Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"غياب كثير من  القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية".
"غياب كثير من القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية".

حسين عبد الحسين

قدم البيان الختامي لقمة جامعة الدول العربية، المنعقدة في الجزائر، الأسبوع الماضي، لمحة عن الأمراض العربية المزمنة، والفشل في الرؤية والموقف والأخلاق، وانعدام القدرة على الحكم أو على تصور مستقبل أفضل للعرب في دولهم.

تستثنى من الفشل دول عربية تقدم نجاحات باهرة، مثل الخليجية منها، فيما يعكس البيان انحطاط الأعضاء الآخرين ممن يفرضون آراءهم البائسة على بيانات هذه المنظمة الإقليمية.

على عادتهم، حاول بعض القادة العرب إخفاء فشلهم في الحكم بالحديث عن الشؤون الدولية والإقليمية، فتصوروا أنفسهم طليعيين ساعين للتحرر من قوى الاستعمار والإمبريالية في عالم ولّى منذ عقود.

أما البطولة العربية، فيبدو أنها تكمن اليوم في رفض عالم ذي قطب واحد، أي رفض القوة الأميركية، والمطالبة بعالم متعدد الأقطاب، وكأن الكويت كان لها من يحررها من احتلال العراقي الراحل، صدام حسين، غير القوة الأميركية، وهي القوة ذاتها التي أوقفت مجازر صدام ضد شيعة الجنوب وكرد الشمال. أو كأن أقطاب العالم، لا قوة أميركا، هي التي انتزعت ترسانة بشار الأسد الكيماوية منه بعدما استخدمها ضد السوريين، أو كأن أقطاب العالم هم من رعوا قيام سلطة فلسطينية واعتراف العالم بها. 

ورفض "إعلان الجزائر" لعالم تقوده الولايات المتحدة والغرب هو عنوان سبق أن رفعه الإسلام السياسي في سنوات "الربيع العربي"، التي أمسك بها الاسلامويون بالحكومات، مثل الرئيس المصري، محمد مرسي، الذي سعى لضم مصر إلى "مجموعة بريكس"، وهي مجموعة أظهرت الأيام منذ ذلك الحين فشلها الذريع، حتى في موضوع إقامة مصرف دولي ونقد موحّد.

مؤسفٌ أن تقرر الجامعة العربية أن تذهب إلى الحج والناس عائدة، فترفع شعار عالم متعدد الأقطاب في وقت انتهت الفورة الاقتصادية الصينية، وبان زيف الدعاية الروسية حول قوتها العسكرية المزعومة، التي فشلت في التغلب على جارتها الضعيفة، أوكرانيا.

على أن الفشل الأخلاقي العربي الأكبر يكمن في التناقض الصارخ في دعوة "إعلان الجزائر" المجتمع الدولي إلى فرض إقامة دولة فلسطينية، حسب المؤتمرين العرب، من باب المنطق والإنسانية المجرّدة. لكن هذه الإنسانية، التي يطالب بها العرب في فلسطين، تتبخر في الموقف العربي حول أوكرانيا، فيتبنى "إعلان الجزائر" سياسة عدم انحياز في حرب روسيا على الأوكرانيين. 

هناك، في موسكو، دكتاتور يتماهى معه بعض القادة العرب ويرون فيه أداة مفيدة لمناكفة القوة الأميركية، لذا، لا يريد هؤلاء القادة إغضاب طاغية روسيا، فلاديمير بوتين، فيقفون، والإنسانية التي يطالبون العالم بتطبيقها في فلسطين، على الحياد في أوكرانيا، التي اجتاحها بوتين وارتكب مجازر بسكانها، ويرتكب بحقها جرائم حرب باستهداف البنية التحتية المدنية. 

وفي العالم متعدد القطبية الذي ينشده الزعماء العرب، لا يتلفظ "إعلان الجزائر" بكلمة إيران ولا مرة واحدة. قبل أقل من عام، ضربت الدرونات الإيرانية المفخخة أهدافا مدنية وبنية تحتية نفطية في الإمارات والسعودية. وعلى مدى الأعوام الماضية، قامت إيران وميليشياتها بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات في لبنان والعراق، ودمرت اليمن. مع ذلك، لا ترد كلمة عن إيران في "قمامة" الجزائر.

