Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"غياب كثير من  القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية".
"غياب كثير من القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية".

مالك العثامنة

عام ١٩٤٣، وأمام مجلس العموم البريطاني صرح أنتوني إيدن، وزير خارجية بريطانيا "وكانت لا تزال في أوج قوتها كدولة عظمى" بأن الحكومة البريطانية تنظر بعين «العطف» إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية. 

هذا "العطف" يشبه "عطف بلفور" على اليهود، مما يعطي إلى حد ما تصريح إيدن عنوانا تاريخيا لم ينتبه إليه أحد يمكن تسميته بوعد إيدن. 

وعطف لندن وقتها كان يعني سياسة مدعومة بالكامل لو توفرت الإرادة، فماذا نتج عن هذا العطف "البريطاني" وماذا تمخض عن "وعد إيدن"؟ 

في العام التالي من "وعد إيدن" أمام مجلس العموم والذي كان سبقه خطاب لإيدن نفسه يرجو فيه قادة ومفكري الدول العربية إلى تحقيق درجة وحدة أكبر من التي هم عليها، بدأت المراسلات العربية لتحقيق "الوحدة بحدها الأدنى" بين مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر الملكية، و رئيس الوزراء السوري جميل مردم بك ورئيس الكتلة الوطنية اللبنانية بشارة الخوري "الرئيس اللبناني بعد شهور من تلك المراسلات" للتباحث معهما في القاهرة  حول فكرة (إقامة جامعة عربية لتوثيق التعاون بين البلدان العربية المنضمة لها)، تلك المراسلات تسارعت بالتوسع لتضم فورا الأمير عبدالله الأول، مؤسس إمارة شرق الأردن "المملكة الأردنية الهاشمية بعد ذلك" وتتابعت سلسلة من المشاورات الثنائية بين مصر من جانب وممثلي كل من العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن من جانب آخر، وهي المشاورات التي أسفرت عن بروز تيارين رئيسين بخصوص موضوع الوحدة: تيار  يدعو إلى ما يمكن وصفه بالوحدة الإقليمية وقوامها سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب. والتيار الثاني يدعو إلى وحدة أكبر اتساعا في الجغرافيا يشمل فيه عموم الدول العربية المستقلة. ذات التيار الثاني أيضا برزت فيه آراء متعددة برز منها توجهان : أحدهما يدعو لوحدة إما  فيدرالية  أو كونفدرالية بين الدول المعنية، والتوجه الآخر يطالب بصيغة وسطية تحالفية، تحقق التعاون والتنسيق في سائر المجالات وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال الدول وسيادتها. 

ومن الواضح أمام معرفتنا بتاريخنا العربي المعاصر والمتخم بالمناكفات والإقصاء والشعور الواهم بالتفوق السيادي، فإن الرأي الأخير هو الذي تغلب على باقي الآراء "الوحدوية" وانتهى "وعد إيدن" عام ١٩٤٥ بنشأة جامعة الدول العربية، وحين أقرأ التاريخ من جديد واضعا نفسي في سياقه الفانتازي فإنني أتخيل أن إيدن نفسه قد خاب أمله بهذه الولادة الهزيلة لدول حاربت من أجل استقلالها عن العثمانيين ثم القوى الاستعمارية الأوروبية نفسها لتنتهي بتلك "الجامعة" التي كانت طوال تاريخها "المليء بالبيانات وأطنان الورق المهدور" كرة من قش تتقاذفها الأنظمة العربية حسب متغيرات العالم والإقليم. 

ميثاق الجامعة الذي انعقدت على أساسه كل تلك الوحدة، يبدو اليوم غريب الوجه واليد واللسان، حتى إن ضم الجامعة للصومال وجيبوتي كان يشبه تطويعا لبلدين لا يرتبطان بالعالم العربي بأي صلة، لكن الحيلة التطويعية أقرت "أن أصل وجذور شعوب البلدين هو الانتماء العربي" (!!) لننتهي بمقعدين زيادة في تجمع لزوميات ما لا يلزم. 

