Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

من الدوحة قبل أيام على انطلاق المونديال
من الدوحة قبل أيام على انطلاق المونديال

نضال منصور

قبل 10 أيام على انطلاق مونديال كأس العالم لكرة القدم في قطر ما تزال حملة الانتقادات مستمرة، ودعوات للاحتجاج، والمقاطعة تتواصل، والحقيقة التي تعرفها الدول التي تُبدي امتعاضها من استضافة الدوحة للمونديال، وكذلك المؤسسات الإعلامية، والحقوقية أن البطولة ستُقام في موعدها في العشرين من الشهر الجاري.

قبل 12 عاما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" عن فوز قطر باستضافة مونديال 2022، يومها ضجت الدنيا ولم تصمت، فلم يكن يدور في خلد أحد أن تتغلب دولة عربية صغيرة على منافس مثل إنجلترا التي كانت متأكدة أنها ستحظى بتنظيم البطولة، وعندها أثير على نطاق واسع اتهامات لقطر، ولقيادة الـفيفا أن فسادا، ورشاوى كانت وراء منح قطر حق استضافة المونديال.

فتحت لجنة الأخلاق في "فيفا" تحقيقا موسعا استمر لمدة عامين، وتوصل إلى نتيجة حاسمة ببراءة قطر من كل الاتهامات التي تعالت، وما أن هدأ، وتلاشى حديث الفساد، حتى بدأت حملات تحت يافطة "حقوق الإنسان" تُسلط الضوء على انتهاكات قطرية لحقوق العمال المهاجرين الذين أسهموا بدور أساسي في تشييد البنية التحتية للمنشآت الرياضية، والخدمات العامة أيضا، وفتح ملف القيود المفروضة على "المثليين"، ونشرت هيومن رايتس ووتش تقارير عن اعتقالات، وانتهاكات بحقهم.

قطر ليست بالتأكيد الدولة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون، ولكن القيادة السياسية في الدوحة ترى أن ما يُقال بحقها حملة ممنهجة، ولهذا يقول أمير قطر، الشيخ تميم، إن بلاده تتعرض لحملات غير مسبوقة، لم تشهدها أي دولة مُستضيفة لكأس العالم، وإنها وصلت حد الافتراء، في حين لم يتردد وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل خليفة، من وصف هذه الهجمات بالنفاق، والدعوات لمقاطعة البطولة بأنها تفتقد للموضوعية، وملخص الأمر برأيه أن هناك أشخاصا لا يقبلون أن تقوم دولة صغيرة في الشرق الأوسط باستضافة الحدث العالمي.

أعدت منصة "AJ+" الإعلامية فيديو يناقش الحملات التي تُشن على الدول المضيفة للمونديال إذا كانت ليست أوروبية، ويذكر التقرير الإعلامي أن آخر مونديال لُعب في دولة أوروبية كان في ألمانيا عام 2006، وحينها لم تتعالَ أصوات الانتقادات، في حين أن المونديال الذي أقيم في جنوب إفريقيا عام 2010 حفل بحديث عن الوضع الأمني غير المستقر والآمن، وارتفاع معدلات الجريمة، والفقر، واستمرت الحملات في بطولة كأس العالم في البرازيل عام 2014، وهذه المرة أعيد طرح سلامة الوضع الأمني، وانتشار العنف، وارتفاع النفقات لكأس العالم على حساب الخدمات العامة دون أن يستدركوا أن البطولة حققت انتعاشا اقتصاديا للبرازيل بقيمة 30 مليار دولار، وفي مونديال روسيا عام 2018 أثير كلام عن العنصرية، وارتفاع كلف السفر والإقامة، والشغب، واستغلال روسيا لهذه التظاهرة الرياضية العالمية للترويج لوجودها كلاعب سياسي.

تتجاهل بعض وسائل الإعلام التي تنقل هذه الحملات خطاب الكراهية، والعنصرية، وتمدد اليمين المتطرف، وظاهرة الإسلام فوبيا التي تنتشر في أوروبا، ولا تُعير اهتماما للانتقائية، والمعايير المزدوجة في المواقف عند التعامل مع الانتهاكات في فلسطين مثلا، ومقاربتها في التعامل مع الحرب على أوكرانيا.

