Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عناوين كثيرة تتطرق لأرقام الطلاق في المغرب بتهويل يدعو للسخرية
عناوين كثيرة تتطرق لأرقام الطلاق في المغرب بتهويل يدعو للسخرية

سناء العاجي

"ارتفاع مهول في نسب الطلاق". "أعداد المطلقين ترتفع". "منظومة الأسرة مهددة بسبب ارتفاع أرقام الطلاق في المغرب".

عناوين كثيرة تتطرق لأرقام الطلاق بتهويل يدعو للسخرية. فهل نطالب الأزواج بأن يستمروا في حياة لا تناسبهم، فقط لكي لا ترتفع أرقام الطلاق؟ بل أن موقعا إخباريا قدم، بعنوان تهويلي، أرقام وزارة العدل حول الطلاق، وأدرج ضمن المقال تصريحا لباحث يقول: "تسجيل 300 ألف حالة طلاق في المغرب هذا العام، يعني 300 ألف أسرة تفككت ولم تنجح (...)، وقد يعني أيضا عددا كبيرا من البغيات في سوق الدعارة غدا".

مرعب أن يطلق باحث أحكاما قيمية بهذا الشكل وأن يعتبر كل مطلقة هي مشروع مهنية جنس. ومرعب أن يكتفي باحث، في محاولة تفكيك ظاهرة الطلاق، بإطلاق حكم قيمة أخلاقي عن التفكك وعدم النجاح بهكذا استسهال.

أليس الأفضل لكلا الطرفين، وللأطفال أيضا في بعض الأحيان، أن ينفصل الزوجان حين تستحيل الحياة المشتركة؟

الطلاق، في الحقيقة، قد يكون حلا لشخصين يعيشان في تعاسة، وحلا صحيا للأطفال أنفسهم في بعض الحالات. الأساسي أن تتوفر القوانين والمؤسسات التي تحمي جميع الأطراف وتضمن حقوقهم بعد الطلاق. لكننا لا نستطيع أن نطالب الأزواج بالسجن المؤبد المشترك... فقط لكي نرضي تصورنا عن مجتمع مثالي تنخفض فيه أرقام الطلاق.

كما أن هذا المجتمع الذي يقرأ أرقام الطلاق بتهويل، هو نفس المجتمع الذي يفرض، بطرق مباشرة وغير مباشرة، على الأفراد أن يتزوجوا بسرعة لأن الزواج شرط من شروط النجاح الاجتماعي (وخصوصا للنساء)! ثم، أيضا، هو نفس المجتمع الذي يعتبر أن من حق الوالدين أن يقررا في اختيار الزوج والزوجة، وأن يعترضا على هذا العريس لأنه فقير أو مطلق، وعلى هذه لأنها غير محجبة أو من أسرة فقيرة أو لأنها سمينة، وعلى هذه لأن لها أطفالا وعلى الآخر لأنه ليس من نفس المستوى الاجتماعي، بغض النظر عن موافقة ابنهم أو ابنتهم! وهو نفس المجتمع الذي يتقبل بل ويبارك أن تفرض الأسرة على ابنها أو ابنتها عروسا أو عريسا حسب معايير خاصة (لأنه ابن العم، لأنها ابنة الجيران المطيعة التي تتقن الطبخ، لأن الأسرة تعرف مصلحة ابنها أو ابنتها، لأن حبيبة الابن تبدو متحررة أكثر من اللازم، إلخ)؟ وهو نفس المجتمع الذي يركز، في الزواج، على تفاصيل المهر والهدايا والشقة والأثاث والمجوهرات والمؤخر وممون حفلة العرس أكثر من تركيزه على مشروع الحياة المشتركة المقبلة! فكيف نستغرب بعد ذلك من ارتفاع نسب الطلاق؟

