Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة - أرشيف
تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة - أرشيف

محمد المحمود

لا يُمكِن إرجاع مَوْجَة التبجيل التي حظي بها المؤرخ العربي، ابن خلدون، إلى مجرّد الانبهار بـ"النظرات العلمية أو الموضوعية" التي تناثرت في المقدمة الخلدونية، بل لا بد من وضع هذه الموجة التبجيلية، المتكئة على إشادات استشراقية، في سياق بداية عصر النهضة العربي، حيث استشعار التفاهة القومية في لحظة الانكشاف على الآخر، بل في لحظة الانبهار بهذا الآخر مقرونا بالعجز النفسي عن الاعتراف بهذا الانبهار، الذي تحوّل إلى جرح نرجسي نازف في مستقبل الأيام. 

هذا الحكم بأن ثمة ما هو "غير علمي" وراء ما ينطق بلسان العلم، ينطبق على معظم الدراسات العربية التي صدرت عن ابن خلدون، حتى تلك التي تبدو وكأنها دراسات نقدية جادّة للظاهرة الخلدونية، بما في ذلك كتابات طه حسين، والحصري، وعلي عبد الواحد وافي، وعلي الوردي...إلخ، فهي، في النهاية؛ فيما وراء الاستدراكات النقدية، تُخْفي إرادة تبجيل.

لقد طُرِح ابن خلدون وكأنه لحظة إشراقة علمية فارقة. ثم كان الاندراج في هذا السياق التبجيلي؛ بالتأكيد الرتيب المتواصل عليه "بما يُشْبه التراتيل الدينية التي تتغيا رفع درجة القداسة" الذي من شأنه التغرير بقارئ ابن خلدون على سبيل الابتداء، وعلى سبيل الاكتفاء بهذا الابتداء.

فكثيرون سيظنون أن ابن خلدون مفكر علمي أو موضوعي بحق، وسيأخذون ادعاءاته الصريحة أو الضمنية في المقدمة بأنه إنما يتحدث بلسان قوانين العمران، وكأنها حقائق ثابتة بمجرد الادعاء. بل سيقفزون من ذلك إلى متابعته في تاريخه، فيظنون، لضخامة ادعاءاته الموضوعية في المقدمة، أنه طبّق قوانين العمران حتى في تاريخه الكبير، وأنه في كل ذلك كان متجردا من تحيزاته الدينية والمذهبية والعرقية والجهوية.

إلا أنه في الحقيقة على العكس من ذلك تماما، لقد كان وَفِياًّ، أشد ما يكون الوفاء سذاجة وبلادة، لتحيّزه الديني والمذهبي والعرقي والجهوي، بل وللأطماع الشخصية المبتذلة التي كان سجينا لها إلى درجة الافتضاح. 

مؤكد أن ابن خلدون كغيره من المؤرخين في مسألة الوقوع في فخ التحيّز، مع ادعاء الموضوعية في آن. معظم المؤرخين لا يعترفون بتحيّزهم، وربما لا يعونه أصلا. لهذا يعمد كل مُؤرِّخ إلى الزعم بأنه قد تجرّد للحق، وللحق وحده، وأن دوافعه علمية خالصة، وأن كل هدف آخر، إن وُجِد افتراضا !، فهو ثانوي، ولن يؤثر في الموضوعية العامة بحال، وأنه سيكتفي بنقل الواقع كما هو، وأن تفسيراته وتعليلاته للوقائع التفصيلية هي مجرد كشف لما هو أكثر واقعية فيها، هي إضاءة لحقائقها، وبالتالي، لن يكون هذا التفسير وذاك التعليل تَعْميةً لحقائق تلك الوقائع أو توجِيهاً لمضامينها بما يخدم الدوافع الذاتية لكاتب التاريخ. 

هذا هو حال الأغلبية الساحقة من المؤرخين. ولكن يبقى أن ابن خلدون قد زاد عليهم في بُعْد المسافة بين الادعاء والواقع، إذ هو قد كتب مقدمةً لتاريخه أصبحت أهم من تاريخه بكثير.

وهذه المقدمة في منطقها العام تقول بضرورة الموضوعية العلمية، وأن ثمة معيارا علميا موضوعيا يمكن أن يُطَبَّق على وقائع التاريخ، حتى تلك الوقائع التي مضى عليها أكثر من ألف عام، وأن هذا "المعيار العمراني" هو أصدق من تواتر الأخبار، وأدقُّ من فحص أسانيد الرواة، وأوثق من شهادات كتبة التاريخ المعاصرين الذين كتبوا ما شاهدوه بأعينهم وما سمعوه بآذانهم. وهذه دعوى مُغرية بلا شك، خاصة عندما تأتي في الحقل التاريخي المتعطش إلى الموضوعية العلمية المصادرة بقوة اختلاف كبار المؤرخين.