أبرز الانتقادات لقطر قبيل بدء المونديال كان ملف العمال المهاجرين، وتردد معلومات أن 6500 عامل لقوا حتفهم خلال بناء المنشآت، وكذّبت الدوحة هذه المعلومات، وأكدت أن من توفوا من العمال خلال 12 عاما لم يتجاوزا 3 أشخاص، ونفس الأمر قيل في تقرير لـ هيومن رايتس ووتش عن اعتقالات، وإخفاء، وتعذيب لمثليين في الدوحة، ونفت الدوحة هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، وذهبت الانتقادات إلى الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تبريد الملاعب، ولم يلتفتوا لتعهدات قطر بتعويضها، أو استذكار أن تدفئة الملاعب في أوروبا خلال الشتاء تُصدر انبعاثات أكثر.

أدركت قطر منذ اللحظة الأولى أن استضافة المونديال مكلف اقتصاديا، وسياسيا، وأن ثوبها لا يخلو من العيوب، وجهدت لتصحيح مساراتها الحقوقية، فوقعت اتفاقية مع منظمة العمل الدولية، متعلقة بالحد الأدنى للأجور، وألغت نظام الكفيل، وأقرت قانونا للمستخدمين في المنازل، وصندوق دعم وتأمين العمال، ولجانا لفض النزاعات، وقامت بإلزام أصحاب العمل بالدفع الإلكتروني للعمال للحد من سرقة رواتبهم، وتعهدت لاحقا بالسماح برفع أعلام المثليين، وسمحت ببيع المشروبات الكحولية قبل المباريات، وبعدها.

لاحظ الفيفا الحملات التي تُشن على قطر، ولذلك وجه رسالة عالمية تُطالب بعدم جر كرة القدم إلى معارك أيدولوجية، وسياسية، وأن لا تكون فرصة لتوزيع دورس أخلاقية، ولكن هذه الرسالة لم تجد آذانا مُصغية عند بعض المنتخبات التي قررت على سبيل المثال؛ أن تضع شارات لقوس قزح رمزا للمثليين، وتضامنا معهم، واستمرت دول في توجيه سهام النقد، ظاهر الأمر قضايا حقوقية، وباطنها صراع على المصالح، وصفقات كانت تتوقع أن تجنيها ولم تتحقق.

"أنا عربي وأدعم قطر" هاشتاج أطلق نهاية أكتوبر الماضي، ولقي رواجا في العالم العربي، وخلال 70 ساعة استُخدم هذا الوسم 60 ألف مرة، والحملة تريد أن تُناصر قطر ضد حملات التشويه التي تتعرض لها، وتُبرز ما فعلته لإنجاح أكبر تظاهرة رياضية في العالم، وتشرح بوضوح أن خلف الحملة دوافع عنصرية، وانتقائية، ومعايير سياسية مزدوجة.

بالمقابل فإن المؤسسات المدافعة عن القضية الفلسطينية، والنشطاء على منصات التواصل الاجتماعي وجدوا أن المونديال فرصة لعرض عدالة القضية الفلسطينية، ولفت الأنظار لها، وأول ما دعوا له حمل الإعلام الفلسطينية في الملاعب، وأطلقوا هاشتاج "فلسطين في مونديال قطر"، ودشنوا خطة من 5 نقاط لتصبح فلسطين حديثا للعالم في المونديال، في مقدمتها ارتداء شارة الكابتين بألوان العلم الفلسطيني، ورفع العلم الفلسطيني في المدرجات، والهتاف لفلسطين، وانتشار سفراء فلسطين في الملاعب وما حولها للتعريف بها، ودعوة المعلقين الرياضيين، والمؤثرين على السوشيل ميديا لتسليط الضوء على قضية فلسطين خلال تغطيتهم للمباريات، واستخدام وسم فلسطين في مونديال قطر بشكل موحد.

حملات الانتقادات التي لاحقت قطر مهما كانت لا تستطيع أن تُخفي المُنجز الذي صنعته، ولا يتردد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم في القول "إن مونديال قطر سيكون مبهرا، والأجمل".

