Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مسلمون يغادرون مسجدا في باكستان بعد أداء صلاة الجمعة خلال شهر رمضان
مسلمون يغادرون مسجدا في باكستان بعد أداء صلاة الجمعة خلال شهر رمضان

محمد المحمود

هل قرأ المسلمون تاريخهم؟ هنا تتزاحم الأسئلة: هل من الضروري أن يقرأ المسلمون تاريخهم؟ لماذا يقرأ  المسلمون تاريخهم؟ ثم: أليس المسلمون الآن هم الأكثر انشغالا بالتاريخ، أو تاريخهم، عن الواقع، أو واقعهم، من غيرهم ؟...إلخ.

الأسئلة، وكلها إشكالية؛ وصولا إلى السؤال عن "كيفية" قراءة المسلمين لتاريخهم، وعن علاقة هذه الـ"الكيفيّة" بالمستهدف الغائي المُضْمَر في القراءات التاريخية الرائجة في العالم الإسلامي.

بداية، لم يقرأ المسلمون تاريخهم حقا، مع كثرة ما كتبوه وطبعوه وتشدّقوا به من هذا التاريخ. البحث التاريخي في العالم الإسلامي، والعالم العربي على الأخص، كان، ولا يزال، يشتغل بدوافع ومُحدّدات رَسْمِيّة وأيديولوجية ترسم معالمَ البحث وتُحَدِّد نتائجَه سلفا، وما على "البحث العلمي" حينئذٍ إلا أن يكون مُتَرجِما لإرادة المؤسسات الرسمية الآمرة الناهية، ومُعزِّزا لاستحقاقات الانتماء الأيديولوجي. ولهذا، يصبح البحث التاريخي إمعاناً في التزييف والتّعمية والتجهيل، بدل أن يكون كشفاً وإضاءةً وتنويرا.

قبل أن تُحدّد ما تريد في الراهن والمستقبل، يجب أن تعرف من أنت في الراهن والماضي. ولن تعرف من أنت، حتى تعرف من أين بدأت (أي بدأ تاريخك)، وكيف تشكّلتَ عبر الزمان والمكان، ومستوى الضروري والاحتمالي في تحديد وتكييف ما أنت عليه الآن، أي فيما وصلتَ إليه في هذه اللحظة التاريخية التي تُفكّر فيها بذاتك.

ومهما حاولت، لن تقطع مع رحلة صيرورتك في الماضي، إلا بأن تقطع مع هذه الرحلة في المستقبل. وهذا القطع أو القطيعة هو المستحيل بعينه لمن لا يزال يُصِرُّ على الإمساك بالبقية الباقية من رمق الحياة.

حقا، المسلمون لا يعرفون كيف بدأوا (أو بدأ إسلامهم)، ولا يعرفون كيف تشكّلوا عبر التاريخ، ،لا كيف وصلوا إلى ما هم عليه الآن. ليسوا فقط لا يعرفون، أي ليست الصفحات هنا بيضاء فارغة، بل هي ممتلئة بكل ما صنعه "الوهم" و"الخيال" على مدى عشرات الأجيال من الصراعات البَيْنِيّة المشتعلة بين المذاهب والقبائل والأعراق والدويلات والسلاطين، مع ما رافق ذلك من الانزياحات العشائرية الكبرى المشحونة بالعنف المدمر، وأيضا من الصراعات الدائمة مع الآخرين من غير المسلمين؛ حتى كانت الحدود على الدوام حدود دماء وأشلاء.

إن قراءة التاريخ هي كتابة التاريخ. قرأ المسلمون تاريخهم بالطريقة ذاتها التي كتبوا بها تاريخهم. الكتابة هي تأمل قرائي فيما يجب أن تكون عليه الذات، وبالتالي، بما يجب أن يكون عليه التاريخ.

وإذا كان المسلمون كتبوا تاريخهم في لحظات انتصارهم التاريخي الخاطف الذي أزاح عددا من الإمبراطوريات الكبرى آنذاك، فقد كان التاريخ، حتى السابق لهذا النصر، يُكتَب على أضواء مشاعل هذا النصر، أي بوصفه تاريخ أبطالٍ خارقين أو استثنائيين كانوا،  على الدوام، أبطالا استثنائيين، بل وكانوا، على الدوام، إنسانيين! 

