Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لا يزال كثيرون في مجتمعاتنا ينظرون إلى مطالب المساواة على أنها ترف
لاتزال الدول المغاربية في مراتب متأخرة عن تحقيق المساواة بين الجنسين

سناء العاجي

الحريات الفردية؟ هذا مجرد ترف ضمن مجتمع يعاني فيه الأفراد من الفقر والأمية.

التغيرات المناخية؟ ليس هذا وقتها... المجتمعات المتقدمة استفادت في السنوات السابقة وأثرت على المناخ، والآن تريد من الدول الفقيرة أن تدفع الثمن.

المساواة في الإرث؟ أغلبية المواطنين فقراء وليس لديهم ما يرثوه أصلا.

نقل جنسية الأم لأبنائها في الدول التي لا تسمح بعد بذلك؟ نسبة النساء المتزوجات من أجانب في هذه الدول ضعيفة، وبالتالي فهو مطلب فئوي لن تستفيد منه الأغلبية. 

توقيف الخجل والعار بسبب الدورة الشهرية لأن كل النساء يعشنها ولأن لها أعراضا نفسية وجسدية يجب الحديث عنها بدون خجل؟ هذا مطلب غريب قد تكون له أهمية في المجتمع الأبيض الأوروبي ولا يعني مجتمعاتنا. لدينا خصوصية ثقافية يجب احترامها. 

حمل اسم الأم في هوية أبنائها وبناتها؟ هذا مطلب تافه لأن النساء يعانين من مشاكل أكبر وأهم. ثم إن ذلك يجعلنا نختصر الأم في مجرد اسم بينما هي أكبر من ذلك (هل يعني هذا أننا، حاليا، نختصر الأب في مجرد اسم، رغم أنه أكبر من ذلك؟). ثم، لو كان هذا الأمر مهما، لسبقتنا له النساء في الدول الاسنكندنافية. (هذه، بالمناسبة، بعض التعليقات الحقيقية التي توصلت بها منذ بضعة أيام، بعد إعلاني عن قراري بحمل اسم أمي وأبي في هويتي... رغم أن هذا لا يمنع أن الكثيرين والكثيرات (وهم أغلبية) تفاعلوا مع القرار إيجابيا وأخذوا مبادرات رمزية مشابهة أو أعلنوا عن كون التساؤل يخالجهم، بدورهم، منذ فترة؛ مما يعني أن الموضوع يستحق فعليا أن نطرحه للنقاش). 

في خمسينيات القرن الماضي، تأسست في المغرب جمعية حملت اسم "أخوات الصفا". من بين أهم مطالب هذه الجمعية، نجد ما يلي: منع تزويج القاصرات، إلغاء التعدد، إجبارية تعليم النساء، فتح أبواب الجيش في وجه النساء، تعيين لجان محلية نسوية بالمحاكم لكي تبث في الخصومات العائلية وتدافع عن حق المرأة؛ وغيرها من المطالب التي تهدف للدفاع عن حقوق النساء وكرامتهن.

حينها، اعتبرت الأحزاب السياسية أن كل هذا ترف لم يحن أوانه وأن الأساسي هو الدفاع عن استقلال المغرب من الحماية الفرنسية. بعد الاستقلال، كانت الأولوية، طبعا، لـ "البناء الديمقراطي"، لأن حقوق النساء ترف يمكن أن نؤجله لوقت لاحق... سبعون سنة بعد ذلك، مازالت مطالب "أخوات الصفا" ومطالب أخرى تبنتها الحركات الحقوقية لاحقا، "مجرد ترف" أمام ما قرر البعض أنه أولوية!

متى سندرك أن الحقوق لا تصنف بشكل عمودي (هذا الحق أولى/أسبق من ذاك)، بل بشكل أفقي يمكننا من الدفاع عن حق النساء في الاستفادة من تعليم جيد ومن نظام صحي جيد، وتوقيف العنف ضدهن ومنع تزويج القاصرات ومكافحة الفقر في محيطهن... لكن أيضا الدفاع عن حقهن في اختيار الأمومة أو عدمها، في حياة جنسية صحية ومُرضية (سواء كنّ مثليات أو غيريات)، في المساواة في الإرث، في نقل اسمهن لأبنائهن وبناتهن، في الحديث بحرية عن آلام دورة الحيض وعن آلام الحمل والولادة خارج هالة التقديس التي يصر المجتمع أن يحيط بها الأمومة، وغيرها من الحقوق التي يعتبرها البعض ترفا!

