Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

من الدوحة قبل أيام على انطلاق المونديال
من الدوحة قبل أيام على انطلاق المونديال

نضال منصور

قبل 10 أيام على انطلاق مونديال كأس العالم لكرة القدم في قطر ما تزال حملة الانتقادات مستمرة، ودعوات للاحتجاج، والمقاطعة تتواصل، والحقيقة التي تعرفها الدول التي تُبدي امتعاضها من استضافة الدوحة للمونديال، وكذلك المؤسسات الإعلامية، والحقوقية أن البطولة ستُقام في موعدها في العشرين من الشهر الجاري.

قبل 12 عاما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" عن فوز قطر باستضافة مونديال 2022، يومها ضجت الدنيا ولم تصمت، فلم يكن يدور في خلد أحد أن تتغلب دولة عربية صغيرة على منافس مثل إنجلترا التي كانت متأكدة أنها ستحظى بتنظيم البطولة، وعندها أثير على نطاق واسع اتهامات لقطر، ولقيادة الـفيفا أن فسادا، ورشاوى كانت وراء منح قطر حق استضافة المونديال.

فتحت لجنة الأخلاق في "فيفا" تحقيقا موسعا استمر لمدة عامين، وتوصل إلى نتيجة حاسمة ببراءة قطر من كل الاتهامات التي تعالت، وما أن هدأ، وتلاشى حديث الفساد، حتى بدأت حملات تحت يافطة "حقوق الإنسان" تُسلط الضوء على انتهاكات قطرية لحقوق العمال المهاجرين الذين أسهموا بدور أساسي في تشييد البنية التحتية للمنشآت الرياضية، والخدمات العامة أيضا، وفتح ملف القيود المفروضة على "المثليين"، ونشرت هيومن رايتس ووتش تقارير عن اعتقالات، وانتهاكات بحقهم.

قطر ليست بالتأكيد الدولة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون، ولكن القيادة السياسية في الدوحة ترى أن ما يُقال بحقها حملة ممنهجة، ولهذا يقول أمير قطر، الشيخ تميم، إن بلاده تتعرض لحملات غير مسبوقة، لم تشهدها أي دولة مُستضيفة لكأس العالم، وإنها وصلت حد الافتراء، في حين لم يتردد وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل خليفة، من وصف هذه الهجمات بالنفاق، والدعوات لمقاطعة البطولة بأنها تفتقد للموضوعية، وملخص الأمر برأيه أن هناك أشخاصا لا يقبلون أن تقوم دولة صغيرة في الشرق الأوسط باستضافة الحدث العالمي.

أعدت منصة "AJ+" الإعلامية فيديو يناقش الحملات التي تُشن على الدول المضيفة للمونديال إذا كانت ليست أوروبية، ويذكر التقرير الإعلامي أن آخر مونديال لُعب في دولة أوروبية كان في ألمانيا عام 2006، وحينها لم تتعالَ أصوات الانتقادات، في حين أن المونديال الذي أقيم في جنوب إفريقيا عام 2010 حفل بحديث عن الوضع الأمني غير المستقر والآمن، وارتفاع معدلات الجريمة، والفقر، واستمرت الحملات في بطولة كأس العالم في البرازيل عام 2014، وهذه المرة أعيد طرح سلامة الوضع الأمني، وانتشار العنف، وارتفاع النفقات لكأس العالم على حساب الخدمات العامة دون أن يستدركوا أن البطولة حققت انتعاشا اقتصاديا للبرازيل بقيمة 30 مليار دولار، وفي مونديال روسيا عام 2018 أثير كلام عن العنصرية، وارتفاع كلف السفر والإقامة، والشغب، واستغلال روسيا لهذه التظاهرة الرياضية العالمية للترويج لوجودها كلاعب سياسي.

تتجاهل بعض وسائل الإعلام التي تنقل هذه الحملات خطاب الكراهية، والعنصرية، وتمدد اليمين المتطرف، وظاهرة الإسلام فوبيا التي تنتشر في أوروبا، ولا تُعير اهتماما للانتقائية، والمعايير المزدوجة في المواقف عند التعامل مع الانتهاكات في فلسطين مثلا، ومقاربتها في التعامل مع الحرب على أوكرانيا.

أبرز الانتقادات لقطر قبيل بدء المونديال كان ملف العمال المهاجرين، وتردد معلومات أن 6500 عامل لقوا حتفهم خلال بناء المنشآت، وكذّبت الدوحة هذه المعلومات، وأكدت أن من توفوا من العمال خلال 12 عاما لم يتجاوزا 3 أشخاص، ونفس الأمر قيل في تقرير لـ هيومن رايتس ووتش عن اعتقالات، وإخفاء، وتعذيب لمثليين في الدوحة، ونفت الدوحة هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، وذهبت الانتقادات إلى الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تبريد الملاعب، ولم يلتفتوا لتعهدات قطر بتعويضها، أو استذكار أن تدفئة الملاعب في أوروبا خلال الشتاء تُصدر انبعاثات أكثر.

أدركت قطر منذ اللحظة الأولى أن استضافة المونديال مكلف اقتصاديا، وسياسيا، وأن ثوبها لا يخلو من العيوب، وجهدت لتصحيح مساراتها الحقوقية، فوقعت اتفاقية مع منظمة العمل الدولية، متعلقة بالحد الأدنى للأجور، وألغت نظام الكفيل، وأقرت قانونا للمستخدمين في المنازل، وصندوق دعم وتأمين العمال، ولجانا لفض النزاعات، وقامت بإلزام أصحاب العمل بالدفع الإلكتروني للعمال للحد من سرقة رواتبهم، وتعهدت لاحقا بالسماح برفع أعلام المثليين، وسمحت ببيع المشروبات الكحولية قبل المباريات، وبعدها.