لا يعرف المسلم اليوم شيئا حقيقا عن تاريخه أو تاريخ أسلافه إلا شذرات مبعثرة من حقيقة تائهة في أدغال الادعاءات الرغبوية التي تخلط بين مقتضيات العلم ومقتضيات الفخر القومي أو الديني.

ليس هذا التوهان هو حال المسلم العادي فحسب، بل هو حال الجميع، حتى ذلك المسلم المتعلم تعليما أكاديميا، بل هو أيضا حال كثير من المتخصصين في حقل البحث التاريخي، باستثناء أولئك الذين دخلوا هذا الحقل عن شغف حقيقي به، فنقّبوا فيه بجهد نضالي مثابر، جهد تراكمي متواصل؛ حتى أدركوا كثيرا من معالم الحقيقة.

ولكن، حتى هؤلاء للأسف، نجد كثيرا منهم آثر الصمت ومارس نوعا من التماهي مع السرديات الرغبوية المتخيلة؛ حتى لا يَخسر جماهيريا، وقليل، قليل جدا من هؤلاء؛ آثَرَ الصدعَ بالحقيقة كما هي حتى لو اصطدمت زواياها الحادّة بعنفٍ مع مقدسات كثير من الجماهير التي لا تستأنس ولا تطمئن إلا لِمن يُسَبِّح بِحَمْدِ مُقَدَّسَاتها؛ ولو كان كاذبا!  

إن فتح ملف "الفتوحات الإسلامية" مثلا، كفيل بإعادة كتابة كثير من محاور التاريخ، بل وكثير من شخصياته المقدسة أو شبه المقدسة. فالمسلم اليوم لديه صورة مغلوطة عن تلك الفتوحات وملابساتها؛ ما يعني، في النهاية، أن لديه صورة مغلوطة عن نفسه إنسانا ودينا وحضارة. 

لا يعرف المسلم اليوم أن ثمة شعوبا ناضلت ضد هذه الفتوحات الاستعمارية؛ مُضَحّيةً بأرواحها ودمائها، وأنها دفعت في سبيل صدّها ابتداء، أو التحرر منها تاليا، زهرة أبنائها، وأن اجتياز المسافة الواقعة بين وسط ليبيا شرقا وطنجة غربا، احتاج من "الفاتحين" إلى حرب ضروس ممتدة على مدى 67 عاما كاملة، كانت حركات الانتفاضات الشعبية ضد "الفاتحين أو المستعمرين" من العرب المتأسلمين، متواصلة، لم تنقطع يوما ما إلا ريثما تنبعث من جديد، وأن سياسة إطفاء أوار هذه التمرّدات لم تكن بالاحتواء والتسامح، بل كانت بمزيد من الدماء والأشلاء، بل وبممارسات استئصالية في كثير من الأحيان.  

طبعا، هذا يختلف إلى حد كبير عن الحال في الغزو العربي لمنطقتي الشام والعراق؛ لأنهما كانتا مجالا حيويا لكثير من القبائل العربية قبل الإسلام بقرون. فكثير من هذه القبائل العربية استوطنت العراق والشام بكثافة، واستطاعت إدارة شؤونها مع الحكم الفارسي والروماني بقليل من التوتر، وكثير من الانسجام. ولهذا استقبلت الفتحَ العربي الإسلامي بعاطفة عربية مُرحّبة، وبعاطفة دينية متوجّسة إلى حد ما. وهذا ما سهّل عملية الفتح التي أنْجِزَت في ظرف أربع سنوات تقريبا، وهو ظرف قياسي بالمقارنة مع 67 عاما في الشمال الأفريقي. 

على أي حال، سياسات الفاتحين، في مصر وشمال أفريقيا، وفي فارس وخرسان، وفي ما وراء هذه وتلك، كانت سياسات غير إنسانية إلى حد كبير، بل في بعض فتراتها كانت سياسات متوحشة، سامت أهل تلك البلدان المفتوحة سوءَ العذاب.

