Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان
الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان

عبد الرحيم التوراني

بالرغم من الجهود التي يبذلها الإعلام الرسمي، فإن الواقع لا يرتفع. هذا الأسبوع صدر بيان نقابي مقتضب، كان كافيا لمسح كل التَزَاويق المائية والأصباغ الزيتية، ليرسم بدلها لوحة شديدة القتامة، تصور ما يحدث في مغرب اليوم عبر كلمات منتقاة، كأنها مقتبسة من لغة مقدمي النشرات الجوية وتعبيراتهم الموجزة:  

"استمرار موجة الغلاء الفاحش..   

وارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات..  

 وتدهور القدرة الشرائية..   

وتفاقم الأوضاع الاجتماعية للطبقة العاملة وعموم المواطنين".  

بناء على هذا التقرير "المناخي"، من المرتقب أن تشهد أبرز المدن الرئيسية في المغرب يوم غد الأحد المصادف لـ 12 نوفمبر 2022، تنظيم وقفات احتجاجية دعت إليها المركزية العمالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، "تنديدا بغلاء الأسعار والتضييق على الحريات النقابية وتنصل الحكومة من وعودها.. ودفاعا عن الحقوق والمكتسبات، واستنكارا للتضييق على ممارسة الحقوق والحريات النقابية".  

***   

منذ وصول الحكومة الحالية، التي تم تشكيلها بعد انتخابات الثامن من سبتمبر 2021، برئاسة رجل الأعمال عزيز أخنوش، تراكمت بشكل متواتر حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وازدادت تفاقما مع تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية التي شمل تأثيرها مختلف بلدان العالم، وطبعا لم يُستثن منها المغرب. ولم يحصل شيء من الانفراج الموعود الذي بشّر به أخنوش المغاربة خلال الحملة الانتخابية التي قادها باسم التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يرأسه منذ أكتوبر 2016. ووفق بيان لقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ستمثل احتجاجات الغد "رفضا لتنصل الحكومة من التزاماتها في تنزيل الميثاق الاجتماعي"، الذي وقعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع النقابات، ويتضمن زيادة عامة في أجور العمال والموظفين، ومراجعة أشطر الضريبة على الدخل، وإقرار درجة جديدة للترقي.  

الحصيلة الإجمالية إذن في أغلب مستوياتها ومؤشراتها البيانية لا تدعو للتفاؤل ولا تبشر بالخير، والمجتمع يغلي غليان مِرْجَل، في غياب الصوت المعبر حقيقة عن مواجع ومطامح الطبقات والفئات المضرورة من الأوضاع. وعلى خط موازٍ تراجعت الصحافة عن القيام بأدوارها المبدئية، لتتحول في غالبيتها إلى طبول ومزامير وأبواق في رِكابِ السلطات. لكن أنين المكتوين بنيران الأسعار لم يعد مكتوما، فالناس تشكو وتتكلم وأصبحت تنتقد جهرا في ما بينها سوء الأحوال واشتدادها. وكما قال موظف بالقطاع العام من الدار البيضاء: "الشعب المغربي يتيم"، مضيفاً: "نحن اليوم أمام تخلي الأحزاب والهيئات المعنية عن دورها الأساسي في إيصال كلمة الشعب بغاية حث القائمين على الأمور للقيام باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين. لقد نجح المخزن نجاحا مذهلا في تدجين معظم الأقطاب والهيئات الحزبية والنقابية، إلى درجة لم يعد معه فرق أو تمييز بين أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة، بمن فيها تلك التي تحمل شعارات يسارية وكانت لها مواقف جذرية في السابق من العقود، كنا نعتقد أنها لن تحيد عنها بهذا الشكل السريع الذي حدث اليوم ...".   

***  

منذ أشهر يعيش المغرب موجة جفاف ضاربة، تؤثر على التوازنات المالية للحكومة ولا شك، حيث تؤدي إلى عجز مرتفع في الميزانية العمومية. إلا أن الشكوك تطل إزاء مزاعم البنك الدولي الواردة في تقرير نشره الصيف الماضي، (20 يوليوز 2022)، جاء فيه: "أن المغرب لا يزال يقدم مؤشرات مالية أفضل من معظم الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية".   

ومع انخفاض المحصول الزراعي، وشح المياه، وارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية، وتأثيرات الحرب الروسية – أوكرانيا، تسعى الحكومة المغربية لمواجهة ضغوط التضخم والتخفيف منها عن طريق التخلي عن دعم الأسعار المحلية، مما ستكون له آثاره السلبية والوخيمة على الفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً من الطبقات والشرائح الشعبية.  