أحدهم كتب، بدون أدنى إحساس بالخجل: "إذا كان الرجل لم يأخذ حقوقه، فكيف ستأخذ المرأة حقوقها؟"، في إيمان عميق منه بأن التراتبية ليست فقط في الحقوق، بل أيضا في الانتماء الجندري. حقوق الرجل أولا، ثم حقوق النساء!!!!

ثم، لعلنا أيضا نحتاج أن نتوقف قليلا لنتساءل: الرجل شريك للمرأة في مسار المطالبة بالحقوق، هذا مؤكد. لكن، من الغريب فعلا أن يعتبر بعض الرجال أن من حقهم تقرير ما هو أولوي وما هو دون ذلك، فيما يتعلق بحقوق النساء. من الغريب أن لا يعرفوا ولو نسبة قليلة من تفاصيل الحمل والولادة والدورة الشهرية ويقرروا في مدى أحقيتنا في الحديث عنها أو لا. من الغريب أن يستفيدوا اقتصاديا من تقسيم الإرث الحالي ويعتبروا النقاش فيه قابلا للتأجيل. من الغريب أن لا يعانوا من التغييب في هويات أبنائهم وجنسياتهم وفي الفضاء العام وأن يعتبروا الحديث عن التحرش أو عن نقل اسم الأم أو نقل جنسيتها لأبنائها في البلدان التي لم تمنح بعد هذا الجق للنساء، مجرد ترف لنسويات مدللات يبالغن في مطالبهن. من الغريب أن يعيشوا علاقاتهم الجنسية بهامش حرية أكبر من ذلك الذي تتمتع به النساء وأن يعترضوا على التوقيف الإرادي للحمل ماداموا غير معنيين بتبعات الحمل غير المرغوب فيه... وقس على ذلك في نماذج كثيرة. 

لو كنت رجلا، لخجلت من كل هذا... أو ربما لا. لو كنت رجلا، لكنت ربما قد أستفيد من "السيستيم" وأعتبر كل هذه المطالب ترفا... مادامت المنظمومة الحالية في صالحي! 

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"
"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"

عمران سلمان

يعتبر نموذجا فيتنام والجزائر مادة خصبة للمقارنة والدراسة وذلك بالنظر إلى أوجه الشبه الكثيرة بينهما، رغم وجود بعض الاختلافات.

فكلا البلدين كان ينتمي للكتلة الاشتراكية وخاضا نزاعين كبيرين ومدمرين تقريبا في نفس الفترة (الحرب الفيتنامية الأميركية وحرب الاستقلال الجزائرية من فرنسا) وتكبدا خسائر هائلة في الأرواح (أكثر من مليون ونصف المليون قتيل)، ويعتبر البلدان حديثي النشأة وكان ينظر إليهما بوصفهما رمزين لحركات التحرر الوطني في العالم، ومع ذلك فبعد قرابة خمسة عقود من انتهاء النزاعين، تبدو الحصيلة مختلفة تماما.

فالجزائر بقيت تراوح في مكانها وهي تعتبر دولة فقيرة نسبيا وتعتمد أساسا على النفط وتعيش تحت رحمة أسعاره المتقلبة، ولديها واحد من أسوأ النماذج الاقتصادية، فيما فيتنام تبرز كدولة صاعدة اقتصاديا مع واحد من أسرع معدلات النمو في العالم، وقد ساعدتها سياسات الانفتاح الاقتصادي على جذب الاستثمارات الخارجية وانتقال العديد من الشركات الأميركية الكبرى إليها.

وبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2021 فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي لفيتنام حوالي 366 مليار دولار بينما بلغ إجمالي الناتج المحلي للجزائر حوالي 163 مليار دولار.

