Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يبدو أن المغرب ماضٍ في تجربته البرلمانية باتجاه الاستعانة بالقطط - صورة تعبيرية
يبدو أن المغرب ماضٍ في تجربته البرلمانية باتجاه الاستعانة بالقطط - صورة تعبيرية

عبد الرحيم التوراني

لن تنفعنا بعد الشعارات التقليدية المبشرة بحلول جاهزة لديمقراطيتنا الكسيحة، وقد أتعبنا اكتشاف أنها ديمقراطية تتعثر في مهدها، ونحن لا ندري أنها ما زالت في خطواتها ما قبل الأولى. وبعد أن أمسينا مدركين أن ديمقراطيتنا تتخبط بنا وسط قارب ثمل مثقوب، أشبه ما يكون بـ"قوارب الموت" التي يركبها "الحراكَة" من المهاجرين غير الشرعيين. في كل مرة نسد فيها ثقبا يتسلل منه الماء، تفاجئنا ثقوب جديدة... إنها الجرذان المعادية للديمقراطية، وقد حان الوقت لتسليط الضربة القاضية عليها. فما المانع إذا احتلت القطط البرلمان وأخذت مكانها ودورها المستحق في النيابة. إذ ليس هناك ما سيمنع الناخبين من منح أصواتهم لهذا الكائن الوديع والحكيم، لعلمهم بأنه لن يغش في عمله أبدا، ولن يتكاسل أو يتهاون.  

في أحد أيام شهر مايو من سنة 2016 تجرأت قطة تائهة وولجت مجلس النواب المغربي، في موعد جلسة خاصة بالأسئلة الشفوية. ما أن ماءت القطة وعلا صوتها مخترقا ضجة المكان، حتى تحول اهتمام النواب المحترمين، امتعض بعضهم من اقتحام مشردة لمبنى البرلمان الموقر، محتجين على كون القطة الفضولية من طبقة قطط الشوارع، في حين سارع آخرون إلى هواتفهم الذكية لالتقاط صورة تسجل طرافة المشهد النادر.

بعد انتشار صور "القطة البرلمانية" على مواقع التواصل الاجتماعي، قرأنا كلاما كثيرا عن وصول كائن مخلبي تقمص أرواح "العفاريت والتماسيح"، التي طالما حذرنا منها رئيس الحكومة وقتها عبد الإله بنكيران، لما يعمد إلى إلصاق كل تهم عثرات سياسات حكومته الرشيدة وإكراهات مسيرة التنمية المفترى عليها، بتلك الكائنات اللامرئية وربما تطلب الأمر رش أركان وزوايا البرلمان بالسائل المبطل للسحر وللأرواح الشريرة.

قبل هذا الحدث بسنتين، وبخلاف برلماني المغرب الذين طردوا القطة الزائرة شرَّ طردة، قرر البرلمان البريطاني استضافة كتيبة ثلاثية من القطط للاستفادة من خبرتها الواسعة ومهاراتها المكتسبة في مجال مكافحة الفئران، بعد أن اشتكى النواب البريطانيون من رؤية الحيوانات القارضة وروثها في مكاتبهم وبين وثائقهم الرسمية. هكذا تمت الاستعانة بمواهب فرقة من القطط الماكرة، اقتداء بتجربة سابقة لمكتب رئاسة الحكومة البريطانية، الذي عين في فبراير 2011 قطّاً على رأس لجنة مكافحة الفئران والجرذان، بالرغم من أن القط "لاري"، وهذا هو اسمه، لم يتمكّن من اصطياد أول فأر إلا بعد مرور سنة ونصف على تعيينه في منصبه السامي بـ "10 داوننغ ستريت".

ويبدو أن المغرب ماضٍ في تجربته البرلمانية باتجاه الاستعانة بالقطط، بعد أن كشف أحد نواب الأمة عن قدراته الاستثنائية والمذهلة في إمكانية إيصال قطته المصون إلى البرلمان لو أراد، كيف لا وقد تأتى له ذلك بكل سهولة ويسر مع أفراد أسرته الصغيرة الذين أصبحوا أعضاء في البرلمان المغربي.

