Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"فهم القرآن من خلال فهم المقاصد بدلاً من الفهم الحرفي قد ينقل الفكر الإسلامي لمرحلة أخرى من الفهم الإنساني".
"فهم القرآن من خلال فهم المقاصد بدلاً من الفهم الحرفي قد ينقل الفكر الإسلامي لمرحلة أخرى من الفهم الإنساني".

د. توفيق حميد

يقرأ كثيرون آيات القرآن الكريم بصورة حرفية قد تسبب العديد من المشاكل لأن الفهم الحرفي للآيات قد يتعارض مع مبادئ القرآن، وقد يتناقض تماماً مع روحه الحقيقية. 

وقديماً كتب في الإنجيل أن الحرف يقتل، أي أن الحرفية الشديدة في الفهم قد تتسبب في قتل إنسان.  

ولكى نفهم هذا المبدأ، لنتصور سوياً أن الرسول عليه السلام كان يسير ذات يوم مع مجموعة من أصحابه ووجد إنسانا يموت عطشاً فى الصحراء، فقال لمن حوله آية قرآنية بهذا المعنى: "إذا رأيتم إنسان عليلاً فإسقوه ماء". وهنا نسأل أنفسنا سؤالين:

السؤال الأول : ما هو الأمر الذى أمر به الرسول أو أمرت به الآية القرآنية؟ 

السؤال الثاني: ولماذا أمر الرسول أو القرآن بذلك؟ 

والإجابة على السؤال الأول هو أن أمر القرآن كان أن نسقي الإنسان العليل ماءً. 

و الإجابة على السؤال الثانى هو أن القرآن أمر بفعل ذلك لكي ينقذ حياة إنسان ونفس بشرية عملاً بقوله تعالى {أنه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا {سورة المائدة:32}.  

ولننتقل الآن إلى عصرنا الحالي، و لنتصور معاً أن هناك إنساناً أمامنا الآن يموت من غيبوبة سكر وأمامنا رأيان :الرأى الأول يقول أن علينا أن نتبع القرآن حرفياً و أن نسقيه ماءً ( مع العلم بأن إعطاء الماء عن طريق الفم فى حالات الغيبوبة قد يتسبب فى موت الإنسان !).

والرأي الثاني يقول أنه علينا أن لا نأخذ على الإطلاق بالفهم الحرفي، وأن ننفذ الهدف من الأمر القرآني ألا وهو إنقاذ حياة الإنسان وفي هذه الحالة فإننا لابد أن نعطيه محاليل عبر الوريد ومادة الإنسولين بدلاً من إعطائه ماء عن طريق الفم لأن ذلك قد يتسبب فى مقتله.  

فأي من الرأيين تراه إتباعا حقيقيا لأمر القرآن: هل من ينفذ أمر الآية القرآنية حرفياً فيعطيه الماء بالفم فيقتله، أم من لا ينفذ الأمر بصورة حرفية ويعطيه بالتبعية علاج آخر فينقذ حياته؟ 

وبالقطع فإن الرأي الثاني هو الذي يتفق مع ما أراده القرآن ومع روح القرآن كما ذكرنا في الآية الكريمة {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا {سورة المائدة:32}.  

و هذا المبدأ نستطيع تطبيقه فى فهم الكثير من الآيات. فمثلاً قد يفهم البعض أن الآيات التي تعطي للزوجة حق الميراث على أنها مجرد آية لتحديد نسبة الزوجة فى ميراث زوجها وقد يرى آخرون أن هذه الآيات هي دلالة على أن هدف القرآن وقت نزوله هو أن يعطي المرأة المزيد من الحقوق وبالتبعية فإن علينا إن أردنا إتباع هذا الهدف القرآني أن نعطي المرأة المزيد من الحقوق فى عصرنا الحالي كي نتأسى بروح القرآن. 

وطريقة فهم القرآن أمر في غاية الخطورة لأن الفهم الحرفي قد يتناقض تماماً مع أسسه ومبادئه. فعلى سبيل المثال فإن فهم آيات الحرب والقتال أن هدفها هو نشر الدين هو أمر يتناقض تماماً مع قوله تعالى "ٱادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ " (سورة النحل آية 125). أما إذا تم فهم آيات الحرب والقتال فقط على أنها لدفع عدوان بناء على قوله عز وجل "وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ اٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ" (سورة البقرة آية 190)  فإن الأمر قد يختلف تماماً.   

وباختصار شديد، فإن فهم القرآن من خلال فهم المقاصد بدلاً من الفهم الحرفي قد ينقل الفكر الإسلامي لمرحلة أخرى من الفهم الإنساني لإرساء مفاهيم التعايش السلمي مع الآخرين ولإطفاء نيران الفهم الحرفي الذي تسبب في كوارث عديدة باسم الدين.  

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"
"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"

عمران سلمان

يعتبر نموذجا فيتنام والجزائر مادة خصبة للمقارنة والدراسة وذلك بالنظر إلى أوجه الشبه الكثيرة بينهما، رغم وجود بعض الاختلافات.