لاحظ الفيفا الحملات التي تُشن على قطر، ولذلك وجه رسالة عالمية تُطالب بعدم جر كرة القدم إلى معارك أيدولوجية، وسياسية، وأن لا تكون فرصة لتوزيع دورس أخلاقية، ولكن هذه الرسالة لم تجد آذانا مُصغية عند بعض المنتخبات التي قررت على سبيل المثال؛ أن تضع شارات لقوس قزح رمزا للمثليين، وتضامنا معهم، واستمرت دول في توجيه سهام النقد، ظاهر الأمر قضايا حقوقية، وباطنها صراع على المصالح، وصفقات كانت تتوقع أن تجنيها ولم تتحقق.

"أنا عربي وأدعم قطر" هاشتاج أطلق نهاية أكتوبر الماضي، ولقي رواجا في العالم العربي، وخلال 70 ساعة استُخدم هذا الوسم 60 ألف مرة، والحملة تريد أن تُناصر قطر ضد حملات التشويه التي تتعرض لها، وتُبرز ما فعلته لإنجاح أكبر تظاهرة رياضية في العالم، وتشرح بوضوح أن خلف الحملة دوافع عنصرية، وانتقائية، ومعايير سياسية مزدوجة.

بالمقابل فإن المؤسسات المدافعة عن القضية الفلسطينية، والنشطاء على منصات التواصل الاجتماعي وجدوا أن المونديال فرصة لعرض عدالة القضية الفلسطينية، ولفت الأنظار لها، وأول ما دعوا له حمل الإعلام الفلسطينية في الملاعب، وأطلقوا هاشتاج "فلسطين في مونديال قطر"، ودشنوا خطة من 5 نقاط لتصبح فلسطين حديثا للعالم في المونديال، في مقدمتها ارتداء شارة الكابتين بألوان العلم الفلسطيني، ورفع العلم الفلسطيني في المدرجات، والهتاف لفلسطين، وانتشار سفراء فلسطين في الملاعب وما حولها للتعريف بها، ودعوة المعلقين الرياضيين، والمؤثرين على السوشيل ميديا لتسليط الضوء على قضية فلسطين خلال تغطيتهم للمباريات، واستخدام وسم فلسطين في مونديال قطر بشكل موحد.

حملات الانتقادات التي لاحقت قطر مهما كانت لا تستطيع أن تُخفي المُنجز الذي صنعته، ولا يتردد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم في القول "إن مونديال قطر سيكون مبهرا، والأجمل".

قطر أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف المونديال منذ تاريخ انطلاقته، وانفقت حسب التقديرات 220 مليار دولار استُخدمت في تشييد بنية تحتية متطورة، وخاصة شبكة طرق "مترو"، وبناء مدن جديدة، وثمانية ملاعب عالمية.

تتوقع قطر أن يزورها خلال البطولة للتشجيع بين مليون و200 ألف إلى مليون ونصف المليون زائر، وأن تصل عائدات القطاع السياحي إلى 7.5 مليار دولار حسب تقديرات شركة الأبحاث الاقتصادية كابيتال إيكومونيكس البريطانية، في حين يرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد القطري سيجني عشرات المليارات من تنظيم البطولة، وأن يصل النمو الاقتصادي إلى 4.4 بالمئة.

واجهت قطر كل التحديات التي اعترضتها بدءا من تبريد الملاعب، مرورا باستخدام سفن عائمة لإقامة المشجعين، وإنشاء قرى المشجعين، وفرض تدابير للانفتاح الاجتماعي، وتخفيف قبضة التشدد، وكل هذا تراه يصب في رؤيتها الوطنية 2030 لتصبح مجتمع عالمي.

كأس العالم 2022 بتعويذة عربية ترتدي "الغطرة والعقال"، وملاعب، وأهازيج مستوحاة من التراث، وما يجب أن نتذكره أن قطر لا تتوقع أن تقطف ثمار المونديال سياسيا واقتصاديا خلال أيام، فهي لم تدفع المليارات لتستعيدها بنفس الوقت.

أثبتت السياسة القطرية على مدار السنوات الماضية ذكاء منقطع النظير، فهي استطاعت من خلال شبكة الجزيرة أن تتصدر الدول التي تسيطر على الإعلام، وبالتالي تساهم في صناعة الرأي العام العربي، والدولي، وبذات الوقت عملت من خلال شبكة "بي إن سبورت" الرياضية إلى الاستحواذ على اهتمام ملايين الشباب، ولم تترك الساحة في ميدان السياسة، فكانت الدولة الصغيرة التي تفتح الأبواب لمبادرات للحوار والمصالحات، والكل يتذكر دورها بعد سيطرة طالبان في أفغانستان.

لم تبنِ قطر جيوشا جرارة لتضع بصمتها على الخارطة العالمية، بل استخدمت "القدوة الناعمة" بامتلاكها منصات إعلامية تدخل كل بيت، فأصبحت "حصان طروادة" الذي يساعدها على الصمود، والمواجهة، والتقدم، والوجود.

"أنا عربي وأدعم قطر"، ليس دعوة "شوفينية" بل محاولة للتذكير أن من حق العرب أن يصنعوا حدثا بنجاح دون شيطنتهم، واتهامهم.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).