 إن ابن خلدون يتناقض مع نفسه حتى داخل مقدمته، فضلا عن كونه يتناقض في تاريخه مع قوانينه في مقدمته. وبالتأكيد، أنا هنا لا أنكر تلك اللمحات الذكية في المقدمة، ولا أبخسه محاولتَه التأسيس لعلم جديد، بصرف النظر عن كونها محاولة قيّمة أو متواضعة.

ولكني أنكر منح تلك اللمحات أكثر من حجمها في سياقها، وأنكر، بصورة أكبر وأوضح، اتساق ابن خلدون مع دعاويه العريضة بالوفاء للمنطق العلمي. فهو، في الواقع، كان وفيا أشد الوفاء لدوافعه الذاتية، ولتحيزاته الدينية والمذهبية والعرقية والجهوية، قبل أي شيء آخر؛ علميا كان أو غير علمي. 

مثلا، عندما تحدّث عن "منطق العمران" في بناء الدول، ذكر أن الجيل الأول يكون خشنا متقشفا، ثم الجيل الثاني أقل، ثم الجيل الثالث ينغمس في الترف والنعيم واللهو...إلخ.

لكن، عندما عرض للأخبار التي  تناولت ترفَ هارون الرشيد ولهوه ومجونه...إلخ، انتفض مدافعا عن الرشيد، واصفا أخبار ترفه ولهوه ومجونه، على كثرتها وتواترها، بأنها من "أغاليط المؤرخين"؛ ناسيا، أو متناسيا، ما قاله في قوانين العمران عن أبناء الجيل الثالث، والرشيد من أبناء الجيل الثالث "أبوه: المهدي، وجده: المنصور"، فكأن القوانين الموضوعية (أي قوانين العمران) تنطبق على كل أحد؛ إلا على هارون الرشيد!.

بل أنه يُعَقِّبُ على تلك الأخبار بلغة دينية وَعْظِية بقوله: "فحاش لله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء"، فهذا تناقض صارخ لاحظه كثير من الباحثين؛ وفقا لعالم الاجتماع العراقي، علي الوردي. 

 أيضا، عندما حاول الدفاع عن معاوية في تولية ابنه يزيد الخلافة، وبعد أن ساق ما يراه "مُبَرِّرات موضوعية" دفعت معاوية لهذه الخطوة الكارثية التي كانت محل إنكار الناس في عصره وبعد عصره، شعر  ابن خلدون أنها مُبرّرات غير مقنعة، بل وأنها مُتَكلّفة إلى حد بعيد.

ولهذا، بادر، وبلغة دينية مذهبية تقليدية لا علاقة لها بالعلم، إلى أن "هذا هو الظن بمعاوية!"، وهنا سرد قناعات دينية مذهبية خاصة؛ لا علاقة لها بالمبررات العلمية المرتبطة بضرورات العصبية التي كان يُكْثِر من  التأكيد عليها. 

إننا في هذا المثال، نلاحظ أن ابن خلدون عنده "قاعدة دينية عقدية مذهبية" تسبق فحص الحدث التاريخي أصلا، وهي أن معاوية يستحيل أن يُقْدِم على هذه الخطوة الخاطئة لمصلحة خاصة، لميل عاطفي خاص، بل إنما أقدم عليها لمصلحة عامة (لاحظ هنا إضفاء العصمة أو عدالة الصحابة على معاوية، دون أن يفهم لازم "العدالة" هنا، حتى عند القائلين به).

إنه يضع هذه القاعدة الدينية المذهبية الخاصة به، ثم ينطلق منها لتبرير الحدث التاريخي وَلَيّ أعناق الوقائع الصريحة. وعندما يشعر أنه يبدو مُتَهافتا في هذا الدفاع من الناحية الموضوعية؛ يلجأ مباشرة إلى التصريح بالقاعدة المذهبية التي وَجَّهت رؤيته لتفسير الأحداث؛ متوهما أنه إنما يكتب حصرا لأبناء دينه أو مذهبه الخاص، على الرغم من ادعائه تحكيم العقل الكوني في معاينته لأحداث التاريخ. 