فكلا البلدين كان ينتمي للكتلة الاشتراكية وخاضا نزاعين كبيرين ومدمرين تقريبا في نفس الفترة (الحرب الفيتنامية الأميركية وحرب الاستقلال الجزائرية من فرنسا) وتكبدا خسائر هائلة في الأرواح (أكثر من مليون ونصف المليون قتيل)، ويعتبر البلدان حديثي النشأة وكان ينظر إليهما بوصفهما رمزين لحركات التحرر الوطني في العالم، ومع ذلك فبعد قرابة خمسة عقود من انتهاء النزاعين، تبدو الحصيلة مختلفة تماما.

فالجزائر بقيت تراوح في مكانها وهي تعتبر دولة فقيرة نسبيا وتعتمد أساسا على النفط وتعيش تحت رحمة أسعاره المتقلبة، ولديها واحد من أسوأ النماذج الاقتصادية، فيما فيتنام تبرز كدولة صاعدة اقتصاديا مع واحد من أسرع معدلات النمو في العالم، وقد ساعدتها سياسات الانفتاح الاقتصادي على جذب الاستثمارات الخارجية وانتقال العديد من الشركات الأميركية الكبرى إليها.

وبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2021 فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي لفيتنام حوالي 366 مليار دولار بينما بلغ إجمالي الناتج المحلي للجزائر حوالي 163 مليار دولار.

ترى ما السبب في ذلك؟ لماذا تمكنت فيتنام من التحول إلى قوة اقتصادية كبيرة وفي طريقها كي تصبح نمرا آسيويا، بينما تعثرت التنمية في الجزائر وبات أكثر من نصف سكانها تقريبا تحت خط الفقر؟

بالطبع توجد اختلافات بين البلدين سواء من ناحية الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي وعدد السكان.. إلخ، وهذا كان يفترض أن يرجح كفة الجزائر وليس فيتنام.

الإجابة هي الاختلاف في رد الفعل على التحدي الذي واجهته فيتنام بعد الحرب مع الولايات المتحدة وذاك الذي أبدته الجزائر بعد الحرب مع فرنسا.

كان يمكن لفيتنام أن تظل حبيسة ظروف تلك الحرب ومواصلة لعب دور الضحية واعتبار نفسها رأس حربة في العداء للولايات المتحدة والإمبريالية والاستعمار والرأسمالية.. إلخ، ومواصلة حشو أدمغة طلابها وشبابها بالشعارات الخاوية واجترار الماضي والعيش على بطولاته!

لكن الفيتناميين كانوا أذكى من ذلك، وقد أظهروا حكمة كبيرة جعلتهم يتفادون الوقوع في شباك "الفخاخ الثورية"، حيث رفضوا السير في ذلك الطريق المظلم (طريق الخلف در) وفضلوا أن يتبعوا نماذج ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، التي مرت هي الأخرى بظروف مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابتها متقاربة.

ما هو هذا النموذج؟

ترك الماضي للماضي والتصالح التاريخي مع الولايات المتحدة وبناء علاقات وثيقة وشراكة معها والاستفادة القصوى من نموذجها في الاقتصاد والسياسة والحداثة وما تتمتع به من إمكانيات هائلة في جميع المجالات.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذته فيتنام مهد الطريق لقرار تاريخي أميركي بالتطبيع الشامل للعلاقات بين البلدين، في عام 1995، ورفع العقوبات عن فيتنام التي دامت 20 عاما.

وفي عام 1997، تم تبادل السفراء وقام الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، بزيارة فيتنام، عام 2000، كأول رئيس أميركي يقوم بذلك منذ انتهاء الحرب.

ووقعت هانوي وواشنطن اتفاقية تجارية ثنائية في نفس العام سمحت لفيتنام بدخول السوق الأميركي مع تخفيض نسب كبيرة من التعريفات الجمركية. ثم ساهمت واشنطن في تسهيل دخول فيتنام منظمة التجارة العالمية عام 2007، وهو ما أتاح لها الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ومع اطراد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام، شهدت العلاقات السياسية أيضا تطورا لافتا مع قيام زعماء البلدين بتبادل الزيارات خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2015، قام رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي بزيارة إلى واشنطن اعتبرت "تاريخية"، فيما زار كل من الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب فيتنام عامي 2016 و2017 على التوالي.

وتنظر غالبية الشعب الفيتنامي اليوم إيجابيا إلى كل ما يتعلق بأميركا والغرب عموما، إذ يشير استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث عام 2017 إلى أن 76 في المئة من الفيتناميين لهم رأي إيجابي في الولايات المتحدة، وارتفعت النسبة إلى 87 في المئة بين الشباب الفيتنامي من 18 إلى 29 عاما.

ويعتبر الطلاب الفيتناميون سادس أكبر مجموعة من الطلاب الدوليين في الجامعات الأميركية.

وعلى النقيض من ذلك، بقيت الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط، وليس هناك أدل من ذلك مما جاء في استطلاع للرأي أجراه البارومتر العربي (2019) حيث أبدى قلة من الجزائريين رغبتهم في إقامة علاقات اقتصادية أقوى بين بلادهم والولايات المتحدة.

وبلغت هذه النسبة 24 في المئة فقط، بينما سجلت تأييدا بحوالي 50 في المئة لصالح العلاقات مع تركيا و36 في المئة مع الصين و35 في المئة مع روسيا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).