ترى ما السبب في ذلك؟ لماذا تمكنت فيتنام من التحول إلى قوة اقتصادية كبيرة وفي طريقها كي تصبح نمرا آسيويا، بينما تعثرت التنمية في الجزائر وبات أكثر من نصف سكانها تقريبا تحت خط الفقر؟

بالطبع توجد اختلافات بين البلدين سواء من ناحية الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي وعدد السكان.. إلخ، وهذا كان يفترض أن يرجح كفة الجزائر وليس فيتنام.

الإجابة هي الاختلاف في رد الفعل على التحدي الذي واجهته فيتنام بعد الحرب مع الولايات المتحدة وذاك الذي أبدته الجزائر بعد الحرب مع فرنسا.

كان يمكن لفيتنام أن تظل حبيسة ظروف تلك الحرب ومواصلة لعب دور الضحية واعتبار نفسها رأس حربة في العداء للولايات المتحدة والإمبريالية والاستعمار والرأسمالية.. إلخ، ومواصلة حشو أدمغة طلابها وشبابها بالشعارات الخاوية واجترار الماضي والعيش على بطولاته!

لكن الفيتناميين كانوا أذكى من ذلك، وقد أظهروا حكمة كبيرة جعلتهم يتفادون الوقوع في شباك "الفخاخ الثورية"، حيث رفضوا السير في ذلك الطريق المظلم (طريق الخلف در) وفضلوا أن يتبعوا نماذج ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، التي مرت هي الأخرى بظروف مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابتها متقاربة.

ما هو هذا النموذج؟

ترك الماضي للماضي والتصالح التاريخي مع الولايات المتحدة وبناء علاقات وثيقة وشراكة معها والاستفادة القصوى من نموذجها في الاقتصاد والسياسة والحداثة وما تتمتع به من إمكانيات هائلة في جميع المجالات.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذته فيتنام مهد الطريق لقرار تاريخي أميركي بالتطبيع الشامل للعلاقات بين البلدين، في عام 1995، ورفع العقوبات عن فيتنام التي دامت 20 عاما.

وفي عام 1997، تم تبادل السفراء وقام الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، بزيارة فيتنام، عام 2000، كأول رئيس أميركي يقوم بذلك منذ انتهاء الحرب.

ووقعت هانوي وواشنطن اتفاقية تجارية ثنائية في نفس العام سمحت لفيتنام بدخول السوق الأميركي مع تخفيض نسب كبيرة من التعريفات الجمركية. ثم ساهمت واشنطن في تسهيل دخول فيتنام منظمة التجارة العالمية عام 2007، وهو ما أتاح لها الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ومع اطراد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام، شهدت العلاقات السياسية أيضا تطورا لافتا مع قيام زعماء البلدين بتبادل الزيارات خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2015، قام رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي بزيارة إلى واشنطن اعتبرت "تاريخية"، فيما زار كل من الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب فيتنام عامي 2016 و2017 على التوالي.

وتنظر غالبية الشعب الفيتنامي اليوم إيجابيا إلى كل ما يتعلق بأميركا والغرب عموما، إذ يشير استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث عام 2017 إلى أن 76 في المئة من الفيتناميين لهم رأي إيجابي في الولايات المتحدة، وارتفعت النسبة إلى 87 في المئة بين الشباب الفيتنامي من 18 إلى 29 عاما.

ويعتبر الطلاب الفيتناميون سادس أكبر مجموعة من الطلاب الدوليين في الجامعات الأميركية.

وعلى النقيض من ذلك، بقيت الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط، وليس هناك أدل من ذلك مما جاء في استطلاع للرأي أجراه البارومتر العربي (2019) حيث أبدى قلة من الجزائريين رغبتهم في إقامة علاقات اقتصادية أقوى بين بلادهم والولايات المتحدة.

وبلغت هذه النسبة 24 في المئة فقط، بينما سجلت تأييدا بحوالي 50 في المئة لصالح العلاقات مع تركيا و36 في المئة مع الصين و35 في المئة مع روسيا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).