ويقدم "إعلان الجزائر" كمية هائلة من التناقضات في الخطاب الخشبي العربي المعروف حول فلسطين. من ناحية، يتواصل التناقض في طرح حل دولتين ذات سيادة، فلسطين إلى جانب إسرائيل، وفي نفس الوقت التغاضي عن سيادة إسرائيل وإجبارها على السماح بعودة ملايين الفلسطينيين إليها.

من ناحية ثانية، يوصي "إعلان الجزائر" بإتمام المصالحة الفلسطينية بين سلطة محمود عباس وحماس. لكن حماس لا تقبل حل الدولتين، بل هي توافق على دولة فلسطينية وهدنة مع كيان ترفض الاعتراف به وتعد بمواصلة السعي على تدميره.

هكذا، تحت بند واحد للقضية الفلسطينية، تقدم الجامعة العربية ثلاث أو أربع أفكار متضاربة، تناقض واحدة الأخرى، ثم تدعو العالم لدعم هذا التخبط العربي وملاحقة الإسرائيليين أمام القضاء الدولي، وهذا كله في سياق الدعوة إلى سلام مع إسرائيل.

ثم يجود "إعلان الجزائر" بحديثه عن العدالة، لكنها ليست عدالةً داخل الدول العربية تحاسب زمر الفساد الحاكمة في بعض الدول والميليشيات العنيفة التي عاثت قتلا ودمارا في البلاد والعباد، بل هي عدالة مبنية على "المساواة السيادية".

و"المساواة السيادية"، أيها السيدات والسادة، تعني أن بعض الدول العربية ترغب في أن تواصل عيشها في العفن الذي تعيش فيه، مثل السلطة الفلسطينية الغارقة في الفساد المدقع، أو الحكومة التونسية التي قدمت دستورا ضحلا لا عمق فيه ولا رؤية، أو الدول المنهارة كاليمن وليبيا، والمتلاشية كلبنان. "المساواة السيادية" هنا تعني ألا تطالب الدول الغربية بوقف الفساد وبناء دول ليبرالية فعلية، وإن غير ديمقراطية، تمنح المواطنين أمنا وأمانا، وعيشا متساويا تحت ظلّ قانون عاقل وقضاء راشد. 

منذ تأسيسها قبل قرابة 70 عاما، لم تكتسب جامعة الدول العربية احترام الشعوب العربية، بل لطالما كانت مصدرا للاستهزاء العربي، فصدرت فكاهات بحقها، من قبيل "اتفق العرب ألا يتفقوا". كذلك تناقلت ألسن العرب حادثة قيام صدّام بضرب طاغية سوريا الراحل، حافظ الأسد، بصحن سجائر، ويتذكر العرب غالبا تلك المواجهة الفكاهية التي اعتدى فيها نائب رئيس العراق، عزّت الدوري، كلاميا على وفد خليجي وقال لأفراده: "يلعن أبو شواربك، أنت أمام العراق العظيم".

الجامعة العربية كمسرح للتندر والفكاهة، بوجود شخصيات رحلت مثل طاغية ليبيا الراحل، معمر القذافي، كانت أكثر فائدة بكثير من جامعة اليوم، التي تتذاكى بألعابها الكلامية والتي يشكر بيانها رئيس الجزائر، عبدالمجيد تبّون، مرتين أو ثلاثة، وكأن الرجل صاحب إنجازات تجعله في مصاف ونستون تشرشل. 

ثم يقولون لك "إعلان الجزائر" يسعى لخلق "فضاءات لتبادل الأفكار والنقاش المثمر والحوار البناء بهدف توحيد الجهود لرفع التحديات المطروحة"، إلى آخره من بيانات صف الكلام والخرافة العربية.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف
تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف

د. عماد بوظو

في مثل هذا اليوم قبل إثني عشر عاما كان هناك شاب تونسي في السادسة والعشرين من عمره يرقد في المستشفى بعد أن أحرق نفسه احتجاجا على صفع شرطية له أمام عشرات الشهود ومصادرة عربة الفواكه التي تمثّل مصدر رزقه الوحيد، بكى حينها الشاب من شدة خجله، وقال للشرطية: لماذا تفعلين هذا بي، أنا إنسان بسيط لا أريد سوى أن أعمل، ثم حاول تقديم شكوى للبلدية دون نتيجة، فأضرم النار في نفسه، وتوفّي بعد عدة أيام، هذه هي قصة، محمد البوعزيزي، الذي كان موته الشرارة التي أشعلت عدة ثورات ضد أنظمة حكم ديكتاتورية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كانت تتعمد إهانة مواطنيها لقناعتها بأنها لا تستطيع الاستمرار في الحكم إلا عبر زرع الخوف في قلوب الشعب. 

في ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع أن إهانة هذا الشاب ستنهي حكم، زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، في الموجة الأولى، وحكم عمر البشير، وعبد العزيز بوتفليقة، في الموجة الثانية، بحيث لم يبقَ من تلك الأنظمة اليوم سوى سلطة شكليّة لبشار أسد على بلد منقوص السيادة، خصوصاً لأن جميع هؤلاء الرؤساء وبعد عقود من السلطة المطلقة توصّلوا إلى قناعة باستحالة تجرّؤ الشعب على الثورة ضدهم حتى بلغ الاستهتار عند بعضهم إلى حد محاولة تمهيد الطريق لتوريث الحكم لأولادهم. 

وقد أدت هذه الثورات إلى غرق الدول التي كانت مؤسسات الدولة فيها ضعيفة مثل ليبيا وسوريا واليمن في الفوضى حتى اليوم، بينما شهدت دول أخرى بدايات تحوّل نحو نظام ديمقراطي، ففي مصر تم إجراء أول انتخابات بعد الثورة فاز فيها بأغلبية بسيطة مرشح للإخوان المسلمين وسرعان ما ثار الشعب المصري على حكم هذا التنظيم وتمكّن من إسقاطه بعد عام واحد لأنه لا يملك برنامجاً للحكم. 

وأجريت انتخابات فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وكان من الممكن أن تتابع الأوضاع سيرها نحو التحوّل الديمقراطي لكن تعديلات "دستورية" تم إقرارها عام 2019 قضت على أي أمل بتحقيق ذلك، لأنها فتحت الباب لبقاء الرئيس السيسي في الحكم لستة عشر عاما متواصلة من عام 2014 حتى عام 2030، وترافقت هذه التعديلات مع استفراد مؤسسة الرئاسة بالسلطة وغياب دور أجهزة الدولة وتراجع غير مسبوق في هامش الحرّيات. 

وفي السودان انقلب المكوّن العسكري على المكوّن المدني في سعي للانفراد بالحكم رغم تواصل الاحتجاجات الشعبية ضده ورغم الرفض الدولي الواسع له، وفي الجزائر بعد عزل بوتفليقة وعائلته عام 2019 والتي كان من الممكن أن تشكّل بداية تحول سياسي حقيقي توفّي رئيس الأركان وقتها، قايد صالح، بأزمة قلبية مما أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاحتجاجات. 

وفي يوليو من عام 2021 اكتملت انتكاسات التحوّل الديمقراطي في تونس عندما قام الرئيس قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة وحصر السلطة في يده تحت شعار إصلاح مسار الثورة بينما رأت فيه المعارضة والمنظمات الدولية إنقلابا على الثورة، وعندما أقال قيس سعيد 57 قاضيا بتهمة الفساد وحماية الإرهابيين ضمن ما أسماه تطهير القضاء عقّب الناطق باسم الخارجية الأميركية "بأن إجراءات التطهير تشير إلى نمط مُقلق من التصرفات التي تقوّض المؤسسات الديمقراطية المستقلة في تونس". 

وترافق انفراد قيس سعيد بالسلطة مع زيادة في إنهيار الوضع الإقتصادي والمعيشي تظاهر في عجز غير مسبوق في الميزان التجاري وارتفاع نسبة التضخّم وزيادة المديونيّة مع نقص السلع الغذائية الأساسية والوقود أدّت إلى زحام وفوضى في الأسواق وارتفاع في الهجرة غير الشرعية عبر القوارب إلى أوروبا وما رافقها من غرق عشرات الشباب. 

ولا يستطيع الرئيس قيس سعيد إلقاء اللوم في ما يحدث في تونس على أحد سواه، فهو صاحب السلطة المطلقة الذي قاد البلد إلى ما هي عليه اليوم ولذلك فقد تأييد أغلب القوى السياسية حتى تلك التي ساندته في البداية، وفي محاولة لإضفاء شرعية على حكمه دعا إلى إجراء انتخابات برلمانية، ولكن الشعب قاطعها وعلّقت وكالة رويترز، "لقد أظهر التونسيون اهتماما قليلا بالتصويت نتيجة النظرة إليها كتتويج لسعي شخص واحد للانفراد بالسلطة في بلد تخلّص من الديكتاتورية عام 2011"، وتراوحت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بين 8.8 في المئة كما قالت البيانات الرسمية في الأيام الأولى للانتخابات وبين 11.22 في المئة كما قالت في البيان النهائي، وهي في الحالتين نسبة مشاركة منخفضة بشكل قياسي. 