فقبل أسبوع (22 أكتوبر 2022) نشرت صحيفة أميركية مقالا حمل عنوان "العائلة كلها و(قطته) في البرلمان المغربي"، عن رجل أعمال إسرائيلي أخبر كاتب المقال عن حديث جرى بينه وبين برلماني مغربي، "يشكل نموذجا للحرس القديم الفاسد الذي يجر البلاد إلى الخلف ويمنعها من التقدم كمجتمع".

وكان رجل الأعمال الإسرائيلي زار المغرب العام الماضي رفقة عضو سابق في الكنيست الإسرائيلي، بغاية دعم بعض المشاريع حسبما جاء في المقال. وضمن برنامج الزيارة التقى الوفد السيد لحبيب بن الطالب، عضو في مجلس المستشارين عن حزب "حزب الأصالة والمعاصرة" (البام)، ورئيس الغرفة الفلاحية في جهة مراكش، الذي استضاف الإسرائيليين في بيته، وبدأ يتفاخر أمامهما بأنه لم ينجح وحده في الصعود إلى البرلمان، إنما تمكن من ضمان نجاح فلذتي كبده (ابنه وابنته) لعضوية مجلس النواب في الانتخابات الأخيرة. أما زوجته فقد سبق لها أن كانت عضوا في البرلمان على مدى ثلاث ولايات متتالية (15 سنة)، وهي اليوم تشغل منصب رئيسة المجلس الإقليمي لمراكش.

وفي لحظة غامرة بالتباهي والانتشاء المفرط، وصل الأمر بالسيد بن الطالب أن تحدث بسخرية فقال: "لو أردت أن أوصل قطة العائلة إلى البرلمان لفعلت". مضيفا أنه يتحكم في الانتخابات في جهة مراكش، وهو من يوصل من يشاء للبرلمان (!).

وأفادت الصحيفة الأميركية أن بن الطالب بدأ العمل في المجال السياسي قبل 25 سنة، ونجح اليوم في خلق ثروة كبيرة.

رأى كثير من المغاربة في الأمر فضيحة تدخل في سياق "تشويه سمعة الحياة السياسية أكثر مما هي عليه اليوم".

لكن غيرهم رأوا أن الحل الناجع لكل أسْقام الديمقراطية المغربية هو جنس "القطط" المحترمة، فلو تم اعتماد هذا الحيوان الأنيق لتمثيل الناخبين لاستقامت الأمور وصار كل شيء على ما يرام حقا وليس لفظا. خصوصا وأننا نتكلم عن حيوان أليف، يتميز بحساسية ووداعة وإيثار، ولا يتطلب سوى قليل من التدليل حتى يشيع السعادة بين الناس، لا سيما وأن المغرب يقبع في المراتب الأخيرة ضمن المؤشر العالمي للسعادة الذي تصدره سنويا الأمم المتحدة. وإذا أدركنا أن مهمة الشأن السياسي العام، ليست سوى البحث عن السبل المكنة لإشاعة السعادة بين المواطنين، سنوفر علينا كل التعب المبذول في إطار جهود التنمية، وسنختصر وعورة دروب المسلسل الديمقراطي، الذي امتدت حلقاته عقودا دون أن تستوي عجلاته فوق السكة القويمة. وما ذلك علينا بعزيز. بعد أن أخبرنا الدنيا في حملات إعلانية سابقة أن "المغرب أجمل بلد في العالم". علينا اليوم أن نشمر عن سواعدنا، ونطرد عن مواطنينا كل علامات التوتر والقلق والحزن، وننسيهم في معضلات البطالة والتهميش وفساد التعليم والصحة والرشوة والزبونية، ومشاكل السكن غير اللائق وارتفاع الأسعار... وهذه المرة يمكن لنا جميعا إنشاد شعار "المغرب أسعد بلد في العالم"، وذلك بلغة المواء المموسقة، المشرعة على كل الأماني والأحلام الجميلة. وكما قال مواطن يتوهم أنه يرفل في ثوب السعادة: "إن السعادة مجرد حلم فقط… وأن السعادة هي الإحساس بالطمأنينة". فلنحلم باطمئنان وبكل السعادة الممكنة، لنسلك طريق البلاد المتقدمة، ومنها جارتنا الإيبرية اسبانيا، التي أصدرت بطاقات هوية للقطط والحيوانت الأليفة، ونبتعد كل الابتعاد عن أمم مثل إيران، اعتبر برلمانيوها القطط وباقي الحيوانات الأليفة كائنات ضارة فجرموا تربيتها. غير مدركين أن معاملة الحيوان تقاس عليها معاملة الإنسان. 

