Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

 أشارت الدراسة إلى أن أغلب المغاربة لا يثقون في قدرة القضاء على حماية حرية الرأي والتعبير
أشارت الدراسة إلى أن أغلب المغاربة لا يثقون في قدرة القضاء على حماية حرية الرأي والتعبير

ابتهال الخطيب

لنسجله اعترافا فنستريح ونريح، نحن مأجورون من الغرب، يجندنا "كفاره" لهدم قيم المجتمع ولضرب الدين الإسلامي في عمقه، كأننا نستطيع ذلك. فليكن، وحتى لا نضيع الوقت والجهد كلما طُرح رأي جديد، فتضيع الفكرة في دهاليز تحليل الشخصية، والتي، في حالة صاحبة المقال، هي شخصية غير مهمة أو مؤثرة أصلاً، لنبدأ بالإقرار بأن كل من يكتب نقداً للداخل العربي هو خائن ينشر غسيل عشيرته، وكل من يكتب نقداً للممارسات الدينية أو يذهب لبعد فلسفي أكبر بتحليل نقدي لفكرة الوجود والخلق والقوى العليا ومعنى العلاقة المرسومة بين الرب والإنسان في الأديان الحديثة هو مأجور مجند لنخر قواعد الدين من أسسها، لنجزم جزماً أن هناك فكر تغريبي شرير يستهدف الدين الإسلامي والأمة العربية وأطفالها الصغار وشبابها الأحرار ونسائها الخِفار، وأنني، بكل ما ليس لدي من أهمية وثقل وتأثير، أحد جنود جيش الشيطان هذا. إذا قلبنا هذه الصفحة، هل لنا أن نناقش الأفكار الآن؟

كنت أشاهد مقابلة للكاتب ابراهيم عيسى يتحدث فيها تحديداً عن هذا الموضوع، عن كمية الافتراء التي تٌمارس على صاحب كل رأي مختلف دون حتى عناء تقديم دليل أو تبيان حجة. "أول علامات الهراء" يقول عيسى في برنامج حبر سري، "أنه مالوش أي دليل، ولا أي بينة ولا قرينة حتى، ثم . . . ناقش الموضوع، مش تبقى مشغول بالتشويه والتشهير وخلاص، والمهم أن كل إلى عملوه ما نجحش، لم يمنع أحداً من أن يقول رأيه." ارتفاع نسبة الهراء هذه تبدت مع الإتاحة التي وفرتها وسائل التواصل لأن يكتب كلِّ ما يريد وبأي صورة يريدها دون عناء الالتزام بأدنى درجات آداب الكتابة أوأخلاقيات الإشارة للآخرين، دون أدنى مسؤولية تجاه الادعاء الذي قد يكون على درجة كبيرة من الرخص أو حتى الخطورة. ما الدليل على أن الكاتب المهم ابراهيم عيسى مثلاً، مثله مثلي أنا المغمورة، كلانا مجند من قِبل الغرب؟ وكيف يجرؤ إنسان على إلقاء تهمة بهذا الحجم على غيره دون تحمل مسؤولية تقديم الحجة والدليل؟

السؤال الأهم من السابق والأكثر كوميدية هو لماذا؟ لماذا ينحى الغرب لتجنيد مخربين وأهل الأمة بحد ذاتهم يقومون بها على خير وجه؟ لماذا يسعون هم لتجنيد أشخاص مغمورين أو مكروهين أو منبوذين من أهل الدار وهؤلاء الأخيرين لم يقصروا أصلاً بحق أنفسهم؟ يكفي أن يفتح أحد "المتآمرين" بعض كتب التراث ليجد فيها كل ما يشتهيه قلبه من عجائب وغرائب ومصائب تكفي لوضع خطة تخريبية أبدية وتزيد، يكفي أن يستعرض أحدهم القراءات الدينية الحالية للموقف الإسلامي-السياسي تجاه المرأة، تجاه غير المسلم، تجاه الخارج عن الإسلام، تجاه المختلف جندرياً ليجد فيها كل ما يبتغيه من مادة يضرب بها العالم العربي الإسلامي دون عناء تجنيد أو توظيف، يكفي أن ينظر العالم الغربي لموقف الشارع الإسلامي من علمائه هو بحد ذاته، المعاصر منهم والقديم، هؤلاء الذين نكَّل بهم هذا العالم وأحرق كتبهم وهمشهم ونبذهم ولا يزال "ليشيم" بحكاياتهم الحزينة الشارع بأكمله، فأي حاجة لدي الغرب المتآمر لمن هم من أمثالنا، ممن بالكاد يجرؤون على البوح بنصف ما يفكرون وبضعف الحذر واللطف التورية والتغطية في الأسلوب الذي يمتهنون؟ 