لم تتوفر في الجامعة أي من منطلقات إيدن الذي كان يمثل الاستعمار الآثم الغاشم حسب أدبيات "القومجية العربية" التي سادت في الخمسينيات بعد ذلك ووظفت تلك القومية التقدمية الثورية مؤسسة الجامعة العربية كأداة سياسية للاستقطاب الثقيل. 

ثم مرت الجامعة بتاريخ طويل من الاستهزاء الجماهيري الذي كان يعكس واقعها البائس والمؤسف، حتى ان الدكتاتور الليبي معمر القذافي نفسه استهزأ بها في أحد قممها مؤكدا أن بياناتها معدة سلفا مما يجعل القمم المنعقدة بروتوكولا للديكور الاستعراضي لا أكثر. 

وكم شهدت تلك القمم حوادث وأحداث كشفت التباعد في مصالح الدول الأعضاء حتى جاءت النهاية الحقيقية للجامعة بعد غزو الدكتاتور العراقي صدام حسين للكويت، وما تبع ذلك من تداعيات تراجيدية لكنها كشفت واقعا حقيقيا مفاده أن سيادة الدول الأعضاء تحكمها مصالح تلك الدول لا غير. 

واليوم، تنعقد القمة العربية في الجزائر لتؤكد المؤكد، وقبل انعقادها بساعات تشهد أول خلاف بين الدولة المضيفة وجارتها المملكة المغربية على نزاع إقليمي لا يمكن حله إلا باحتواء إقليمي لن تستطيع الجامعة بلوغه. 

غياب كثير من  القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية أدرك فيها "العقلاء الجدد" من قيادات المنطقة أن التفاهمات الإقليمية القائمة على مصالح مشتركة واتفاقيات إقليمية تشاركية اقتصادية وتنموية هي أهم بكثير من ديكور السجادة الحمراء والقاعة المترفة بطاولة مستديرة محاطة بالورود. 

السعودية بررت غيابها بعارض صحي، وهو تبرير مهذب لا يمكن رده كما لا يمكن أخذه بجدية، لكنها الدبلوماسية كما يقولون، والملك المغربي في اللحظة الأخيرة برر غيابه بأسباب إقليمية، وهو ما يجعل التبرير عنوانا ضروريا لقمة مغاربية أو دولية لحل الأزمة بين الجارتين، لكن الجزائر فضلت أن لا تنصت للبرقية المغربية وآثرت أن تمضي في استعراضها الواهم بإعلان المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية والتي سيخيب ظن الجزائريين بها قريبا. 

الملك الأردني، وبحسابات براغماتية واقعية ومنطقية وجد أن معرض سوفكس الذي حضره في الأردن له تداعيات إيجابية أكثر في ميزان المصالح الأردنية ضمن سياق إقليمي، بالإضافة إلى أن زيارة وزير الخارجية الروسي إلى العاصمة الأردنية، الخميس، ينبغي التحضير لها بشكل جيد، مع الانتباه إلى أن إيفاد ولي العهد الأردني يشكل فرصة جيدة لتمرين تعبوي وميداني مهم لمشروع الملك الأردني القادم. 

حضور باقي القيادات العربية على مستوى الرؤساء غالبا كان لغايات إقليمية تهم مصالح تلك الدول، لكن ليس من بينها "لم الشمل العربي" كما اختارت القمة عنوانها هذه المرة! 

هذه القمة، تثبت نجاح كل ما يعاكس ميثاق جامعتها العربية، فالتفاهمات الإقليمية التي تفضي إلى اتفاقيات تعاون اقتصادي أو تنموي وحتى عسكري تجمعها المصالح السياسية للدول أجدى وأكثر نفعا من قمم لم شمل لا يمكن لمه. 

"لم الشمل"، عبارة لها حساسيتها المعنوية عند اللاجئين العرب وقد شتتهم مسلسل الأزمات العربية بمأساويته، وتحقيقها عند اللاجئ العربي أينما كان ملجأه، فيه أمل أكبر من أمنيات القمة في الجزائر.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا
جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا

محمد المحمود

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).