ولا تقتصر حالة الاستياء الشعبي في تونس على قيس سعيد وإجراءاته وقراراته غير المدروسة بل تشمل كذلك أحزاب المعارضة وخاصة الإسلامية ولذلك علّقت نسبة من التونسيين آمالها على الاتحاد العام للشغل الذي حافظ خلال الفترة الماضية على مواقف متوازنة، إلى أن أوضح أخيرا رفضه لهذه الانتخابات واصفاً إيّاها بأنها "بلا طعم أو لون وجاءت نتيجة دستور لم يكن تشاركياً ولا محل إجماع أو موافقة الأغلبية"، وبعد صدور النتائج قال الاتحاد إن "التدنّي الكبير في نسبة المشاركة يفقدها المصداقية والشرعية وأنه يعكس موقفاً شعبياً رافضاً لهذه الإجراءات وعزوفاً واعياً عن مسار متخبّط لم يجلب للبلاد سوى المزيد من المآسي والمآزق بدايةً من التغيير القسري للدستور باتجاه حكم رئاسي منغلق يشكّل تربة صالحة للاستبداد وحكم الفرد". 

ونسبة المشاركة المنخفضة هذه تذكّر بالإنتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر حيث قالت الأرقام الرسمية وقتها إن نسبة المشاركة فيها كانت 28 في المئة ورغم أن هذه النسبة منخفضة ولكن جورج إسحق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان قال إنه "جرى تبديل أصوات وإضافة عشرات آلاف الأصوات لبعض المرشحين بما يذكّر بانتخابات عام 2010 والتي كانت من أسباب الثورة"، بما يوحي بأن النسبة الحقيقية للمشاركين في الانتخابات المصرية لا تختلف كثيراً عن نسبة المشاركين بالانتخابات التونسية الأخيرة نتيجة معرفة الشعب بأنها انتخابات صوريّة هدفها إضفاء شرعية على أنظمة حكم بعيدة عن الديمقراطية. 

والذريعة الرئيسية التي يقدّمها هؤلاء الرؤساء للانفراد بالسلطة هو الخطر المزعوم للإسلاميين مع أن شعبية الإسلاميين قد انخفضت بشدة خلال السنوات الأخيرة ففي تونس تراجعت مقاعدهم في البرلمان من 89 مقعدا في أول برلمان منتخب عام 2011 الى 52 مقعدا في آخر انتخابات عام 2019 لأنهم لا يملكون حلولاً لمشاكل البلد فهم مجرّد حزب مكانه الطبيعي في المعارضة حيث يردّد شعارات غامضة ليس لها أي معنى مثل الإسلام هو الحل ويعتاش في مقاعد المعارضة على الأكسجين الذي تزوّده به أنظمة الحكم الفردية من خلال فشلها وممارساتها القمعية. 

والتذكير اليوم بحادثة البوعزيزي قد ينبّه الرؤساء الذين يحاولون العودة ببلادهم إلى الحكم الديكتاتوري أن الشعوب اليوم تعرف قوتها، وأن سبب صبرها هو أنها أكثر وعياً من حكامها وتريد تجنّب الفوضى، لأن الأوضاع الإقتصادية والمعيشية أصبحت أسوأ بما لا يقاس من أيام البوعزيزي، وأي انفجار يحدث في مثل هذه الظروف قد يحمل مخاطر جسيمة، وحتى لا يقع هذا الانفجار ربما من الأفضل لهؤلاء الحكّام الاستماع إلى ما قاله رئيس الاتحاد العام للشغل في تونس للرئيس قيس سعيد "لقد فشلتم فشلاً ذريعاً في إدارة البلاد ويجب العمل على خارطة طريق للإنقاذ"، لأن هذه الجملة يمكن أن تُقال لهم جميعا لأن انفرادهم في السلطة وقراراتهم غير المدروسة لم تؤدي سوى إلى مآس وأزمات لم يسبق لها مثيل. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).