مشاهد لا تُنسى مثل، ندا آغا سلطان، المرأة الجميلة ابنة 26 عاما، التي قتلها الأمن في طهران، أمام وسائل الإعلام العالمية عام 2009، والتي تم تخليد ذكراها في فيلمين سينمائيين، واعتبرتها التايمز البريطانية الرمز العالمي للنضال ضد الإستبداد، ولكن تلك الاحتجاجات لم تشمل كامل الجغرافيا الإيرانية كما كانت متواضعة في مطالبها.  

أما في هذه المرة فقد انطلقت شرارة الاحتجاجات نتيجة مقتل الشابة، مهسا أميني، على يد شرطة الأخلاق، ولذلك قادت النساء أغلب فعالياتها، وكان منها وضع لَمسة من الرومانسية في وداع هذه الشابة على أنغام الترجمة الفارسية للأغنية الايطالية الثورية،

وداعا أيتها الجميلة "بيلا تشاو":
وداعا أيتها الجميلة  
أمام هذا العالم الجديد أفتح النوافذ 
نَقفز كلنا معا من النوم في ليلة مُقمرة 
ونبقى مستيقظين للغد 
وفي آخر المطاف بأيدينا سنكسر القيد 
يا رفيقة احمليني بعيدا لأني سأموت 
وإن مت وأنا أقاوم 
فادفنيني في أعالي الجبال 
تحتَ ظل وردة جميلة 
إذا مر قوم 
سيقولون ما أجمل الوردة 
تلك وردة المقاوم 
الّذي مات حرا
وداعا أيتها الجميلة.

ثم قامت مجموعات من النساء بالنزول إلى الشوارع ونزع الحجاب وإحراقه ثم الرقص حولَ النار التي ألقينه فيها رقصةَ الحريّة، وقامَت أُخريات بقص شعورهن أمام الكاميرا كتعبير عن الاحتجاج على هذا النظام الذي يعيش خارج العصر، فردت قوات الأمن بالوسيلة التي لا تعرف غيرها، وهي قتل المزيد من النساء، مثل نيكا شكرمي إبنة الستّة عشرَ عاما التي أضرمت النار في حجابها ثم شوهدت وهي تركضُ هربا من الشرطة واختفت لعدة أيام ثم ظهرت جثتها في مشرحة واتهمت أمها السلطات بقتلها، وهاديس النجفي 22 عاما والتي أرسلت تسجيلا أثناء مُشاركتها في المظاهرات قالت فيه "آمل أن أعيش حياة سعيدة بعد سنوات من الآن"، ولكنّ الشرطة قتلتها بعد ساعة واحدة من هذا التسجيل بستّة رصاصات. 

وسارينا إسماعيل زادة الشابّة الصغيرة المليئة بالحيويّة التي يمكن مُشاهدتها في تسجيلاتها على اليوتيوب والتي قال الأمن إنها انتحرت، ثم ميني مجيدي 55 عاما والتي قالت قبلَ موتها "إذا لم يخرُج أمثالي في هذه الاحتجاجات فمن سيفعل، يجب إيقافهم عن قتل شبابنا"، وقالت الباحثة الفرنسية الكسندرا شوارز برود ليس من قبيل الصُدفة أن ينطلق نشيد بيلّا تشاو الثوري في أكثر البُلدان قمعا وتشددا، إن الشجاعة الفائقة التي أبدتها النساء الإيرانيات يجب أن تدفعنا للارتقاء إلى مُستواهن. 

وبعد ذلك سجل شيروين حاجي بور وهو شاب من الأحواز أغنية أصبحت عُنوانا خاصا لهذه الثورة ومن كلماتها: 

من أجل الرقص في الشوارع  
من أجل خجلنا من فقرنا 
من أجل حقّنا في حياة طبيعيّة 
من أجل دُموعنا التي لا تنتهي  
من أجل شروق الشمس بعد ليل طويل 
من أجل حياة المرأة وحرّيتها

وخلال ساعات حقّقت الأغنية أربعين مليون مشاهدة، بالإضافة إلى أعتقال الشاب الذي غناها، لكن من دون أن يؤثر ذلك على انتشارها وترديدها في شرق إيران وغربها.

كما كانت الكلمة الثانية في شعار الثورة "الحياة" تعبيرا عن رفض ثقافة الموت التي يروج لها الإسلاميون الذين يحرمون كل ما يُدخل البهجة إلى القلب، ويتجلى حب الحياة في الدعوة للاستمتاع بكل ما فيها من الرقص والغناء وكل الفُنون والهوايات، والأهم من كل ذلك الحق في الحب الذي يمثل سر الحياة، وهذا ما يرفُضه الإسلاميون لأنّ لديهم هوَس مرَضي بالجنس وجسد المرأة الذي جعلوا منه ساحة معركتهم الرئيسية، وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن شريحة واسعة من الشعب الإيراني رجالا ونساءا ومن مُختلف الأعراق والأعمار قد تغيّر موقفها جذريا من قضايا المرأة وبعضهم جعلَ من حقوق المرأة نقطة البداية للمطالبة بالحرية والديمقراطية للجميع.