***  

على صعيد الحريات العامة والفردية، نكتفي بالتذكير بسجن صحفيين ونشطاء مدنيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومدونين ربما لم يستوعب جيدا مبدأ حرية التعبير وفق المفهوم السلطوي، فوجد نفسه مجرجرا أمام المحاكم ومجرورا إلى السجن، وذلك بسبب بضعة أسطر وكلمات  نشرها على جداره بالفيسبوك، دون أن يقيس مدى التباسها وتلَبُّسِها بالجرأة أو الجسارة (دائما بمقياس السلطات). والملفت أو المثير هو أن العدالة، وفاء لعنوانها، كانت عادلة في توزيع تهمها على المعنيين، هي الاتهامات ذاتها وأغلبها ضمن قوس الجنس والاتجار بالبشر، وقد سبق لمنظمة هيومن ووتش رايتس أن نشرت تقريرا إضافيا، خلال الشهر المنصرم (أكتوبر)، أوضحت فيه تقنيات القمع التي تعتمدها السلطات في المغرب. وكتبت إحدى كبريات الصحف العالمية (واشنطن بوست): "الصحفيون المستقلون في المغرب عادة ما يتم التضييق عليهم وتلفيق تهم عبثية ضدهم". وأشارت الصحيفة الأميركية إلى  أن "الصحفيين لا يجب أن يعتقلوا بسبب بحثهم عن الحقيقة".  

واضح أن ما نشرته "الواشنطن بوست" أتى في إطار حملة دولية من أجل إطلاق سراح الصحفي عمر الراضي.  أما المقرر الأممي المعني بالتعذيب في الأمم المتحدة، في أكتوبر الماضي أيضا، فقد أصدر قرارا أمميا حول اعتقال الصحفي سليمان الريسوني، معتبرا محاكمته غير عادلة واعتقاله تعسفيا، وطالب بإطلاق سراحه فورا مع منحه الحق في الحصول على تعويض، وفقا "للمعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد".  

 كما وجه الفريق الأممي دعوة إلى السلطات المغربية من أجل "فتح تحقيق وتحديد المسؤولين عن اعتقاله التعسفي وتعويضه عن الأضرار الناتجة عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها". لكون اعتقال الصحفي سليمان الريسوني "لا يتوفر على سند قانوني"، ولأن "الاعتقال بسبب ممارسة حرية الرأي والتعبير"، ثم لـ "غياب معايير المحاكمة العادلة".  

قبل اعتقال الصحفيين عمر الراضي (ست سنوات سجنا)، وسليمان الريسوني (خمس سنوات سجنا)، حكم في 2019 على الصحفي توفيق بوعشرين بالسجن 15 عاما، بتهم الاعتداء الجنسي والاتجار في البشر. ومن الصدف (!) أن ما يجمع الصحفيين الثلاثة هو كونهم جميعا من الأصوات النقدية للسلطة وتدبيرها للأوضاع في البلاد.  

وحسب تقرير صادر عن المنظمة الحقوقية الدولية هيومن رايتس ووتش في يوليوز 2022، أصبحت السلطات المغربية تلجأ إلى إسكات الأصوات المعارضة والمنتقدة إلى متابعة المعنيين بجرائم لا تتعلق بحرية الرأي والتعبير، ومن أبرز هذه الاتهامات: غسل الأموال، كما حدث مع الأستاذ الجامعي والمؤرخ المعطي منجب. والتجسس، في حالة الصحفي عمر الراضي. والاغتصاب والاعتداء الجنسي، في حالة عمر الراضي وسليمان الريسوني. وبالموازاة، تُشَنُّ حملات مضايقة وتشهير في وسائل الإعلام الموالية للأجهزة، تستهدف السجناء وأقاربهم وأصدقاءهم من المعارضين. وقد تعرّض بعض منتقدي الدولة للمراقبة الرقمية والتصوير السري (كما جرى مع الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني)، إضافة إلى اختراق هواتف المعارضين والمنتقدين بواسطة تطبيق برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس". وهو ما نفته دائما السلطات المغربية في أكثر من مناسبة.  

وبالرغم من كون هذه الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، إلا أنه لم يوضع حد لها حتى اليوم، إذ اعتقلت في الفترة الأخيرة المدونة والناشطة الحقوقية سعيدة العلمي (ثلاث سنوات سجنا). وخلال هذا الأسبوع (الثلاثاء 8 نوفمبر الحالي) حكمت محكمة بالرباط على الناشط الحقوقي رضا بن عثمان بالسجن ثلاث سنوات. ومؤخرا اعتقل الدكتور محمد باعسو، عضو بارز في "جماعة العدل والإحسان" (تنظيم إسلامي شبه محظور)، ووجهت إليه اتهامات لا أخلاقية.  