حقيقة أي أهمية أو تأثير للعرب والمسلمين اليوم في عالم الاقتصاد والسياسة، في مجالات العلوم البحتة والتطبيقية والعلوم الفلسفية والإنسانية تثير ذعر الغرب لكي يجند هذا العالم المبتعد سنوات ضوئية عن عالمنا كل من هو مهم أوغير مهم استهدافاً لأسس أمة مهزوزة بالكاد تستقيم على ركبتيها الهشتين؟ ما هو المميز والخاص جداً بأبنائنا وشبابنا، عن بقية أبناء وشباب العالم، كي يستهدفه الغرب محاولاً غسل مخه وما الذي سيستفيده، فعلياً وعملياً، من هذا الغسل الممنهج؟ وأخيراً لماذا يُعتَقد أن كل فكرة مختلفة هي دسيسة ومؤامرة حتى أن أصبح لدينا لفظة "بدعة" المحددة الواضحة التي تصف كل نسمة هواء تجديدية تدخل في محيطنا الآسن؟

أحياناً تأتي التهمة مخففة، لتنطوي على أن كل من تعلم في الغرب هو في الواقع جندي لا يدري أنه مجند، مأجور لا يعلم أنه كذلك، تشرَّب أفكار الغرب وعاد محملاً بها مستهدِفاً "الاستقرار الاجتماعي والثبات الأخلاقي والتطور العلمي" الذي "ينعم" به العالم العربي الإسلامي دوناً عن العالم كله. "لن تستريحوا إلا إذا تفشت الخمور وانتشرت الدعارة وخرجت النساء إلى الشوارع" هي الجملة المعلبة التي يتهم بها أصحاب نظرية المؤامرة، العاجزين حقيقة عن رد الحجة ومناقشة الفكرة، كل من يتجرأ فينطق بفكرة مختلفة أو يسائل السائد، غير مدركين أنهم بجملتهم الكليشيهة القبيحة تلك هم يتهمون عالمهم الشرقي المحافظ الذي يعشقون ويشككون في أسسه الأخلاقية والعقائدية في الواقع والتي هي غير قادرة، طبقاً لاستشرافهم المستقبلي، على حماية المجتمع وتثبيت جذوره الأخلاقية. 

ولأن كل هذه المحاججة، مهما كان لها من المنطق، لا تأثير لها ولا تغيير سينتج عنها، فليكن إذن أننا مأجورون مجندون نستهدفكم بمجتمعكم "المستقر" وأخلاقياتكم "الرفيعة،" ها نحن نعترف ونقر إنهاءاً لهذا الجدل العقيم. والآن وقد استتب الاعتراف، هل تملكون شجاعة رد الحجة بالحجة بدلاً من محاولة تشويه سمعة "السائل" تشويشاً على سؤاله وإبعاداً للرأي العام عن فحوى نقده وفكرته؟

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير
الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير

حازم الأمين

كان عام هزيمة الشعوب والمجتمعات العربية، وانتصار الأنظمة المتسلطة والفاسدة وغير الشرعية. لا نقول ذلك من باب ندب المصير والبكاء على ما صرنا إليه، ولا نقوله لأن صدمة أصابتنا جراء ما آلت إليه أوضاعنا، انما كمقدمة لاستعراض نكبات العام 2022 بوصفها نتيجة غير مفاجئة، لكنها فعلاً غير نهائية وتخفي وقائع أخرى.

الهزيمة هي امتداد لسلسلة من إخفاقات باشرت اشتغالها منذ أعوام، إلا أنها في العام 2022 بلغت ذروتها. في مصر أنهى نظام عبد الفتاح السيسي كل بقايا ثورة يناير، وفي سوريا كانت الهزيمة النهائية للثورة، وتونس صارت جمهورية قيس سعيد، وتمكن حزب الله في لبنان من التحول إلى قوة وحيدة ومعيقة لأي تغيير أو إصلاح. الوضع في اليمن معلق بانقسام وبحرب أهلية، وفي العراق استعادت طهران المبادرة، ولها اليوم فيه الحكومة والحشد الشعبي والفصائل الولائية!