قطر أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف المونديال منذ تاريخ انطلاقته، وانفقت حسب التقديرات 220 مليار دولار استُخدمت في تشييد بنية تحتية متطورة، وخاصة شبكة طرق "مترو"، وبناء مدن جديدة، وثمانية ملاعب عالمية.

تتوقع قطر أن يزورها خلال البطولة للتشجيع بين مليون و200 ألف إلى مليون ونصف المليون زائر، وأن تصل عائدات القطاع السياحي إلى 7.5 مليار دولار حسب تقديرات شركة الأبحاث الاقتصادية كابيتال إيكومونيكس البريطانية، في حين يرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد القطري سيجني عشرات المليارات من تنظيم البطولة، وأن يصل النمو الاقتصادي إلى 4.4 بالمئة.

واجهت قطر كل التحديات التي اعترضتها بدءا من تبريد الملاعب، مرورا باستخدام سفن عائمة لإقامة المشجعين، وإنشاء قرى المشجعين، وفرض تدابير للانفتاح الاجتماعي، وتخفيف قبضة التشدد، وكل هذا تراه يصب في رؤيتها الوطنية 2030 لتصبح مجتمع عالمي.

كأس العالم 2022 بتعويذة عربية ترتدي "الغطرة والعقال"، وملاعب، وأهازيج مستوحاة من التراث، وما يجب أن نتذكره أن قطر لا تتوقع أن تقطف ثمار المونديال سياسيا واقتصاديا خلال أيام، فهي لم تدفع المليارات لتستعيدها بنفس الوقت.

أثبتت السياسة القطرية على مدار السنوات الماضية ذكاء منقطع النظير، فهي استطاعت من خلال شبكة الجزيرة أن تتصدر الدول التي تسيطر على الإعلام، وبالتالي تساهم في صناعة الرأي العام العربي، والدولي، وبذات الوقت عملت من خلال شبكة "بي إن سبورت" الرياضية إلى الاستحواذ على اهتمام ملايين الشباب، ولم تترك الساحة في ميدان السياسة، فكانت الدولة الصغيرة التي تفتح الأبواب لمبادرات للحوار والمصالحات، والكل يتذكر دورها بعد سيطرة طالبان في أفغانستان.

لم تبنِ قطر جيوشا جرارة لتضع بصمتها على الخارطة العالمية، بل استخدمت "القدوة الناعمة" بامتلاكها منصات إعلامية تدخل كل بيت، فأصبحت "حصان طروادة" الذي يساعدها على الصمود، والمواجهة، والتقدم، والوجود.

"أنا عربي وأدعم قطر"، ليس دعوة "شوفينية" بل محاولة للتذكير أن من حق العرب أن يصنعوا حدثا بنجاح دون شيطنتهم، واتهامهم.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وليد الركراكي متحدثا عن أشرف حكيمي: كان يرفض الخروج كلما حاولنا إخراجه
"المدرب وليد الركراكي وضع أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل"

عبد الرحيم التوراني

سيسدل الستار غدا الأحد على فعاليات كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الحالية التي احتضنتها دولة قطر (من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).   

وطبعا ستكون الكأس للمنتخب الأفضل والموفق، من سيحالفه الحظ. نعم، فللحظ نصيب وارد مهما تضاءلت نسبته في هذه الرياضة الشعبية التي تم تطويرها باستمرار وعلى مدى يقارب قرنا من الزمن، منذ انطلاق أول دورة للمونديال قبل 92 عاما، في واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية، دولة الأوروغواي سنة 1930، إلى أن أصبحت كرة القدم اليوم تخضع لضوابط علمية ولقواعد وقوانين محددة تتجه صوب مواكبة اجتهادات العصر واختراعاته التكنولوجية، وتساير استثماراته التجارية أيضا.  

 لكن أعدادا من الجماهير، تعد بالملايين من محبي وعشاق كرة القدم ومن متابعي أطوار المونديال، لن يهتموا كثيرا بصافرة النهاية في المبارة التي ستجمع غدا المنتخبين الفرنسي بنظيره الأرجنتيني لمعرفة المتوج منهما، بعد أن أجمعوا على اسم الفائز مسبقا، وهو هنا متعدد بأسماء مختلفة وعناوين موحدة، تختصر في قطر والمغرب وفلسطين والبلدان العربية وأفريقيا وشعوب الجنوب ومن يساندها عبر أرجاء المعمور.  

