Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المغرب وصف سبتة وميليلية الخاضعتين للسيطرة الإسبانية بـ"المدينتين المحتلين" في رسالة للأمم المتحدة
المغرب وصف سبتة وميليلية الخاضعتين للسيطرة الإسبانية بـ"المدينتين المحتلين" في رسالة للأمم المتحدة

عبد الرحيم التوراني

أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، على هامش "مذكرة تفاهم" تم توقيعها بالرباط بداية هذا الأسبوع بين المغرب والاتحاد الأوروبي بشأن "إقامة شراكة خضراء"، عن قرب انعقاد "الاجتماع رفيع المستوى" بين المغرب وإسبانيا في مطلع العام المقبل 2023، بتاريخ سيحدد لاحقا بين البلدين.

ولم يفت الوزير بوريطة التأكيد على أن اللقاء المغربي - الإسباني المرتقب سيكون لحظة مهمة تعكس "الحالة الذهنية الإيجابية الموجهة نحو احترام الالتزامات التي تدفع العلاقات المغربية الإسبانية اليوم".

فهل الأمر يتصل فعلا بـ "حالة ذهنية" بين بلدين جارين، ارتقت من السلبي نحو الإيجابي، كما عبر عن ذلك "إعلان سابع أبريل المشترك بين إسبانيا والمغرب". أم أن هناك تداعيات وتطورات أعمق من كل ذلك، تعمل على تعقيد تلك "الحالة الذهنية" وتضعها عرضة سهلة لأبسط رياح المتغيرات؟

سؤال دقيق يطرح خصوصا ما بعد التغيير الذي حصل في موقف إسبانيا من قضية الصحراء الغربية في أبريل 2022، حيث جرى "تحديد الأولويات وتوضيح المواقف من القضايا التي تهم البلدين".

يومها تبنت إسبانيا اقتراح "خطة الحكم الذاتي" الذي تقدمت به الرباط في ملف الصحراء الغربية، وتعاملت معه كونه "الأكثر جدية وواقعية ومصداقية". وقد أتى بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل وقت قصير من مغادرته البيت الأبيض، بسيادة المغرب على أقاليم الصحراء، القرار الذي لم تتراجع عنه إدارة خلفه الرئيس جو بايدن، كما توقعت بعض المصادر والجهات.

كان من شأن هذا التطور اللافت أن عجَّل بطي صفحة مرحلة طالت أزيد من أربعة عقود من التوازن الهش في المنطقة، استغرقها النزاع الجزائري - المغربي حول ملف الصحراء الغربية، نزاع وصل أحيانا كثيرة درجات قصوى ومتفاوتة من التوتر والعداء المستحكم بين الجارين المغاربيين. 

في الفترة الأخيرة انطلقت سلسلة من الاستعراضات الدبلوماسية حول "إنجازات" المملكة في السياسة الخارجية حول "الموقف العادل والشرعي من مغربية الصحراء"، مقترنة بإعلان تدشين عدد من الدول لمكاتب قنصلية لها في الصحراء الغربية، في إطار "تأكيد دعمها لوحدة أراضي المملكة".

وخلال الأيام الأخيرة من شهر أغسطس الماضي، بمناسبة ذكرى "ثورة الملك والشعب"، استبق العاهل المغربي زيارة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون إلى الجزائر، بخطاب هام، خاصة وقد اندرجت تلك الزيارة في سياق أفق مختلف مشمول بأزمة فرنسية - مغربية غير مسبوقة.

يومها قال الملك إن مفتاح العلاقات المستقبلية بين بلاده والعالم هو الموقف من ملف الصحراء، الذي اعتبره "النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

في نفس الخطاب، تابع الملك: "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل".

أضحى جليا أن الرباط تشترط العلاقات الثنائية مع كل شركائها بطريقة منفتحة وصريحة. لذلك أتت الإشارة واضحة غير ملتبسة، تشير صراحة في المقام الأول إلى المستعمر السابق: فرنسا، وقد دعاها الملك ضمنيا أن تتبع نفس المسار "الذي سلكته الولايات المتحدة وإسبانيا فيما يتعلق بالصحراء". 

وبما أن لملف الصحراء الغربية، حضورا وتأثيرا قويا في علاقات فرنسا وإسبانيا مع جاريها اللدودين المغرب والجزائر، فقد تتبعنا كيف نافست الجارة الإيبيرية الحليف التقليدي والوثيق للمغرب (فرنسا)، لتصبح إسبانيا أقوى داعم أوروبي لخطة "الحكم الذاتي". بل إن الموقف الإسباني ذهب أبعد من الموقف الأميركي الرسمي في ملف الصحراء، لما اعتبر المشروع المغربي "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل هذا الخلاف".

من هنا مثَّل "إعلان 7 أبريل المشترك بين إسبانيا والمغرب"، إنجازا كبيرا وناجحا للغاية ضمن استراتيجية الرباط. وفق محللين سياسيين مغاربة، رأوا أن صفحة جديدة بدأ تسطيرها في تاريخ العلاقات بين البلدين، وأن مدريد انصاعت أخيرا لصوت العقل والمنطق، للالتزام بأداء دورها التاريخي ومسؤوليتها الدولية تجاه قضية الصحراء، إذ هي الدولة القادرة على بسط قراءتها الاستراتيجية في هذا الملف الذي عمّر أكثر مما يلزم، وذلك تأسيسا على التحولات الجيوستراتيجية الدولية والإقليمية، خاصة بعد تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا وانعكاساتها الاقتصادية السلبية على باقي العالم.