ما العلاقة يا ترى بين القطط والديمقراطية؟  

الجواب طبعا ليس في المتناول، وإن كان بعض النقاد الغربيين رأوا في قصيدة بعنوان "القطط" لشارل بودلير (1821-1867)، "رمزا للديمقراطية" عند هذا الشاعر الفرنسي اللعين. وكان الكاتب المغربي عبد الغني أبو العزم أقدم على ترجمة وتحليل هذه القصيدة.

لكن دخول القطط معترك السياسة والبرلمان ليس أمرا جديدا، فلطالما أطلق على طبقات وفئات طفيلية وصف "القطط السمان"، للتدليل على جشعها وفسادها المالي وترفها المفاجئ. وليس تعاطف البرلماني بن الطالب مع القطط إلا باب إعادة الاعتبار لهذه الفصيلة من الحيوانات الأليفة. بالرغم من انحيازه لقطته المدللة دون سواها من القطط، خصوصا منها قطط الشوارع، والتي سبق لأكثر من برلماني أن تقدم بملتمس لمحاربة انتشارها مع الكلاب الضالة في منطقته. علما أن النواب البريطانيين ومكتب رئاسة الحكومة البريطانية عندما فكروا في الاستعانة بخدمات القطط أتوا بها من ملاجئ الكلاب والقطط الشاردة في الشوارع الخلفية للندن.

ومن أسباب السعادة التي ستدخلها القطط البرلمانية في نفوس المواطنين، هي عندما يشاهدونها نائمة تغط في الشخير تحت صرح البرلمان، ساعتها لن ينزعج أي أحد أو يوجه سهام غضبه وسخريته منها، كما يفعلون إزاء مشاهد وصور سبات البرلمانيين البشر، الذين يحولون قاعة البرلمان أثناء الجلسات إلى غرف كبيرة للتثاؤب والنوم العميق. فالخمول والنوم طبيعي لدى القطط. وفي المعتقدات الشعبية بالمجتمعات العربية يقولون إن هرير أو خرخرة القطط يعني أنها تراجع حفظها لآيات القرآن.

فلنمرن قططنا جيدا ونعمل على أن تحفظ تقرير النموذج التنموي الجديد لنرشحها لقبة البرلمان، فقبل الحرب الروسية في أوكرانيا نشر مواطن موسكوبي صورة لقطه الأغبر معلناً ترشيحه لمجلس الدوما، وكانت المفاجأة أن صوت على القط المرشح رواد مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة، فحصد أكثر من تسعين في المائة من الأصوات.

لكن الخوف على القطط الوديعة من محدثي النعمة ممن يعرفون بـ"القطط السمان"، فقد يصوتون على قوانين تمنع مشاركة القطط في اللعبة الديمقراطية، بل وتجيز أكل لحمها، ليس من أجل "جلب الحظ السعيد" كما تفعل بعض القبائل الإفريقية من آكلة لحم القطط، ولكن من أجل المزيد من الإثراء الفاحش. وقد يقررون تصدير لحوم القطط والكلاب إلى البلدان التي تجيز أكلها. 

بالرغم من كل شيء، فإننا نعول على قوة القطط، وعلى تعدد أرواحها السبعة، وعلى خرخرتها وهي تموء تحت قبة البرلمان، دفاعا عن دفء الأمان والاستقرار انتصارا لسيادة الروح الديمقراطية. ومهما يكن فالقط أفضل من حيوان الحمار الذي كان حزب الاستقلال سيورطنا في نهيقه، النهيق الذي يعتبره القرآن من أنكر الأصوات، لما أقحم أمينه العام (حميد شباط) حمارا في مظاهرة احتجاجية، ومشى به في مقدمة مسيرة بمدينة الرباط ضد غلاء المعيشة سنة 2013.