هنا، من خلال مثالين فقط، يقطع ابن خلدون علاقته بالعلم تماما، إنه يبدو كأشد المؤرخين سذاجة و تقليدية، إلى درجة أنه يعجن الديني الذاتي الخاص بالموضوعي العام دون الشعور بأدنى حرج، بل ودون أن يشعر بأن أي قارئ بسيط سيكتشف تزييفه الساذج المدفوع بتحيّز مذهبي خاص. 

لقد أضفى ابن خلدون على معاوية عصمة جعلته ينفي عنه إرادة الخطأ، ويُثبت له، بالقطع، سلامة المَقْصَد، مع أن المُحَدِّثين المتحمسين لما يسمونه "عدالة الصحابة" أو العصمة الجزئية، لم ينفوا قط أن الصحابي قد يرتكب المعاصي، بل حتى كبائر المعاصي، وبقصد أيضا، وإنما نفوا عن الصحابي، بهذه العدالة !، أن يتعمّد الكذبَ في الرواية الحديثية، حتى يضمنوا اتصال السند في المرويات.

وسذاجة بن خلدون هنا، أي في اضطراب رؤيته لما هي "عدالة الصحابة" عند المحدثين حتى وجدناه سحب العدالة على ضرورة صلاح النوايا، لا تقل عن سذاجته عندما تحدّث عن "ما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة"، وكأن تولي الخلافة ضامن للدين والعدالة؛ مع أنه يعلم حال الوليد بن يزيد، وحال أبيه، يزيد بن عبدالملك، وحال يزيد بن معاوية، ونذكر هؤلاء تحديدا؛ لأن الحديث هنا عن المجون والخلاعة، لا عن الظلم والطغيان، وهؤلاء كانوا "خلفاء"، وقد سبقوا هارون الرشيد بثمانين عاما وأكثر، فلماذا لم ينفِ عنهم الأخبار المتكاثرة المتواترة التي تحكي من أخبار الفسق والمجون ما يفوق بكثير المنسوب إلى الرشيد؟

إذا، ابن خلدون ليس مفكرا أصيلا، ليس مبدعا بحال. ليس هذا فقط بسبب ما تقوله البحوث الحديثة عن السرقات الخلدونية من إخوان الصفا ومن الغزالي...إلخ، بل بسبب أنه كان محكوما بحماس ديني مذهبي تقليدي خاص يَتعذّر معه أي مستوى من الموضوعية العلمية، ويستحيل التوفّر معه على أي حالة إبداع.

إن ابن خلدون، قبل كل شيء وبعد كل شيء، مُتَديّن، سلفي تقليدي، مَالكي، أشعري، لم يخرج عن شرعية منطق هذا التديّن في كل ما كتبه؛ لا في قليل ولا في كثير. وهذا يعني، وباختصار، أنه في أحسن أحواله موضوعي في حدود أو شروط هذا التدين الذاتي الخاص.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة تعبيرية من متجر في فرنسا
صورة تعبيرية من متجر في فرنسا

محمد المحمود

عندما وصل نابليون بونابرت بحملته الشهيرة إلى شواطئ مصر أواخر القرن الثامن عشر، كان الفارق بين أوروبا والعالم العربي في مستوى "التقدم الاستهلاكي" والمقتنيات التقنية هائلا.

لقد واجه جنودُ مصر التابعين للدولة العثمانية آنذاك، مدافع نابليون بالسيوف وبالسكاكين وبالعِصي.

وطبعا، كانت المعركة بين الفريقين "كاريكاتورية" إلى أبعد الحدود، تبعا للفرق الهائل في التنظيم وفي التقنية، والذي كان لصالح الجنود الفرنسيين المتوفرين على أحدث الأسلحة وأحدث التقنيات، وعلى أحدث المهارات القتالية، مقابل المقاتلين المصريين، المماليك، الذين كانوا لا يزالون يُحاربون بأسلحة قروسطية، بل كانوا يتخيلون المعارك، تنظيما، وإداريا، وتشغيليا، ومآلات، كما كانت عليه الحال في آخر الحملات الصليبية القروسطية على مصر: حملة لويس التاسع في القرن الثالث عشر الميلادي.

ولم تكن حملة نابليون حملة عسكرية مجردة، بل كانت حملة عسكرية مُجَهَّزة بفريق علمي كبير مُتعدّد الاهتمامات، وبمطبعة أيضا، وهي أول مطبعة تدخل العالم العربي.

وخلال وجود هذه الحملة الفرنسية بمصر، كان علماؤها يستعرضون علومهم الحديثة.