ولا يتعلّق الأمر هنا بآلية الاسترقاق الجماعي وسبي الذراري فحسب، بل يتعلق الأمر بما هو أشمل وأدوم، وأشد استنزافا على المدى البعيد، أي بالسياسات المالية (جباية الخراج والجزية...إلخ) التي طالما دفعت الضحايا المنتهكين مالا وكرانة للثورة والتمرّد، ومن ثم، كان الرّد الإسلامي الإمبراطوري بمزيد من القمع والإذلال والقهر، الذي يصل أحيانا مستويات عالية من تعمّد الاستئصال.

هل يعني كل هذا أن الإسلام انتشر بالسيف؟ 

الجواب باختصار: نعم، ولا.  

والتفصيل في مقال قادم..

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر
استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر

سناء العاجي الحنفي

لماذا نطالب لاعب كرة القدم بأن يكون قدوة للأجيال القادمة في تصرفاته وسلوكه واختياراته الحياتية؟ لماذا نحاكمه ليس على لعبه وتمريراته وتمكنه من تخصصه، لكن على تفاصيل حياتية أخرى لها علاقة بكل شيء.. إلا بكرة القدم؟ المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون لاعب كرة قدم جيدا. فقط! حياته الشخصية، زواجه، سهراته، صداقاته، اهتماماته، هي أمور تخصه. 

لذلك، فلم يكن مفهوما الهجوم على بعض لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم بعد عودتهم من قطر، والكم الهائل من "خبراء تدبير السمعة على مواقع التواصل"، ممن أسدوا لهم النصح في طريقة تدبير صورتهم العامة. خدمة مجانية متعثرة، لم يطلبها أساسا أصحاب الشأن! 

البعض الآخر تساءل عن مستوى وعيهم الثقافي وانخراطهم السياسي. الحقيقة أن المواقف الإنسانية والمواطناتية التي يعبر عنها عدد كبير كبير من لاعبي المنتخب، لا تحتاج لختم منا أو اعتراف. هي هنا حاضرة تعبر عن نفسها بنفسها. أتذكر الآن زميلا كتب ما مضمونه أن وليد الركراكي، مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم، يخاطب قلوبنا وعقولنا أفضل بكثير من رئيس حكومتنا وأفضل بكثير من أغلب السياسيين والحقوقيين و"المناضلين". 

مدرب كرة قدم تجد في كل جملة يقولها، فكرة قوية وناضجة تصلح درسَ مهنية أحيانا... ودرس حياة في أحيان أخرى كثيرة. لكن، ورغم كل هذا، فالأصل في الحكاية أن وليد الركراكي استثناء جميل يستحق التنويه، لكن الفكرة الأصل أن المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون... لاعب كرة جيد أولا وقبل كل شيء. ومدربا جيدا أولا وقبل كل شيء. ليس مطلوبا منه أن يقوم بخَطابَة سياسية و\أو أخلاقية ولا أن يكون قدوة للشباب... وإن فعل، فتلك ستكون إضافة جميلة لا أكثر. 

لنعد الآن للصورة الجميلة لما بعد المونديال: الاستقبال المبهر للمنتخب الوطني في العاصمة الرباط، وصور الحب التي ملأت قنواتنا وصفحاتنا لأيام لا نريد أن نغادرها ولا نريدها أن تغادرنا. كمغاربة، ربما لم نشعر بهكذا فرح ممتد ومتواصل ومشترك منذ عقود طويلة... 

ثم كانت صورة الأمهات مع الأبطال ومع ملك البلاد!

في البداية، كنتُ ممن تساءلوا: لماذا يستقبل الملك محمد السادس لاعبي المنتخب المغربي مع أمهاتهم دون الآباء؟ أليس من العدل أن يكون الوالدان معا حاضرين؟ ثم، أين الزوجات؟ خصوصا إذا كنا نريد أن نحمل رسالة عن الحداثة يكون فيها البطل حاضرا مع رفيقة دربه!

