Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يبدو أن المغرب ماضٍ في تجربته البرلمانية باتجاه الاستعانة بالقطط - صورة تعبيرية
يبدو أن المغرب ماضٍ في تجربته البرلمانية باتجاه الاستعانة بالقطط - صورة تعبيرية

عبد الرحيم التوراني

لن تنفعنا بعد الشعارات التقليدية المبشرة بحلول جاهزة لديمقراطيتنا الكسيحة، وقد أتعبنا اكتشاف أنها ديمقراطية تتعثر في مهدها، ونحن لا ندري أنها ما زالت في خطواتها ما قبل الأولى. وبعد أن أمسينا مدركين أن ديمقراطيتنا تتخبط بنا وسط قارب ثمل مثقوب، أشبه ما يكون بـ"قوارب الموت" التي يركبها "الحراكَة" من المهاجرين غير الشرعيين. في كل مرة نسد فيها ثقبا يتسلل منه الماء، تفاجئنا ثقوب جديدة... إنها الجرذان المعادية للديمقراطية، وقد حان الوقت لتسليط الضربة القاضية عليها. فما المانع إذا احتلت القطط البرلمان وأخذت مكانها ودورها المستحق في النيابة. إذ ليس هناك ما سيمنع الناخبين من منح أصواتهم لهذا الكائن الوديع والحكيم، لعلمهم بأنه لن يغش في عمله أبدا، ولن يتكاسل أو يتهاون.  

في أحد أيام شهر مايو من سنة 2016 تجرأت قطة تائهة وولجت مجلس النواب المغربي، في موعد جلسة خاصة بالأسئلة الشفوية. ما أن ماءت القطة وعلا صوتها مخترقا ضجة المكان، حتى تحول اهتمام النواب المحترمين، امتعض بعضهم من اقتحام مشردة لمبنى البرلمان الموقر، محتجين على كون القطة الفضولية من طبقة قطط الشوارع، في حين سارع آخرون إلى هواتفهم الذكية لالتقاط صورة تسجل طرافة المشهد النادر.

بعد انتشار صور "القطة البرلمانية" على مواقع التواصل الاجتماعي، قرأنا كلاما كثيرا عن وصول كائن مخلبي تقمص أرواح "العفاريت والتماسيح"، التي طالما حذرنا منها رئيس الحكومة وقتها عبد الإله بنكيران، لما يعمد إلى إلصاق كل تهم عثرات سياسات حكومته الرشيدة وإكراهات مسيرة التنمية المفترى عليها، بتلك الكائنات اللامرئية وربما تطلب الأمر رش أركان وزوايا البرلمان بالسائل المبطل للسحر وللأرواح الشريرة.

قبل هذا الحدث بسنتين، وبخلاف برلماني المغرب الذين طردوا القطة الزائرة شرَّ طردة، قرر البرلمان البريطاني استضافة كتيبة ثلاثية من القطط للاستفادة من خبرتها الواسعة ومهاراتها المكتسبة في مجال مكافحة الفئران، بعد أن اشتكى النواب البريطانيون من رؤية الحيوانات القارضة وروثها في مكاتبهم وبين وثائقهم الرسمية. هكذا تمت الاستعانة بمواهب فرقة من القطط الماكرة، اقتداء بتجربة سابقة لمكتب رئاسة الحكومة البريطانية، الذي عين في فبراير 2011 قطّاً على رأس لجنة مكافحة الفئران والجرذان، بالرغم من أن القط "لاري"، وهذا هو اسمه، لم يتمكّن من اصطياد أول فأر إلا بعد مرور سنة ونصف على تعيينه في منصبه السامي بـ "10 داوننغ ستريت".

ويبدو أن المغرب ماضٍ في تجربته البرلمانية باتجاه الاستعانة بالقطط، بعد أن كشف أحد نواب الأمة عن قدراته الاستثنائية والمذهلة في إمكانية إيصال قطته المصون إلى البرلمان لو أراد، كيف لا وقد تأتى له ذلك بكل سهولة ويسر مع أفراد أسرته الصغيرة الذين أصبحوا أعضاء في البرلمان المغربي.

فقبل أسبوع (22 أكتوبر 2022) نشرت صحيفة أميركية مقالا حمل عنوان "العائلة كلها و(قطته) في البرلمان المغربي"، عن رجل أعمال إسرائيلي أخبر كاتب المقال عن حديث جرى بينه وبين برلماني مغربي، "يشكل نموذجا للحرس القديم الفاسد الذي يجر البلاد إلى الخلف ويمنعها من التقدم كمجتمع".