استطاعت قطر كسب الرهان عن جدارة واستحقاق، بنجاحها الباهر والمذهل في تنظيم النسخة الثانية والعشرين للمونديال. إن هناك إجماعا كبيرا، قلما توفر لبلد منظم، على أن ما حدث في قطر إنجاز غير مسبوق ونجاح كبير واستثنائي توفق في تحدي كل الحواجز والمعوقات والحملات الواسعة التي رعتها جهات معينة دعت إلى المقاطعة، حيث تم تسجيل أرقام قياسية عالمية في إحصائيات مشاهدي مباريات المونديال على الشاشات، لم تحقق في الدورات السابقة.  

بالنسبة لفلسطين، فقد تم رفع أعلامها وشعاراتها في عموم شوارع وساحات البلد المنظم، ناهيك عن المدرجات وفوق أرضية الملاعب، بتلقائية وعفوية انتصرت على أعتى واضعي استراتيجيات ومنفذي برامج الدعاية والترويج، وعلى خبراء العلاقات العامة، بدرجة آلمت كثيرا إسرائيل، وأزعجت مؤيديها من دعاة التطبيع، خاصة بعد عجز مبعوثي ومراسلي الإعلام الإسرائيلي إلى المونديال في انتزاع تصريحات إيجابية من الجماهير العربية، أو الحصول على كلمة طيبة عن إسرائيل يمكن توظيفها في خدمة مسار تطبيع أنظمة عربية مع إسرائيل.  

لا شك أن منتخب المغرب حقق إنجازا استثنائيا وتاريخيا غير مسبوق، بانتصاره على منتخبات كبيرة كانت مرشحة للظفر بالكأس، من بلجيكا وإسبانيا إلى البرتغال، ووصوله إلى خانة المربع الذهبي ضمن الصفوة الكبار في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما لم يتأت لأي بلد عربي أو أفريقي من قبل. إذ اعتبر تقدم المغرب في المسابقة وإنجازه مكسبا عظيما للقارة الإفريقية التي تأهل باسمها، ثم للعرب بتنوعهم الحضاري، وللمسلمين وبقية شعوب الجنوب.  

دون أن ننسى استهلال المونديال بفوز رائع لمنتخب السعودية على منتخب الأرجنتين بنجمهم الأسطوري ليونيل ميسي، وفوز مشرف لمنتخب تونس على فرنسا، بطلة العالم للنسخة السابقة (2018)، والفوز الكاميروني المبهج على منتخب السحرة البرازيل.  

في دورة قطر اصطبغت جماهير المونديال بألوان المغرب ورايته الحمراء، وتغنت باسم أبطاله من اللاعبين، وأنشدت أهازيج وشعارات جماهير الكرة في المغرب، حتى أن العرب والأفارقة وجدوا أنفسهم أحيانا، في غمرة توحدهم والتحامهم الإيجابي، يزايدون على بعضهم في حبهم وتشجيعاتهم للمنتخب المغربي في هذا المونديال المثير للغاية، والذي انتقل فيه الجمهور من اللاعب رقم 12 كما يقال عادة، إلى اللاعب رقم واحد.  

علما أن المنتخب المغربي مكون في غالبية أفراده من لاعبين ولدوا ونشأوا بديار المهجر الأوروبي، من عائلات فقيرة وأسر مهاجرة كادحة، في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من أقطار القارة العجوز، لكن لما وضع هؤلاء الفتية أمام الاختيار، استفتوا قلوبهم والدماء التي تسري في عروقهم، فاختاروا أصلهم ومَحْتَدَهُم، أي بلد انتماء الأهل والجذور: المغرب، رغم كل الإغراءات التي قدمت لتحفيز كثير منهم من أجل أخذ القرار المعاكس. وبذلك ساهموا بوضوح وقوة في تأكيد الدور الذي صارت تلعبه كرة القدم اليوم في "تكريس وتحديد الانتماءات ورسم الهويات"، على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، حيث يجري استحضار دور المشترك في الدين واللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وهو دور عميق وبالغ الأهمية، له تداعياته الملموسة غير الخفية على المجالات الاقتصادية والسياحية والسياسية، ما يرقى بكرة القدم من مجرد لعبة رياضية إلى منبر ومنصة شعبية تعبر فيها الجماهير عن طموحاتها وأمانيها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان وفي نيل الحرية والتقدم والسلام.  