لكن النظام العربي مختنق بـ"انتصاراته"، ذاك أن استعراضاً موازياً لأوضاعه يكشف استعصاء يفوق ما كان يعيشه في لحظة اندلاع ما أطلقنا عليه "الربيع العربي". فالنظام السوري عالق بين نفوذ أسياده الروس والإيرانيين، ومحاصر بعقوبات وبفشل هائل على كل المستويات، ومصر على أبواب انهيار مالي واقتصادي بدأت بشائره عبر سياسة تعويم العملة الوطنية وما أحدثه التعويم من كوارث معيشية، وإذا كان قيس سعيد قد انقض على تونس وعلى دستورها مستثمراً بموبقات حركة النهضة التي كانت سبقته إلى السلطة، فإن جواب التونسيين على تغوله على بلدهم جاء قبل أيام عبر نسبة اقتراع في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز التسعة في المئة، وهو ما يقوض شرعية سلطته. لبنان والعراق هما حصة طهران في هذا الاختناق. لبنان على أبواب المجاعة في ظل سلطة حزب الله، والعراق بلغ فيه الفساد مستويات كشفت عن حجم الفشل.

اذاً، فَشِل الربيع العربي، لكن خصومه في وضع أسوأ من أوضاعهم التي سبقته! والغريب أن الأنظمة التي تتوهم أنها التقطت أنفاسها، استأنفت في التعامل مع هذا الواقع، ما كانت بدأته قبل العام 2011. النظام في سوريا صار أكثر دموية من نفسه، وحزب الله يعتقد أن لحظات اهتزاز سلطته هي وليدة مساحات في النظام كان تركها لشركاء في النظام لم يحسنوا إدارتها، وها هو اليوم يسعى لأن يكون القوة الوحيدة المقررة في مستقبل لبنان، وإذا كنا لم نشهد بعد رد قيس سعيد على سحب التونسيين التوكيل الذي اعطوه إياه في الانتخابات الرئاسية، فيجب ان لا نتوقع خيراً منه. أما مصر، فكل مؤشراتها اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل العام 2011 بدءاً من الوضع الاقتصادي ووصولاً إلى الحريات وحقوق الانسان. 

لكن في ضوء هذا الانسداد، ماذا يمكن أن نتوقع للعام 2023؟

لن تسقط أنظمة، ولن يستعيد أحد عافيته! هذا ليس أسوأ السيناريوهات، على رغم الأكلاف الباهظة الناجمة عنه. فأسوأها هي أن يستعيد النظام في سوريا عافيته، وأن تصبح تونس على شاكلة قيس سعيد، وأن ينجح السيسي في إقناع العالم بضرورة استمراره خنق الحريات في مصر. الأثمان باهظة فعلاً، لكن الخيارات ضيقة، وبديل الاهتراء هو تطويب الاستبداد بوصفه قدراً لا مناص منه. وأمام هذه الخيارات، وبما أننا أمام مفاضلة بين سوء وسوء، ما علينا إلا أن ننتظر تحلل الأنظمة، بديلاً من انتظار استقرار القتل والاستبداد. 

في مقابل هزيمة الثورات، ثمة فشلاً هائلاً لـ"المنتصرين"، هذه المعادلة مأساوية إلا أنها تجعل من مجتمعاتنا ومن تجاربنا مجالاً للتفكير ولمحاولات مختلفة في التعامل مع الانسداد. من هُزموا من المفترض أن يجروا مراجعة قاسية لتجربتهم، ومن "انتصروا" لن يكتب الاستقرار لأنظمتهم، ولن يستعيدوا مواقعهم بوصفهم جزءاً طبيعياً من العالم. 
قد يكون الاهتراء بطيئاً، لكنه حين يتحول إلى تفكك، فلن تجدي معه إسالة مزيد من الدماء. 

ثمة لحظة دولية تجعل من الاهتراء وضعاً لا بد من التعامل معه، لكن إدارة الاهتراء ستكون مكلفة وسيجد العالم نفسه مجبراً على ضبط هذا الاختلال. النظام في سوريا تحول إلى مصدر للمخدرات إلى كل العالم، وجمهورية قيس سعيد هي مخزن لاجئين محتملين ولا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن أوروبا، والفساد اللبناني المرعي من قبل سلطة حزب الله بدأ يصيب النظام المالي في العالم. البقاء بعيداً عن هذا الاهتراء مستحيلاً، وترك هذا الإقليم لكي يدير كوارثه لن يفضي إلا إلى مزيد من الكوابيس.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).