مهما قالوا من هجاء في القطط أو اتهموها بنكران الجميل، فإنها لن تبلغ درجة عدم وفاء البشر المنتخبين الذين نعرفهم وجربناهم. فدعونا نجرب صفاء المواء، لا إزعاج النهيق.

إن القطط لديها صدق عاطفي كبير. وكما قال إرنست همنغواي "يمكن للبشر لسبب أو لآخر إخفاء مشاعرهم، لكن القط لا يفعل ذلك".

لذلك، فلنصوت جميعا لقطة عائلة بن الطالب، حتى لا تبقى وحيدة في البيت وتكتئب، لما ينشغل عنها أصحابها بأشغال البرلمان.

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر
استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر

سناء العاجي الحنفي

لماذا نطالب لاعب كرة القدم بأن يكون قدوة للأجيال القادمة في تصرفاته وسلوكه واختياراته الحياتية؟ لماذا نحاكمه ليس على لعبه وتمريراته وتمكنه من تخصصه، لكن على تفاصيل حياتية أخرى لها علاقة بكل شيء.. إلا بكرة القدم؟ المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون لاعب كرة قدم جيدا. فقط! حياته الشخصية، زواجه، سهراته، صداقاته، اهتماماته، هي أمور تخصه. 

لذلك، فلم يكن مفهوما الهجوم على بعض لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم بعد عودتهم من قطر، والكم الهائل من "خبراء تدبير السمعة على مواقع التواصل"، ممن أسدوا لهم النصح في طريقة تدبير صورتهم العامة. خدمة مجانية متعثرة، لم يطلبها أساسا أصحاب الشأن! 

البعض الآخر تساءل عن مستوى وعيهم الثقافي وانخراطهم السياسي. الحقيقة أن المواقف الإنسانية والمواطناتية التي يعبر عنها عدد كبير كبير من لاعبي المنتخب، لا تحتاج لختم منا أو اعتراف. هي هنا حاضرة تعبر عن نفسها بنفسها. أتذكر الآن زميلا كتب ما مضمونه أن وليد الركراكي، مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم، يخاطب قلوبنا وعقولنا أفضل بكثير من رئيس حكومتنا وأفضل بكثير من أغلب السياسيين والحقوقيين و"المناضلين". 

مدرب كرة قدم تجد في كل جملة يقولها، فكرة قوية وناضجة تصلح درسَ مهنية أحيانا... ودرس حياة في أحيان أخرى كثيرة. لكن، ورغم كل هذا، فالأصل في الحكاية أن وليد الركراكي استثناء جميل يستحق التنويه، لكن الفكرة الأصل أن المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون... لاعب كرة جيد أولا وقبل كل شيء. ومدربا جيدا أولا وقبل كل شيء. ليس مطلوبا منه أن يقوم بخَطابَة سياسية و\أو أخلاقية ولا أن يكون قدوة للشباب... وإن فعل، فتلك ستكون إضافة جميلة لا أكثر. 

لنعد الآن للصورة الجميلة لما بعد المونديال: الاستقبال المبهر للمنتخب الوطني في العاصمة الرباط، وصور الحب التي ملأت قنواتنا وصفحاتنا لأيام لا نريد أن نغادرها ولا نريدها أن تغادرنا. كمغاربة، ربما لم نشعر بهكذا فرح ممتد ومتواصل ومشترك منذ عقود طويلة... 

ثم كانت صورة الأمهات مع الأبطال ومع ملك البلاد!

في البداية، كنتُ ممن تساءلوا: لماذا يستقبل الملك محمد السادس لاعبي المنتخب المغربي مع أمهاتهم دون الآباء؟ أليس من العدل أن يكون الوالدان معا حاضرين؟ ثم، أين الزوجات؟ خصوصا إذا كنا نريد أن نحمل رسالة عن الحداثة يكون فيها البطل حاضرا مع رفيقة دربه!