ما جرى في مونديال قطر يمكن اعتباره بمثابة "ربيع عربي وأفريقي"، يتجاوز "الربيع العربي" المفترى عليه، أو المجهض والمخيب للآمال، الذي عاشته المنطقة قبل عقد من الأعوام، لنعيش اليوم ربيعا جديدا مكللا بالقيم الجديدة لكرة القدم المعبأة بنسائم الأفراح وبرغبة جامحة في إثباث الهوية والذات والوجود. "حراك" رياضي سلمي رددت فيه جماهير الكرة العربية والأفريقية بلسان واحد "إننا هنا.. وأن الساعة دقت لتغيير العقلية، للإنهاء مع سجلات الفشل والنقص والدونية، وإلغاء فكرة الاكتفاء بلعب دور مكمل يؤثث احتفالات الكبار، بغاية الاستشفاء من عقدة الإطار الأوروبي والأميركي، والقطيعة مع عدم الثقة في أبناء البلد بالاستمرار في سياسة التعويل الدائم على "الآخر المتفوق".  

هي الأفكار التي ما فتئ المدرب المغربي وليد الركراكي يرددها في مؤتمراته الصحفية ويعلنها في تصريحاته قبل وبعد المباريات، منذ وطأت قدماه أرض الدوحة.   

بكلمات بسيطة وضع الركراكي أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل، يتجاوز غرف تبديل ملابس اللاعبين ومدرجات وملاعب الكرة. حتى أن بعض الكتاب انساقوا بجد في الخوض في تحليل ظاهرة كرة القدم خلال نسخة هذا المونديال، "ظاهرة وليد الركراكي"، ووجدنا بعضهم يقارن المدرب المغربي بالزعيم القومي جمال عبد الناصر في سعيه من أجل وحدة الأقطار والشعوب العربية. آخرون لقبوا مدرب أسود الأطلس بالفيلسوف وبالخبير النفسي. أما الجماهير المغربية فتمنت لو كان يقود حكومة بلادهم رجل بمواصفات وليد الركراكي وحماسته وقد أصبحت كلماته على كل شفة ولسان، خصوصا منها تعبير "النية"، وعبارة "سِيرْ.. سِيييرْ"، التي اعتادت جماهير الكرة في المغرب ترديدها، لكن أصبح لها اليوم معنى ودلالة أقوى لما التقطها ووظفها وليد الركراكي. وترجمتها الفصيحة: (سِرْ إلى الأمام.. انطلق وتقدم)...  

لذلك ولا شك، أنه لو جرى استفتاء شعبي نزيه لاختيار رجل السنة في المغرب، وفي البلاد العربية وأفريقيا، فسوف يكون هو وليد الركراكي، وقد انتشرت فيديوهات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين من الكاميرون والكونغو ونيجيريا ومصر والعراق والجزائر ولبنان وفلسطين وغيرهم من مشجعي الفريق المغربي، كلهم قالوا بالحرف: "نحن مغاربة" و"قلبنا ينبض بالمغربي". وقد شاهدنا كيف ارتدى منتخب السينغال في المدرجات مع مدربه الوطني إليو سيسي، قميص المنتخب المغربي، بل إن العرب والأفارقة كلهم اصطفوا خلف المنتخب المغربي. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بتلك النبوءة الموعودة بالغد المشرق الجميل، غد صافية سماؤه، ومن أديمها تلوح تباشير الأمل في تحقيق قيم التضامن والوحدة المنشودين.

 لقد سال كثيرٌ من الحبر حتى الآن، وأنهار من التعليقات والتحليلات والتفسيرات، صبّت كلها في بحار المغامرة المغربية في مونديال قطر، علت أمواجها لمستويات وامتدادات لم يكن ممكنا قبل كأس العالم تصديقها.   