وكان رجل الأعمال الإسرائيلي زار المغرب العام الماضي رفقة عضو سابق في الكنيست الإسرائيلي، بغاية دعم بعض المشاريع حسبما جاء في المقال. وضمن برنامج الزيارة التقى الوفد السيد لحبيب بن الطالب، عضو في مجلس المستشارين عن حزب "حزب الأصالة والمعاصرة" (البام)، ورئيس الغرفة الفلاحية في جهة مراكش، الذي استضاف الإسرائيليين في بيته، وبدأ يتفاخر أمامهما بأنه لم ينجح وحده في الصعود إلى البرلمان، إنما تمكن من ضمان نجاح فلذتي كبده (ابنه وابنته) لعضوية مجلس النواب في الانتخابات الأخيرة. أما زوجته فقد سبق لها أن كانت عضوا في البرلمان على مدى ثلاث ولايات متتالية (15 سنة)، وهي اليوم تشغل منصب رئيسة المجلس الإقليمي لمراكش.

وفي لحظة غامرة بالتباهي والانتشاء المفرط، وصل الأمر بالسيد بن الطالب أن تحدث بسخرية فقال: "لو أردت أن أوصل قطة العائلة إلى البرلمان لفعلت". مضيفا أنه يتحكم في الانتخابات في جهة مراكش، وهو من يوصل من يشاء للبرلمان (!).

وأفادت الصحيفة الأميركية أن بن الطالب بدأ العمل في المجال السياسي قبل 25 سنة، ونجح اليوم في خلق ثروة كبيرة.

رأى كثير من المغاربة في الأمر فضيحة تدخل في سياق "تشويه سمعة الحياة السياسية أكثر مما هي عليه اليوم".

لكن غيرهم رأوا أن الحل الناجع لكل أسْقام الديمقراطية المغربية هو جنس "القطط" المحترمة، فلو تم اعتماد هذا الحيوان الأنيق لتمثيل الناخبين لاستقامت الأمور وصار كل شيء على ما يرام حقا وليس لفظا. خصوصا وأننا نتكلم عن حيوان أليف، يتميز بحساسية ووداعة وإيثار، ولا يتطلب سوى قليل من التدليل حتى يشيع السعادة بين الناس، لا سيما وأن المغرب يقبع في المراتب الأخيرة ضمن المؤشر العالمي للسعادة الذي تصدره سنويا الأمم المتحدة. وإذا أدركنا أن مهمة الشأن السياسي العام، ليست سوى البحث عن السبل المكنة لإشاعة السعادة بين المواطنين، سنوفر علينا كل التعب المبذول في إطار جهود التنمية، وسنختصر وعورة دروب المسلسل الديمقراطي، الذي امتدت حلقاته عقودا دون أن تستوي عجلاته فوق السكة القويمة. وما ذلك علينا بعزيز. بعد أن أخبرنا الدنيا في حملات إعلانية سابقة أن "المغرب أجمل بلد في العالم". علينا اليوم أن نشمر عن سواعدنا، ونطرد عن مواطنينا كل علامات التوتر والقلق والحزن، وننسيهم في معضلات البطالة والتهميش وفساد التعليم والصحة والرشوة والزبونية، ومشاكل السكن غير اللائق وارتفاع الأسعار... وهذه المرة يمكن لنا جميعا إنشاد شعار "المغرب أسعد بلد في العالم"، وذلك بلغة المواء المموسقة، المشرعة على كل الأماني والأحلام الجميلة. وكما قال مواطن يتوهم أنه يرفل في ثوب السعادة: "إن السعادة مجرد حلم فقط… وأن السعادة هي الإحساس بالطمأنينة". فلنحلم باطمئنان وبكل السعادة الممكنة، لنسلك طريق البلاد المتقدمة، ومنها جارتنا الإيبرية اسبانيا، التي أصدرت بطاقات هوية للقطط والحيوانت الأليفة، ونبتعد كل الابتعاد عن أمم مثل إيران، اعتبر برلمانيوها القطط وباقي الحيوانات الأليفة كائنات ضارة فجرموا تربيتها. غير مدركين أن معاملة الحيوان تقاس عليها معاملة الإنسان. 

