Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"ما الذي نفضله: جسد يدفن بعد وفاتنا تحت الأرض، أو جسد ينقذ حياة أكثر من شخص؟".
"ما الذي نفضله: جسد يدفن بعد وفاتنا تحت الأرض، أو جسد ينقذ حياة أكثر من شخص؟".

سناء العاجي

تخيل أن تموت... وأن تستمر في العيش، فعليا، في جسد وحياة شخص آخر. تخيل أن ينتهي عمرك. أن تموت... لكن، في نفس الوقت، أن تكون بصدد إنقاذ شخص من العمى لأنك تهبه قرنية عينك التي لن تحتاجها أساسا فيما بعد.

تخيلي أن ينتهي عمرك. أن تدفني تحت التراب... لكن قبل ذلك، أن تنقذي شخصا آخر يعاني من فشل كلوي، أو من مرض مزمن بالقلب. أن تعيدي لهما الحياة... أن يستمرا في العيش بفضلك. بفضل عضو منك سيستمر نابضا في الحياة بعد أن كان قدره الموت!

تخيل وتخيلي أن تموتا... وأن تنقذا حيوات عديدة، حتى بعد موتكما. بل وأن تستمرا في العيش بعد الموت. أن يستمر ذلك العضو في النبض والتنفس والعيش... 

التبرع بالأعضاء بعد الوفاة... موضوع لا نتطرق له كثيرا ولا يحظى بالاهتمام الشعبي اللازم، لكنه يستحق منا ربما وقفة إنسانية جدية وطويلة.

تعوَّدنا، تقليديا ودينيا وعائليا وتاريخيا، أن ندفن موتانا... 

لكن، ماذا لو قررنا أن أجسادنا، وبدل أن تكون وجبة تافهة للدود، قد تكون منحة حياة لأشخاص آخرين... وقد تخصص لإنقاذ حيوات أخرى؟ في المغرب مثلا، هناك حوالي 33 ألف شخص يعانون من القصور الكلوي وآلاف الأشخاص المهددين بالعمى، دون أن نحتسب أمراضا أخرى وحيوات أخرى قد ينقدها المتبرعون: القلب، الأرجل والأقدام، الجلد... 

قد تكون مجرد فكرة تقطيع الجسد بعد الموت غير مقبولة لنا بالشكل الكافي، تحديدا على المستوى العاطفي، سواء تعلق الأمر بأجسادنا أو بأجساد من نحب. 

لكن، لعلنا، إذا تجاوزنا هذه الصورة الأولية غير المعتادة، ولعلنا إذا استوعبنا أننا قد ننقذ فعليا حيوات أشخاص آخرين دون أن نخسر شيئا (بما أن التبرع لا يتم فعليا إلا بعد وفاتنا)، فلعلها تكون أروع الهبات وأجمل الصدقات (صدقة جارية حقيقية).

ما الذي نفضله: جسد يدفن بعد وفاتنا تحت الأرض، أو جسد ينقذ حياة أكثر من شخص؟

أليس رائعا أن نتصور أن قُرَينيتا عَيْنَيْنا أنقذتا شخصين لا نعرفها من عمى مؤكد؟ أن يصبح بإمكانهما ممارسة حياتهما الطبيعية بعيون كانت ستدفن؟

أليس رائعا أن ننقد شخصا من عناء وأوجاع ومن التكاليف الباهظة لغسيل الكلى؟

أليس رائعا أن نعيد لشخص آخر قدرته على المشي أو على استعمال يدين فقدهما في حادثة أو في حريق وما إلى ذلك؟

من المؤكد أننا نحتاج لفتح نقاش مجتمعي جاد بخصوص قضية التبرع بالأعضاء. نحتاج كذلك لقوانين تضبطه، فمثلا في المغرب، زرع الأعضاء من طرف المتبرعين الأحياء أو الأموات لا يتم إلا في مستشفيات عمومية، لتفادي الاتجار بالأعضاء في "سوق" حرة. لكن، إلى جوانب قوانين مؤطرة تحمي المتبرعين والمتبرع لهم، نحتاج أيضا وأساسا لفتح نقاش مجتمعي هدفه الأساسي نشر الوعي بأهمية التبرع بالأعضاء بعد الموت وفتح آفاق إنسانية جديدة تمنح الصحة والحياة... لكي يصبح الموت فرصة للحياة ولكي نقترب، بشكل ما، من الحلم الرومانسي البعيد بأن نعيش (فعليا) بعد الموت!

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"
"الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط"

عمران سلمان

يعتبر نموذجا فيتنام والجزائر مادة خصبة للمقارنة والدراسة وذلك بالنظر إلى أوجه الشبه الكثيرة بينهما، رغم وجود بعض الاختلافات.

فكلا البلدين كان ينتمي للكتلة الاشتراكية وخاضا نزاعين كبيرين ومدمرين تقريبا في نفس الفترة (الحرب الفيتنامية الأميركية وحرب الاستقلال الجزائرية من فرنسا) وتكبدا خسائر هائلة في الأرواح (أكثر من مليون ونصف المليون قتيل)، ويعتبر البلدان حديثي النشأة وكان ينظر إليهما بوصفهما رمزين لحركات التحرر الوطني في العالم، ومع ذلك فبعد قرابة خمسة عقود من انتهاء النزاعين، تبدو الحصيلة مختلفة تماما.