لكني بسرعة غيرت رأيي... ليس لأن الأمهات مقدسات ولا لأن الجنة تحت أقدامهن، فبعض الأمهات وجدن أنفسهن أمهات بالصدفة وبالتقاليد، فيما يُشَكّلن قنبلة موقوتة في حق بناتهن وأبنائهن. لكني غيرت رأيي لعدة أسباب أولها أن اللاعبين أنفسهم صنعوا هذا الاحتفاء بالأمهات في قطر، وبشكل عفوي بسيط... ومشحون بالحب الصادق. صورة سفيان بوفال وهو يرقص مع والدته في قلب الملعب انتشرت في العالم بأسره وتحولت لرمز جميل. تماما كما صورة أشرف حكيمي وأمه تقبله كما قد تقبل أم طفلا صغيرا، هو الذي أصبح رجلا وبطلا عالميا..

الاستقبال الملكي لم يكن إلا امتدادا لسلوك عفوي قام به اللاعبون أنفسهم في قطر. سلوك نقلته وسائل الإعلام العالمية... كما أن الواقع المغربي يقول إن الأم تتحمل جزءا كبيرا من المسؤوليات عبر ما يسمى في علم الاجتماع بـ "العبء الذهني"، والذي يحيل على التقسيم غير العادل للمسؤوليات المنزلية والأسرية. 

هذا "العبء الذهني" يجعل معظم الأمهات، في شهادات للكثير منهن، تتكفلن بمواكبة أحلام الصغار: ترافقنهم للملاعب، تبدعن في أشكال ادخار بسيطة لشراء الأحذية الرياضية التي لا يملكن دائما ثمنها، تنتظرن لساعات أمام الملاعب بانتظار انتهاء الحصص التدريبية (حتى وهن، ربما، لا تفقهن في كرة القدم شيئا). معظم هؤلاء الأمهات آتيات من واقع اجتماعي مقهور، سواء تعلق الأمر بأمهات المغرب أو بأمهات المهجر (شهادات بوفال وحكيمي صريحة في هذا الاتجاه). يكافحن يوميا من أجل مواكبة أحلام الصغار في الدراسة و\أو الرياضة. فلماذا لا يحظين بهذا التكريم؟ ولماذا نرى في هذا حطا من قيمة الأب (هو على الأقل حاضر بشكل حصري في أسماء الأبناء، وهو أيضا ولي الأمر القانوني قبل أن يصل الابن\الابنة لسن الرشد، حتى لو كانت الأم هي من تتحمل معظم المسؤوليات).  

كما أن تلك الصورة العفوية للأمهات كانت جميلة مبهرة. تصرفن على سجيتهن محتفيات بأبنائهن وبالتكريم الملكي. جسدن صورة المغرب المتعدد بمختلف أشكال اللباس والحضور فيه، من الأم العصرية بالقفطان العصري أو باللباس الرسمي العصري، إلى الأم التقليدية التي تضع غطاء الرأس ثم تخلعه بعفوية ودون تفكير، إلى المرأة الريفية البسيطة بلباس منطقتها، إلى المحجبة، وحتى المنقبة (بالمناسبة، للذين يعتبرون الجينز أو التنورة القصيرة ملابس دخيلة على ثقافتنا المغربية، ماذا عن النقاب؟ ومنذ متى كان "جزءا من ثقافتنا"؟). 

باختصار، لم تكن صورة مفبركة لوسائل الإعلام كما قد نتابع لدى عدد من مشاهير مواقف التواصل: كانت صورة أصْلية أصِيلة تمثل البساطة والتنوع المغربيين. بساطة ليست نابعة من الفقر، فمعظم هؤلاء اللاعبين أغنياء اليوم ومن المؤكد أن أسرهم تستفيد من إمكانياتهم المادية. هي بساطة متأصلة ونابعة من "تامغرابيت" التي لم تتأثر بـ "الفانيشستا" وعوالم التصنع الممتدة من الانستغرام للفايسبوك والتيكتوك. 

هؤلاء الأبطال، وبالإضافة لإنجازهم الرياضي، صنعوا إنجازا أهم من ذلك بكثير: لقد أعادوا توثيق رباطنا بشيء كان قد ضاع من بعضنا تدريجيا: الإحساس الجميل بـ "التامغاربيت" الأصيلة وبالقيم الإيجابية للارتباط بالوطن، الحب، العفوية، الأصالة الصادقة وغير المتصنعة، وبالقدرة على الحلم وعلى تجاوز خطابات الانهزام التي ترسخت في أعماق الكثيرين منا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).