وتأتي الكلمة الثالثة في هذا الشعار وهي الحرية تتويجا طبيعيا لمطالب الثورة بجوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتخلص من النظام الاستبدادي ومن عالم المُحرّمات الذي يُحاول  المتشدّدون فرضُه على الشعب، لأن مساعي النظام لأسلمة المجتمع أدّت لغياب الحرية على المستويين العام والخاص مع أن نصيب المرأة من التضييق والكَبت كان مُضاعفاً. 

وكان من عوامل قوّة هذه الثورة مُشاركة الجيل الجديد فيها بشكل واسع خُصوصاً في الجامعات والمدارس الثانوية وحتى الإعدادية إن كانَ في المظاهرات أو في نزع وحرق صور وتماثيل رُموز الجمهورية الإسلامية أو غيرها من طُرق التعبير عن معارضة النظام، وقد وجّهت فتيات وشابّات من جيل القرن الحالي انتقادات لاذعة للأجيال الأكبر: "ما قبلتوه أنتم لسنوات طويلة لن نقبلهُ نحن مهما كان الثمن". 

وقالت منظمة العفو الدولية إن القيادة العسكرية العُليا في إيران أصدرت تعليمات بالتصدّي "بلا رحمة" للمتظاهرين من خلال نشر الحرس الثوري والباسيج ورجال أمن بملابس مدنية في مختلف المدن والبلدات الإيرانية مع تعليمات باستخدام واسع النطاق للقوّة المُميتة والأسلحة النارية، مع ما هو معروف في إيران من ناحية ضمان الإفلات من العقاب.   

ومع إنتشار تسجيلات ثورة النساء الإيرانيات والقمع الوحشي الذي تعرّضن له تضامن العالم بشكل غير مسبوق معهنّ، وتجلّى هذا التضامن بقيام سياسيّات وناشطات وقادة رأي في الكثير من دول العالم بقصّ شعرهن أمام الكاميرا لدعم نساء إيران في رفضهنّ للحجاب الإلزامي، وتجاوزَ هاشتاغ مهسا أميني على تويتر ثمانين مليوناً خلال أيام، وقالت واشنطن بوست "إن ما يحدث في إيران ثورة تقودها فتيات ضدّ الأجداد الذين حكموا البلد منذ أكثر من أربعة عقود، وقد لا يكون انتقال إيران من الحكم الديني إلى الديمقراطية سهلا وسلميا ووشيكا لكن هذا الحدث هو أهم مؤشر على وجود تحول في الشرق الأوسط". 

كما تضامن مع هذه الثورة الكثير من الرُموز السياسية والثقافية والفنية والرياضية، فقد دعى أبرز قادة التيّار الإصلاحي في إيران ورئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي قوات الأمن للدفاع عن المُتظاهرين وعدَم خدمة أصحاب السلطة، وأكّد الموسيقار الإيراني كيهان في خطاب للنظام، "حاولنا طَوال العقود الماضية مخاطبتكم بلُغة الثقافة التي نشأت من حضارتنا بدلَ لُغة الإعدامات لكنّكم لم تفهموا"، كما قال أهم رُموز السينما المستقلّة في إيران أصغر فرهادي، أدعوا الفنانين والمُثقفين حولَ العالم للتضامن مع النساء والرجال الشجعان في إيران بأي طريقة، وتميّزت حركة الاحتجاجات هذه بخُروج تسجيلات لضبّاط وأفراد من الجيش يُعلنون فيها تضامنهم مع الشعب، كما تظاهرَ عشرات آلاف الإيرانيين حول العالم للمُطالبة بدعم شعبهم في الداخل. 

وفي النهاية مهما كانت النتائج القريبة لهذه الثورة فإنّ التاريخ سيذكرها بفخر كنقطة تحوّل في نضال الشعب الإيراني من أجل حُريّته لأنها ارتفعت بمطالبها إلى رفض كامل للنموذج الذي قدّمته الجمهورية الإسلامية، ولأنها جعلت علامات نهاية النظام تلوح في الأفق بعد أن أحدثت شُروخاً وتصدّعات عميقة في بنيته ستظهر آثارها عاجلاً أو آجلاً، وهذا سيساعد في طيّ صفحة الإسلام السياسي في كامل الشرق الأوسط مثلما انعكست الثورة الخمينية قبل عقود في ما سُمّي وقتها "الصحوة" الإسلامية التي مازالت شُعوب الشرق الأوسط تعاني من تبعاتها وآثارها حتى اليوم. 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب
فرحة الفوز غطت على أحداث السياسة والاقتصاد في المغرب

عبد الرحيم التوراني

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).