هذا لا يعني أن كل الأشخاص الذين اختاروا بعضهم البعض يعيشون في حب وسعادة أبديين... مؤسسة الزواج صعبة والحياة المشتركة بتفاصيلها غالبا ما تكون معقدة، حتى لمن أحبا بعضهما واختارا بعضهما؛ خاصة في مجتمعاتنا حيث لا يمكن للشريكين أن يعيشا معا قبل الزواج وأن يجربا تفاصيل الحياة المشتركة بصعوباتها وإكراهاتها وضغوطاتها اليومية. أن يتعلما تدبير الاختلاف في التفاصيل اليومية واحترام مساحة الآخر والتدبير اليومي، وليس فقط الاكتفاء برومانسيات اللقاءات بين الفينة والأخرى والتي يتخللها الشوق، فيصنع منها لحظات حالمة.

لكن، وفي نفس الوقت، علينا أن نعترف أن الحب والتعارف والاختيار الحر للشريكين هو أحد شروط نجاح العلاقة؛ والنجاح هنا ليس رديفا لمدة الزواج، بل للتفاهم والمودة والاحترام والحب... لأن هناك زيجات قد تدوم، فقط لأن أحد أطرافها (أو الطرفين معا) يقدم تنازلات رهيبة لمجرد تفادي الانفصال. لذلك، فطول مدة الزواج لا يترجم بالضرورة كونه ناجحا.  

الحياة المشتركة اليومية صعبة حتى لمن طباعهم قريبة ولمن يقتسمون الحب والود.. فما بالك بأشخاص جمعتهم إجبارية الزواج في ثقافتنا المجتمعية، وليس اختيار العيش المشترك مع بعضهما؟ فمعظمنا لا يفكر إن كان يرغب فعلا في الزواج أم لا، لأن الزواج بالنسبة للأغلبية هو أمر مفروغ منه. لذلك، فأقصى ما قد "تناضل" من أجله هذه الأغلبية هو اختيار عريس\عروس يكون الأقرب أو الأنسب لطباعهم ومشاعرهم. وحتى هذا يتطلب مجهودا كبيرا في مجتمعات تعتبر أن من حق الجميع أن يبدي رأيه وأن يقرر في اختيارك لشريك\شريكة حياتك!

ثم يأتي بعد ذلك من يستغرب ارتفاع نسبة الطلاق...  ومن يخاف على استقرار الأسرة! طبعا، فليس الأساسي أن تكون سعيدا. الأساسي والأهم أن تحافظ على الشكل والصورة.. وأن تستمر الزيجات مهما بلغت تعاسة الأفراد.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف
تظاهرة سابقة ضد قرارات اتخذها الرئيس التونسي- أرشيف

د. عماد بوظو

في مثل هذا اليوم قبل إثني عشر عاما كان هناك شاب تونسي في السادسة والعشرين من عمره يرقد في المستشفى بعد أن أحرق نفسه احتجاجا على صفع شرطية له أمام عشرات الشهود ومصادرة عربة الفواكه التي تمثّل مصدر رزقه الوحيد، بكى حينها الشاب من شدة خجله، وقال للشرطية: لماذا تفعلين هذا بي، أنا إنسان بسيط لا أريد سوى أن أعمل، ثم حاول تقديم شكوى للبلدية دون نتيجة، فأضرم النار في نفسه، وتوفّي بعد عدة أيام، هذه هي قصة، محمد البوعزيزي، الذي كان موته الشرارة التي أشعلت عدة ثورات ضد أنظمة حكم ديكتاتورية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كانت تتعمد إهانة مواطنيها لقناعتها بأنها لا تستطيع الاستمرار في الحكم إلا عبر زرع الخوف في قلوب الشعب. 

في ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع أن إهانة هذا الشاب ستنهي حكم، زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، في الموجة الأولى، وحكم عمر البشير، وعبد العزيز بوتفليقة، في الموجة الثانية، بحيث لم يبقَ من تلك الأنظمة اليوم سوى سلطة شكليّة لبشار أسد على بلد منقوص السيادة، خصوصاً لأن جميع هؤلاء الرؤساء وبعد عقود من السلطة المطلقة توصّلوا إلى قناعة باستحالة تجرّؤ الشعب على الثورة ضدهم حتى بلغ الاستهتار عند بعضهم إلى حد محاولة تمهيد الطريق لتوريث الحكم لأولادهم. 