ووفق ما يذكر المؤرخ المصري، ومؤرخ الحملة الفرنسية من جهة المصريين، الجبرتي، فإن الفرنسيين كانوا يدعون علماء الأزهر وغيرهم لمشاهدة بعض التجارب الكيميائية التي كانوا يقومون بها.

والجبرتي بعد أن يستعرض شيئا مما عرضه الفرنسيون أمامهم يعلق، وبحسرة بالغة: "وهذا مما تقصر عنه عقول أمثالنا".

المهم، جراء حملة نابليون، انفتحت أعينُ المصريين، ومن ورائهم سائر العرب، على الفرق الحضاري الهائل بين أوروبا من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى.

وأدركوا، ولو بكثير من الغموض، وبكثير من الاضطراب، حجمَ تخلّفهم المُرَوِّع؛ قياسا بما كانت عليه أوروبا آنذاك.

وكانت الحملة الفرنسية ضربة مفاجئة على الرأس؛ ليستيقظ هذا النائم من سباته الطويل والعميق.

لقد استيقظ كثيرون، وهم يفركون عيونهم ويمسحون وجوههم، غير مُصَدِّقين بحقيقة نومتهم الكهفية الممتدة لقرون. وعى بعض الناس آنذاك، وخاصة شرائح من النخبة الحاكمة ومن النخبة المتعلمة تعليما متواضعا، ضرورة ردم هذه الهوة العميقة الفاصلة بين العالم الإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى. 

نعم، لقد أصبح الاشتغال على تجاوز "واقعة التخلّف" هاجسا نخبويا؛ حسب ما عبر عنه الشيخ الأزهري، حسن العطار.

ولهذا، نجد والي مصر، محمد علي، وبعد هذه الحملة بثلاثة عقود تقريبا، يُرسل "البعثة العلمية" إلى فرنسا، تلك البعثة التي كان من أشهر أفرادها (كإمام ومرشد ديني للبعثة) الشيخ، رفاعة الطهطاوي، بعد ترشيح من شيخه المباشر، حسن العطار، الذي نصحه بمحاولة فهم سرّ التقدم الغربي.

ومنذ وطئت قدما الطهطاوي الأراضي الفرنسية؛ أدرك، بعمق، حجم المأساة التي يعيش فيها عالمه الذي جاء منه العالم الإسلامي مقارنة بما أصبح يُشاهده ـ رأي عَيْنٍ ـ في العالم الفرنسي، العالم الغربي.

كان وعيه بالمأساة حادا وأليما.

ولهذا، تجاوز مُهمّته الأصلية المتواضعة بصفته مرشدا دينيا للبعثة، وتعلّم الفرنسية، ومن ثم العمل الجاد على فهم أسرار التقدم الغربي.

وعندما ألَّف كتابه الشهير عن هذه الرحلة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كانت المقارنات الأليمة، الصريحة والضمنية، تنتظم الكتاب، وتُشَكِّل عصبه الأساس.

تَبِعَ الطهطاويَّ كثيرون من أنحاء العالم العربي، ممن قذفت بهم الظروف والأقدار ليكونوا في موضعٍ مؤسساتي أو ثقافي؛ يفرض عليهم المقارنة بين عالمهم العربي، الإسلامي البائس، والعالم الغربي المتقدم.

وبهذا تنامى الوعي بالفارق الهائل، وتعددت المقترحات التي تتغيا تقليص الفجوة؛ كُلٌّ في مجاله.

وقد ازدادت هذه الحال الجارحة للاعتبار القوم الذاتي كثافة؛ عندما بدأ الاستعمار الغربي يُطِلُّ برأسه، أي عندما بدأ "التفوق الحضاري الغربي" يأخذ مسارا أكثر حِدَّةً وأشدَّ خُشُونةً في رَسْمِ معالم "العار القومي" المتمظهر واقعيا في احتلالٍ عسكري مُهِين.

وعلى امتداد القرن التالي لحملة نابليون، أي على امتداد القرن التاسع عشر، كان الوعي الأليم (أي الوعي بمأساة التخلف الذاتي الشامل، مقابل الحسرة البالغة الناتجة عن مراقبة اطراد التقدم الغربي الذي كانت معجزاته، واختراعاته تتوالى) وهو ما يُشَكِّل معالمَ وعي النخب السياسية والثقافية في معظم أرجاء العالمين: العربي والإسلامي. وبالتالي، كانت إرادة التتلمذ، إرادة الانبعاث من أجل اللحاق، ولو جزئيا، بالعالم الغربي المتقدم، هي المسيطرة على اهتمام السياسيين والمثقفين، إن حقا وصدقا، أو كذبا وادّعاء.