 فورة من الأحلام الجميلة، ومن المحبة والتعاطف والأخوة والفخر، دثرت الجسد العربي والأفريقي، لكن عمر الحلم دائما قصير مثل لمعة ضوء بارقة في ليلة مظلمة، ويأتي بعدها صحو المواجهة مع الواقع العنيد. فسريعا ما سينجلي الوهم الكبير الذي صنعته كرة مستديرة، جوفاء لا يملؤها غير الهواء، لا، بل إن الكوابيس تأبى إلا أن تكون شاخصة وسط رفرفة الحلم الوردي لتنغص لذته. ولسنا من الواقفين فوق رُبوات التشاؤم، أو من مُسرِّبي ثقافة التيئيس، إلا أن ما حدث في الدوحة من ممارسات توصف بالفضائح، كان أبطالها شخصيات رياضية من قيادة الجامعة الملكية لكرة القدم، لم يترددوا في المتاجرة بتذاكر دخول مباريات المغرب في المونديال، التي منحت لهم لتوزيعها على الجمهور المغربي بالمجان، لكن هؤلاء "الأبطال" حولوا تلك التذاكر إلى السوق السوداء بأثمنة عالية جدا، ومن بين هؤلاء المنغصين أعضاء في البرلمان المغربي، إذ يعرف البرلمان الحالي عضوية عدد من رؤساء أندية كرة القدم المنتمين في أغلبهم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، اللذين يقودان الحكومة الحالية مع حزب الاستقلال، ما يجعل  الطموحات التي عقدت على المدرب وليد الركراكي والمنتخب المغربي مهددة بالانكسار وبتبديد الرصيد المحصل. فلا إصلاح من دون مصلحين حقيقيين، لذلك لا غرابة في المحاولات التي تحركت من أجل سرقة ما حققه شباب المنتخب من أبناء الشعب المغربي، ونسبه إلى جهات ومؤسسات وأشخاص آخرين، مثل رئيس فيدرالية الكرة فوزي لقجع، القيادي في حزب "البام"، الذي يشغل في الآن ذاته مهمة الوزير المنتدب لوزارة المالية والاقتصاد في حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته بسخط واستياء شعبي واسع، في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية والصعبة وغلاء الأسعار الذي تعاني منها الطبقات الشعبية والأسر الفقيرة في المغرب.  

 يسوقنا الأمر إلى تفادي التطلع صوب الشيء الكثير من "انتصارات المغرب في مونديال قطر"، التي تحققت على يد وليد الركراكي مع أعضاء المنتخب، بعد أن أبانوا على مستوى عالٍ في المهارة والموهبة والتنافسية داخل المستطيل الأخضر مع منتخبات القوى العظمى في العالم، وكذا على مستوى الصور والرموز الإيجابية التي قدموها على الواجهات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والتي حظيت بمزيد من التنويه والتقدير واستحوذت على إعجاب العالم.  

 إن الأمر ليس "وليد" الصدفة، بل هو "وليد" الركراكي، وياسين بونو، ومنير المحمدي، ورومان سايس، ونصير المزراوي، وحكيم زيّاش، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، ويحيى عطية الله، وسليم املاح، ونايف اكرد، وعز الدين أوناحي، وسفيان بوفال، ويوسف النصيري، ويحيى جبران، وزكرياء أبو خلال، وباقي رفاقهم الشجعان الأفذاذ، من عبَّرُوا جهرا بصوت واحد من خلال أدائهم المشرف والبطولي، على أن المستحيل ليس من مفرادات قاموسهم. وكأني بالقائد التاريخي العسكري الإمبراطور نابليون بونابرت كان يقصد وليد الركركي عندما قال: "إن الرجل الذي عقد النية على الفوز لا ينطق كلمة مستحيل". وهو القائل أيضا: "لا توجد كلمة مستحيل إلا في قاموس الضعفاء". وما قام به منتخب المغرب برهن على "أننا" لسنا ضعفاء، وأنه لم تكن تنقصنا سوى "النية"، أي الإرادة والقصد والعزم. فكيف ومتى سيتم استثمار هذا النجاح الرياضي بشكل إيجابي، والشروع في تصحيح الأمور من خلال العمل الجدي والجاد.   

 لا أحد يريد لما يصحو من الحلم أن يجد الإحباط بالباب.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).