وقد أدت هذه الثورات إلى غرق الدول التي كانت مؤسسات الدولة فيها ضعيفة مثل ليبيا وسوريا واليمن في الفوضى حتى اليوم، بينما شهدت دول أخرى بدايات تحوّل نحو نظام ديمقراطي، ففي مصر تم إجراء أول انتخابات بعد الثورة فاز فيها بأغلبية بسيطة مرشح للإخوان المسلمين وسرعان ما ثار الشعب المصري على حكم هذا التنظيم وتمكّن من إسقاطه بعد عام واحد لأنه لا يملك برنامجاً للحكم. 

وأجريت انتخابات فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وكان من الممكن أن تتابع الأوضاع سيرها نحو التحوّل الديمقراطي لكن تعديلات "دستورية" تم إقرارها عام 2019 قضت على أي أمل بتحقيق ذلك، لأنها فتحت الباب لبقاء الرئيس السيسي في الحكم لستة عشر عاما متواصلة من عام 2014 حتى عام 2030، وترافقت هذه التعديلات مع استفراد مؤسسة الرئاسة بالسلطة وغياب دور أجهزة الدولة وتراجع غير مسبوق في هامش الحرّيات. 

وفي السودان انقلب المكوّن العسكري على المكوّن المدني في سعي للانفراد بالحكم رغم تواصل الاحتجاجات الشعبية ضده ورغم الرفض الدولي الواسع له، وفي الجزائر بعد عزل بوتفليقة وعائلته عام 2019 والتي كان من الممكن أن تشكّل بداية تحول سياسي حقيقي توفّي رئيس الأركان وقتها، قايد صالح، بأزمة قلبية مما أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاحتجاجات. 

وفي يوليو من عام 2021 اكتملت انتكاسات التحوّل الديمقراطي في تونس عندما قام الرئيس قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة وحصر السلطة في يده تحت شعار إصلاح مسار الثورة بينما رأت فيه المعارضة والمنظمات الدولية إنقلابا على الثورة، وعندما أقال قيس سعيد 57 قاضيا بتهمة الفساد وحماية الإرهابيين ضمن ما أسماه تطهير القضاء عقّب الناطق باسم الخارجية الأميركية "بأن إجراءات التطهير تشير إلى نمط مُقلق من التصرفات التي تقوّض المؤسسات الديمقراطية المستقلة في تونس". 

وترافق انفراد قيس سعيد بالسلطة مع زيادة في إنهيار الوضع الإقتصادي والمعيشي تظاهر في عجز غير مسبوق في الميزان التجاري وارتفاع نسبة التضخّم وزيادة المديونيّة مع نقص السلع الغذائية الأساسية والوقود أدّت إلى زحام وفوضى في الأسواق وارتفاع في الهجرة غير الشرعية عبر القوارب إلى أوروبا وما رافقها من غرق عشرات الشباب. 

ولا يستطيع الرئيس قيس سعيد إلقاء اللوم في ما يحدث في تونس على أحد سواه، فهو صاحب السلطة المطلقة الذي قاد البلد إلى ما هي عليه اليوم ولذلك فقد تأييد أغلب القوى السياسية حتى تلك التي ساندته في البداية، وفي محاولة لإضفاء شرعية على حكمه دعا إلى إجراء انتخابات برلمانية، ولكن الشعب قاطعها وعلّقت وكالة رويترز، "لقد أظهر التونسيون اهتماما قليلا بالتصويت نتيجة النظرة إليها كتتويج لسعي شخص واحد للانفراد بالسلطة في بلد تخلّص من الديكتاتورية عام 2011"، وتراوحت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بين 8.8 في المئة كما قالت البيانات الرسمية في الأيام الأولى للانتخابات وبين 11.22 في المئة كما قالت في البيان النهائي، وهي في الحالتين نسبة مشاركة منخفضة بشكل قياسي. 