وهذا ما رأيناه في الخطوات الإدارية والتعليمة، وخطوات الانفتاح على الآخر الغربي في أكثر من مستوى، سواء في الدولة العثمانية أو في ولاياتها العربية، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي بدأت فيه معطيات الحضارة الحديثة، الغربية، تُلامِس، وبشكل مباشر، حياة معظم الناس في العالم العربي. 

ما الذي حدث بعد ذلك؟ أي: ما الذي حدث مطلع القرن العشرين، وتنامى في النصف الثاني منه، وأصبح هو السائد مطلع القرن الحادي والعشرين؟

الذي حدث هو أن الاستهلاك العربي للتقنيات الحديثة تصاعد؛ من دون أن يُحَايثه تصاعدٌ للتقدم الفكري والعلمي، ومن دون أن يُقدِّم العالم العربي المستهلك أيَّ إسهام علمي وإبداعي؛ حتى في ما هو بصدد استهلاكه على نحو واسع و محموم.

فَجَرّاء مقدرات من هنا وهناك، أصبح الإنسان العربي مطلعَ القرن العشرين يركب السيارة، ولاحقا الطيارة، ثم هو يلبس أحدث الساعات، ويستخدم المذياع، ثم التلفاز، فضلا عن الهاتف بكل مستوياته.

العربي المستهلك؛ أصبح متقدما! 

أصبحت مخترعات العالم المتقدم بين يديه بشكل أو بآخر.

ومع مرور الزمن، وتوفّر بعض المقدرات الأخرى، أصبح يقتني أحدث ما ينتجه العالم المتقدم، بل ربما أصبحت ساعته الخاصة أحدث من ساعة الغربي في بلد الاختراع، وسيارته أحدث، وهاتفه أحدث، بل ومسارات طرقه أحدث، ومنازله أحدث وأفخم.. وغيرها العديد من مظاهر التقدم الاستهلاكي، المقرون عربيا بعجز تام عن الإسهام ولو بالقليل، لا في رفع متتاليات هذه المخترعات فحسب، بل حتى في صناعته ـ كتقليد ـ ابتداء. 

إن هذا "التقدم الاستهلاكي" مَنح الإنسانَ العربي اليوم شعورا زائفا بانعدام الفارق الحضاري بينه وبين العالم المتقدم.

أصبح الإنسان العربي يشعر شعورا عميقا بأن لا فارق حضاريا بينه وبين المشتغلين على الإبداع الحضاري في بوسطن، ولوس أنجلوس، وبرلين، ولندن، وباريس.. حواضر العالم الغربي المتقدم.

ربما يقول أحدهم: ماذا يضيرنا هذا الشعور الزائف بالتقدّم إذا كان يمنح الذات شيئا من الاعتداد، ومن ثم، شيئا من التماسك؟ أليس هذا الشعور الجميل يُمَهِّد للتماهي مع عوالِم المُبدِعين حضاريا، ومن ثَمَّ يقود إلى الإبداع الحضاري؟

في تقديري أن هذا الشعور الزائف يقود إلى مزيد من التبلّد؛ مع مزيد من الاستئناس بالاستهلاك. فشراء أحدث التقنيات سهل، بل هو سهل جدا، ولا يحتاج إلا لبضعة أوراق مالية؛ بينما الإسهام في إنتاج هذه التقنيات صعب جدا؛ فضلا عن صعوبة تطويرها ذاتيا. وخطورة "التقدم الاستهلاكي" أنه يمنح الذات شعورا بالرضا، شعورا زائفا بالإنجاز، شعورا زائفا بالوصول، بالتقدم حضاريا.

ما يعني أن ليس ثمة ما يدعو لتَكبّد عَناء التفكير الحاد، ولا لِتَحمُّل أعباء العمل الجاد في أي مجال من مجالات التقدم الحضاري.

لقد رأينا نتائج هذا الامتلاء المُتَورِّم بالاستهلاك السلبي في العالم العربي. كان هذا العالم إذ يتقدّم على مستوى الاستهلاك في القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؛ يتأخر، في الوقت نفسه، وفي الاتجاه المضاد، على مستوى الإسهام العلمي، الإبداعي، وعلى مستوى الهِمّة في ابتغاء ذلك، وعلى المستوى الأهم والأخطر: مستوى الإبداع في فنون إدارة الذات في كل المستويات.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).