لكني بسرعة غيرت رأيي... ليس لأن الأمهات مقدسات ولا لأن الجنة تحت أقدامهن، فبعض الأمهات وجدن أنفسهن أمهات بالصدفة وبالتقاليد، فيما يُشَكّلن قنبلة موقوتة في حق بناتهن وأبنائهن. لكني غيرت رأيي لعدة أسباب أولها أن اللاعبين أنفسهم صنعوا هذا الاحتفاء بالأمهات في قطر، وبشكل عفوي بسيط... ومشحون بالحب الصادق. صورة سفيان بوفال وهو يرقص مع والدته في قلب الملعب انتشرت في العالم بأسره وتحولت لرمز جميل. تماما كما صورة أشرف حكيمي وأمه تقبله كما قد تقبل أم طفلا صغيرا، هو الذي أصبح رجلا وبطلا عالميا..

الاستقبال الملكي لم يكن إلا امتدادا لسلوك عفوي قام به اللاعبون أنفسهم في قطر. سلوك نقلته وسائل الإعلام العالمية... كما أن الواقع المغربي يقول إن الأم تتحمل جزءا كبيرا من المسؤوليات عبر ما يسمى في علم الاجتماع بـ "العبء الذهني"، والذي يحيل على التقسيم غير العادل للمسؤوليات المنزلية والأسرية. 

هذا "العبء الذهني" يجعل معظم الأمهات، في شهادات للكثير منهن، تتكفلن بمواكبة أحلام الصغار: ترافقنهم للملاعب، تبدعن في أشكال ادخار بسيطة لشراء الأحذية الرياضية التي لا يملكن دائما ثمنها، تنتظرن لساعات أمام الملاعب بانتظار انتهاء الحصص التدريبية (حتى وهن، ربما، لا تفقهن في كرة القدم شيئا). معظم هؤلاء الأمهات آتيات من واقع اجتماعي مقهور، سواء تعلق الأمر بأمهات المغرب أو بأمهات المهجر (شهادات بوفال وحكيمي صريحة في هذا الاتجاه). يكافحن يوميا من أجل مواكبة أحلام الصغار في الدراسة و\أو الرياضة. فلماذا لا يحظين بهذا التكريم؟ ولماذا نرى في هذا حطا من قيمة الأب (هو على الأقل حاضر بشكل حصري في أسماء الأبناء، وهو أيضا ولي الأمر القانوني قبل أن يصل الابن\الابنة لسن الرشد، حتى لو كانت الأم هي من تتحمل معظم المسؤوليات).  

كما أن تلك الصورة العفوية للأمهات كانت جميلة مبهرة. تصرفن على سجيتهن محتفيات بأبنائهن وبالتكريم الملكي. جسدن صورة المغرب المتعدد بمختلف أشكال اللباس والحضور فيه، من الأم العصرية بالقفطان العصري أو باللباس الرسمي العصري، إلى الأم التقليدية التي تضع غطاء الرأس ثم تخلعه بعفوية ودون تفكير، إلى المرأة الريفية البسيطة بلباس منطقتها، إلى المحجبة، وحتى المنقبة (بالمناسبة، للذين يعتبرون الجينز أو التنورة القصيرة ملابس دخيلة على ثقافتنا المغربية، ماذا عن النقاب؟ ومنذ متى كان "جزءا من ثقافتنا"؟). 

باختصار، لم تكن صورة مفبركة لوسائل الإعلام كما قد نتابع لدى عدد من مشاهير مواقف التواصل: كانت صورة أصْلية أصِيلة تمثل البساطة والتنوع المغربيين. بساطة ليست نابعة من الفقر، فمعظم هؤلاء اللاعبين أغنياء اليوم ومن المؤكد أن أسرهم تستفيد من إمكانياتهم المادية. هي بساطة متأصلة ونابعة من "تامغرابيت" التي لم تتأثر بـ "الفانيشستا" وعوالم التصنع الممتدة من الانستغرام للفايسبوك والتيكتوك. 

هؤلاء الأبطال، وبالإضافة لإنجازهم الرياضي، صنعوا إنجازا أهم من ذلك بكثير: لقد أعادوا توثيق رباطنا بشيء كان قد ضاع من بعضنا تدريجيا: الإحساس الجميل بـ "التامغاربيت" الأصيلة وبالقيم الإيجابية للارتباط بالوطن، الحب، العفوية، الأصالة الصادقة وغير المتصنعة، وبالقدرة على الحلم وعلى تجاوز خطابات الانهزام التي ترسخت في أعماق الكثيرين منا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).