ولا تقتصر حالة الاستياء الشعبي في تونس على قيس سعيد وإجراءاته وقراراته غير المدروسة بل تشمل كذلك أحزاب المعارضة وخاصة الإسلامية ولذلك علّقت نسبة من التونسيين آمالها على الاتحاد العام للشغل الذي حافظ خلال الفترة الماضية على مواقف متوازنة، إلى أن أوضح أخيرا رفضه لهذه الانتخابات واصفاً إيّاها بأنها "بلا طعم أو لون وجاءت نتيجة دستور لم يكن تشاركياً ولا محل إجماع أو موافقة الأغلبية"، وبعد صدور النتائج قال الاتحاد إن "التدنّي الكبير في نسبة المشاركة يفقدها المصداقية والشرعية وأنه يعكس موقفاً شعبياً رافضاً لهذه الإجراءات وعزوفاً واعياً عن مسار متخبّط لم يجلب للبلاد سوى المزيد من المآسي والمآزق بدايةً من التغيير القسري للدستور باتجاه حكم رئاسي منغلق يشكّل تربة صالحة للاستبداد وحكم الفرد". 

ونسبة المشاركة المنخفضة هذه تذكّر بالإنتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر حيث قالت الأرقام الرسمية وقتها إن نسبة المشاركة فيها كانت 28 في المئة ورغم أن هذه النسبة منخفضة ولكن جورج إسحق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان قال إنه "جرى تبديل أصوات وإضافة عشرات آلاف الأصوات لبعض المرشحين بما يذكّر بانتخابات عام 2010 والتي كانت من أسباب الثورة"، بما يوحي بأن النسبة الحقيقية للمشاركين في الانتخابات المصرية لا تختلف كثيراً عن نسبة المشاركين بالانتخابات التونسية الأخيرة نتيجة معرفة الشعب بأنها انتخابات صوريّة هدفها إضفاء شرعية على أنظمة حكم بعيدة عن الديمقراطية. 

والذريعة الرئيسية التي يقدّمها هؤلاء الرؤساء للانفراد بالسلطة هو الخطر المزعوم للإسلاميين مع أن شعبية الإسلاميين قد انخفضت بشدة خلال السنوات الأخيرة ففي تونس تراجعت مقاعدهم في البرلمان من 89 مقعدا في أول برلمان منتخب عام 2011 الى 52 مقعدا في آخر انتخابات عام 2019 لأنهم لا يملكون حلولاً لمشاكل البلد فهم مجرّد حزب مكانه الطبيعي في المعارضة حيث يردّد شعارات غامضة ليس لها أي معنى مثل الإسلام هو الحل ويعتاش في مقاعد المعارضة على الأكسجين الذي تزوّده به أنظمة الحكم الفردية من خلال فشلها وممارساتها القمعية. 

والتذكير اليوم بحادثة البوعزيزي قد ينبّه الرؤساء الذين يحاولون العودة ببلادهم إلى الحكم الديكتاتوري أن الشعوب اليوم تعرف قوتها، وأن سبب صبرها هو أنها أكثر وعياً من حكامها وتريد تجنّب الفوضى، لأن الأوضاع الإقتصادية والمعيشية أصبحت أسوأ بما لا يقاس من أيام البوعزيزي، وأي انفجار يحدث في مثل هذه الظروف قد يحمل مخاطر جسيمة، وحتى لا يقع هذا الانفجار ربما من الأفضل لهؤلاء الحكّام الاستماع إلى ما قاله رئيس الاتحاد العام للشغل في تونس للرئيس قيس سعيد "لقد فشلتم فشلاً ذريعاً في إدارة البلاد ويجب العمل على خارطة طريق للإنقاذ"، لأن هذه الجملة يمكن أن تُقال لهم جميعا لأن انفرادهم في السلطة وقراراتهم غير المدروسة لم تؤدي سوى إلى مآس وأزمات لم يسبق لها مثيل. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).