فالجزائر بقيت تراوح في مكانها وهي تعتبر دولة فقيرة نسبيا وتعتمد أساسا على النفط وتعيش تحت رحمة أسعاره المتقلبة، ولديها واحد من أسوأ النماذج الاقتصادية، فيما فيتنام تبرز كدولة صاعدة اقتصاديا مع واحد من أسرع معدلات النمو في العالم، وقد ساعدتها سياسات الانفتاح الاقتصادي على جذب الاستثمارات الخارجية وانتقال العديد من الشركات الأميركية الكبرى إليها.

وبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2021 فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي لفيتنام حوالي 366 مليار دولار بينما بلغ إجمالي الناتج المحلي للجزائر حوالي 163 مليار دولار.

ترى ما السبب في ذلك؟ لماذا تمكنت فيتنام من التحول إلى قوة اقتصادية كبيرة وفي طريقها كي تصبح نمرا آسيويا، بينما تعثرت التنمية في الجزائر وبات أكثر من نصف سكانها تقريبا تحت خط الفقر؟

بالطبع توجد اختلافات بين البلدين سواء من ناحية الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي وعدد السكان.. إلخ، وهذا كان يفترض أن يرجح كفة الجزائر وليس فيتنام.

الإجابة هي الاختلاف في رد الفعل على التحدي الذي واجهته فيتنام بعد الحرب مع الولايات المتحدة وذاك الذي أبدته الجزائر بعد الحرب مع فرنسا.

كان يمكن لفيتنام أن تظل حبيسة ظروف تلك الحرب ومواصلة لعب دور الضحية واعتبار نفسها رأس حربة في العداء للولايات المتحدة والإمبريالية والاستعمار والرأسمالية.. إلخ، ومواصلة حشو أدمغة طلابها وشبابها بالشعارات الخاوية واجترار الماضي والعيش على بطولاته!

لكن الفيتناميين كانوا أذكى من ذلك، وقد أظهروا حكمة كبيرة جعلتهم يتفادون الوقوع في شباك "الفخاخ الثورية"، حيث رفضوا السير في ذلك الطريق المظلم (طريق الخلف در) وفضلوا أن يتبعوا نماذج ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، التي مرت هي الأخرى بظروف مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابتها متقاربة.

ما هو هذا النموذج؟

ترك الماضي للماضي والتصالح التاريخي مع الولايات المتحدة وبناء علاقات وثيقة وشراكة معها والاستفادة القصوى من نموذجها في الاقتصاد والسياسة والحداثة وما تتمتع به من إمكانيات هائلة في جميع المجالات.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذته فيتنام مهد الطريق لقرار تاريخي أميركي بالتطبيع الشامل للعلاقات بين البلدين، في عام 1995، ورفع العقوبات عن فيتنام التي دامت 20 عاما.

وفي عام 1997، تم تبادل السفراء وقام الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، بزيارة فيتنام، عام 2000، كأول رئيس أميركي يقوم بذلك منذ انتهاء الحرب.

ووقعت هانوي وواشنطن اتفاقية تجارية ثنائية في نفس العام سمحت لفيتنام بدخول السوق الأميركي مع تخفيض نسب كبيرة من التعريفات الجمركية. ثم ساهمت واشنطن في تسهيل دخول فيتنام منظمة التجارة العالمية عام 2007، وهو ما أتاح لها الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ومع اطراد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام، شهدت العلاقات السياسية أيضا تطورا لافتا مع قيام زعماء البلدين بتبادل الزيارات خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2015، قام رئيس الحزب الشيوعي الفيتنامي بزيارة إلى واشنطن اعتبرت "تاريخية"، فيما زار كل من الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب فيتنام عامي 2016 و2017 على التوالي.

وتنظر غالبية الشعب الفيتنامي اليوم إيجابيا إلى كل ما يتعلق بأميركا والغرب عموما، إذ يشير استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث عام 2017 إلى أن 76 في المئة من الفيتناميين لهم رأي إيجابي في الولايات المتحدة، وارتفعت النسبة إلى 87 في المئة بين الشباب الفيتنامي من 18 إلى 29 عاما.

ويعتبر الطلاب الفيتناميون سادس أكبر مجموعة من الطلاب الدوليين في الجامعات الأميركية.

وعلى النقيض من ذلك، بقيت الجزائر أسيرة مرحلة الاستعمار الفرنسي ولم تغادرها قط، وليس هناك أدل من ذلك مما جاء في استطلاع للرأي أجراه البارومتر العربي (2019) حيث أبدى قلة من الجزائريين رغبتهم في إقامة علاقات اقتصادية أقوى بين بلادهم والولايات المتحدة.

وبلغت هذه النسبة 24 في المئة فقط، بينما سجلت تأييدا بحوالي 50 في المئة لصالح العلاقات مع تركيا و36 في المئة مع الصين و35 في المئة مع روسيا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).