ما العلاقة يا ترى بين القطط والديمقراطية؟  

الجواب طبعا ليس في المتناول، وإن كان بعض النقاد الغربيين رأوا في قصيدة بعنوان "القطط" لشارل بودلير (1821-1867)، "رمزا للديمقراطية" عند هذا الشاعر الفرنسي اللعين. وكان الكاتب المغربي عبد الغني أبو العزم أقدم على ترجمة وتحليل هذه القصيدة.

لكن دخول القطط معترك السياسة والبرلمان ليس أمرا جديدا، فلطالما أطلق على طبقات وفئات طفيلية وصف "القطط السمان"، للتدليل على جشعها وفسادها المالي وترفها المفاجئ. وليس تعاطف البرلماني بن الطالب مع القطط إلا باب إعادة الاعتبار لهذه الفصيلة من الحيوانات الأليفة. بالرغم من انحيازه لقطته المدللة دون سواها من القطط، خصوصا منها قطط الشوارع، والتي سبق لأكثر من برلماني أن تقدم بملتمس لمحاربة انتشارها مع الكلاب الضالة في منطقته. علما أن النواب البريطانيين ومكتب رئاسة الحكومة البريطانية عندما فكروا في الاستعانة بخدمات القطط أتوا بها من ملاجئ الكلاب والقطط الشاردة في الشوارع الخلفية للندن.

ومن أسباب السعادة التي ستدخلها القطط البرلمانية في نفوس المواطنين، هي عندما يشاهدونها نائمة تغط في الشخير تحت صرح البرلمان، ساعتها لن ينزعج أي أحد أو يوجه سهام غضبه وسخريته منها، كما يفعلون إزاء مشاهد وصور سبات البرلمانيين البشر، الذين يحولون قاعة البرلمان أثناء الجلسات إلى غرف كبيرة للتثاؤب والنوم العميق. فالخمول والنوم طبيعي لدى القطط. وفي المعتقدات الشعبية بالمجتمعات العربية يقولون إن هرير أو خرخرة القطط يعني أنها تراجع حفظها لآيات القرآن.

فلنمرن قططنا جيدا ونعمل على أن تحفظ تقرير النموذج التنموي الجديد لنرشحها لقبة البرلمان، فقبل الحرب الروسية في أوكرانيا نشر مواطن موسكوبي صورة لقطه الأغبر معلناً ترشيحه لمجلس الدوما، وكانت المفاجأة أن صوت على القط المرشح رواد مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة، فحصد أكثر من تسعين في المائة من الأصوات.

لكن الخوف على القطط الوديعة من محدثي النعمة ممن يعرفون بـ"القطط السمان"، فقد يصوتون على قوانين تمنع مشاركة القطط في اللعبة الديمقراطية، بل وتجيز أكل لحمها، ليس من أجل "جلب الحظ السعيد" كما تفعل بعض القبائل الإفريقية من آكلة لحم القطط، ولكن من أجل المزيد من الإثراء الفاحش. وقد يقررون تصدير لحوم القطط والكلاب إلى البلدان التي تجيز أكلها. 

بالرغم من كل شيء، فإننا نعول على قوة القطط، وعلى تعدد أرواحها السبعة، وعلى خرخرتها وهي تموء تحت قبة البرلمان، دفاعا عن دفء الأمان والاستقرار انتصارا لسيادة الروح الديمقراطية. ومهما يكن فالقط أفضل من حيوان الحمار الذي كان حزب الاستقلال سيورطنا في نهيقه، النهيق الذي يعتبره القرآن من أنكر الأصوات، لما أقحم أمينه العام (حميد شباط) حمارا في مظاهرة احتجاجية، ومشى به في مقدمة مسيرة بمدينة الرباط ضد غلاء المعيشة سنة 2013.

مهما قالوا من هجاء في القطط أو اتهموها بنكران الجميل، فإنها لن تبلغ درجة عدم وفاء البشر المنتخبين الذين نعرفهم وجربناهم. فدعونا نجرب صفاء المواء، لا إزعاج النهيق.

إن القطط لديها صدق عاطفي كبير. وكما قال إرنست همنغواي "يمكن للبشر لسبب أو لآخر إخفاء مشاعرهم، لكن القط لا يفعل ذلك".

لذلك، فلنصوت جميعا لقطة عائلة بن الطالب، حتى لا تبقى وحيدة في البيت وتكتئب، لما ينشغل عنها أصحابها بأشغال البرلمان.

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا
جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا

محمد المحمود

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).