لكن محللين إسبانا، يعاكسون هذا الطرح، حين يعتقدون أن المغرب لا يمكن له أن ينتصر في نزاع الصحراء الغربية فقط "بسبب تراكم المواقف المؤيدة لخطة الحكم الذاتي المغربية". ويرون أن نجاحه في هذا السياق كان نسبيًا. ويعزون ذلك إلى "تعارض خطة الحكم الذاتي مع القانون الدولي"، كما أن التصريحات الداعمة للموقف المغربي في نظرهم "تظل تصريحات سياسية ضعيفة، بمعنى أن الحكومات يمكن أن تتراجع عنها، أو تؤهلها حسب الظروف السياسية".

في هذا السياق تستحضر الضغوط الداخلية التي واجهت رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز، بشأن الموقف الإسباني الجديد من ملف الصحراء الغربية، سواء من حلفائه في الحكومة والبرلمان أو من أحزاب المعارضة، وكلها مواقف كان لها تأثير ملموس في ذهابه إلى أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الأخير، بخطاب دبلوماسي مغاير، مؤيد لـ"حل سياسي مقبول للطرفين"، متحاشيا إثارة "خطة الحكم الذاتي"، ومتجنبا ذكر تعبير "تقرير المصير"، تهدئة للأصوات الداخلية المنتقدة لدعمه لمشروع "الحكم الذاتي"، وأيضا عدم تأزيم العلاقة مع الرباط. وفي سياق البحث عن التوازن الدبلوماسي المطلوب، سعى سانشيز أيضا صوب إرضاء الجزائر التي عبرت عن غضب شديد، ترجمته فورا بتعليق العمل باتفاقية الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا. 

بالرغم من السجال المتزايد في المنابر الإسبانية والأوروبية، الذي ذهب أكثره إلى تفسير خطاب سانشيز في اتجاه واحد، يَعْبُر من قنوات استحضار المصلحة الاقتصادية الإسبانية أولا، عبر تأمين الغاز الجزائري ليتدفق صوب مدريد، إلا أن الجانب المغربي، ظل محافظا على هدوئه، ولم يجد في كلام سانشيز من أعلى المنصة الأممية ما يفسر تغييرا في الموقف الإسباني بعد "السابع من أبريل 2022". في الوقت الذي اختارت الرباط أسلوب مواجهة أرادته أن يكون أكثر صرامة وحزما في ملف الصحراء الغربية، تم التعبير عنه في الموقف من استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد لزعيم جبهة البوليساريو ابراهيم غالي في القمة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني الأفريقي (تيكاد).

مع استمرار التأكيد على سيادة روح الثقة والتفاهم والاحترام المتبادل بين إسبانيا والمغرب، تؤكد الرباط مع مدريد أنهما على طريق قويم باتجاه استئناف علاقاتها الدبلوماسية الكاملة. إلا أن المواجهات القمعية التي شهدتها مليلية في يونيو الماضي، بعد هجوم أعداد كبيرة من المهاجرين السريين الأفارقة على السياج الحدودي الفاصل لمدينة مليلية، أسفرت عن وفيات بين صفوف أؤلئك المهاجرين. وهي النقطة التي طرحت على جدول أعمال اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وعلى إثرها تم تسريب محتوى مذكرة مغربية موجهة إلى المجلس الأممي، (مؤرخة في 9 سبتمبر - أيلول 2022)، تضمنت وصف المغرب لمدينتي سبتة وميليلية الخاضعتين للسيطرة الإسبانية بـ"المدينتين المحتلين"، وبأنه "ليست للمغرب حدود برية مع إسبانيا". وبأن "مسؤولية أحداث مليلية تقع على عاتق السلطات الإسبانية".

وأكدت الوثيقة المسربة على أن "جميع الوفيات كانت نتيجة الدهس والاختناق"، وأن القوات الأمنية المغربية "لم تستعمل أسلحة فتاكة". كما تم الرد في الوثيقة على الأخبار القائلة بأن القتلى دفنوا في مقابر جماعية، بأنه كذبة "بشعة"، مع التأكيد أن جثثهم لا تزال في مشرحة مستشفى مدينة الناظور.

كان من شأن هذا التطور المفاجئ إعادة السؤال حول حقيقة ما روجت له منابر إسبانية في أبريل الماضي، عن "تنازل" مغربي لإسبانيا عن سبتة ومليلية مقابل الاعتراف بسيادته على الأقاليم الصحراوية. وهي الأزمة التي إن حصلت ستؤدي حتما إلى إعادة خلط الأوراق من جديد، وتعطيل فرص تركيز الاستقرار بالمنطقة لوقت آخر أطول.

لكن مصادر مغربية شبه رسمية استبعدت أي تغيير في سماء العلاقة الجديدة بين البلدين، وأن ما تروج له جهات ومنابر، وصفتها بـ"المعادية"، يصنف ضمن "الأخبار الزائفة"، لأن العلاقات المغربية – الإسبانية، في نظرها، تجاوزت مرحلة المواقف المتذبذبة أو الغامضة، ما يجنبها الانتكاس. و"أسطع جواب هو انعقاد الاجتماع رفيع المستوى في يناير المقبل". ما يعني أن مشكلة سبتة ومليلية لن تعكر صفو "الحالة الذهنية الإيجابية" بين إسبانيا والمغرب. وما الغد ببعيد.

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).