***  

وإذا كان انتهاج مثل هذه السياسة قد مس كثيرا بسمعة الحكومة وقيمتها شعبيا، وفي المقدمة رئيسها عزيز أخنوش، فإن حليفه في الحكومة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، ينافسه بقوة، بل يتفوق عليه في هذا المضمار والشأن، بخرجاته وتدخلاته غير الموزونة، آخرها دفعه قطاع المحامين (الذي يتنمي إليه) إلى تصعيد الاحتجاجات، حيث يخوض المحامون إضرابات وطنية توقفوا فيها عن العمل بكل محاكم البلاد، بل أصبحوا يطالبون وهبي بالرحيل من الوزارة ومن المشهد السياسي ككل، رافضين مسودة مشروع قانون مهنة المحاماة الذي قدمه وهبي، معتبرين المشروع "انتكاسة.. وانفرادية وسلطوية.. ومسّاً خطيراً باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع". بهذا الصدد علقت محامية من هيأة الرباط أنها "أول حكومة في تاريخ المغرب تشل العدالة، لم يحدث هذا حتى في سنوات الجمر  والرصاص".  

***  

ينتظر المغاربة هطول الأمطار التي تأخرت، ليس من أجل موسم فلاحي جيد، ولكن من أجل أن يجد البشر ما يشربون مع البهائم. وقد اعتاد المغاربة من السلطات أن تخرج الناس لطلب الغيث، ضمن ما يسمى بـ"صلاة الاستقساء" التي يشارك فيها الأطفال ليطلبوا من الإله إسقاط المطر، (اللهم اسْقِ عبادَك وبهائمك، وانشُرْ رحمتَك، واحييِ بلدَك الميّت).. إثرها يسقط المطر، فيظن البعض أنها أمطرت استجابة لدعائهم وصلاتِهم، في حين أن خبراء المركز الخاص بالرصد والتنبؤات الجوية، كانوا يعلمون قبلا بالتساقطات المطرية الوشيكة من خلال الأجهزة الخاصة.  

ويمكن اعتبار الاحتجاجات والمسيرات التي تدعو إليها الجبهة الاجتماعية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتدعمها أبرز الهيئات والمنظمات الحقوقية، بمثابة صلوات استسقاء جماعية من نوع آخر، صلوات من أجل أن تعم الرخاء سماء البلاد وتنزل شآبيب الرحمة بالعدالة والمساواة وبأمطار الكرامة، فيهنأ المواطنون وينعمون بنسائم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان.  

"يوجد سجن لمن يتكلم ولا يوجد مستشفى لمن يتألم"، "حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي"، من اللافتات التي رفعها جمهور المشجعين "الألتراس" في ملعب كرة القدم بمدينة فاس أثناء إحدى المباريات.  

فاللهم أغثنا ...  

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة تعبيرية من متجر في فرنسا
صورة تعبيرية من متجر في فرنسا

محمد المحمود

عندما وصل نابليون بونابرت بحملته الشهيرة إلى شواطئ مصر أواخر القرن الثامن عشر، كان الفارق بين أوروبا والعالم العربي في مستوى "التقدم الاستهلاكي" والمقتنيات التقنية هائلا.

لقد واجه جنودُ مصر التابعين للدولة العثمانية آنذاك، مدافع نابليون بالسيوف وبالسكاكين وبالعِصي.

وطبعا، كانت المعركة بين الفريقين "كاريكاتورية" إلى أبعد الحدود، تبعا للفرق الهائل في التنظيم وفي التقنية، والذي كان لصالح الجنود الفرنسيين المتوفرين على أحدث الأسلحة وأحدث التقنيات، وعلى أحدث المهارات القتالية، مقابل المقاتلين المصريين، المماليك، الذين كانوا لا يزالون يُحاربون بأسلحة قروسطية، بل كانوا يتخيلون المعارك، تنظيما، وإداريا، وتشغيليا، ومآلات، كما كانت عليه الحال في آخر الحملات الصليبية القروسطية على مصر: حملة لويس التاسع في القرن الثالث عشر الميلادي.

ولم تكن حملة نابليون حملة عسكرية مجردة، بل كانت حملة عسكرية مُجَهَّزة بفريق علمي كبير مُتعدّد الاهتمامات، وبمطبعة أيضا، وهي أول مطبعة تدخل العالم العربي.

وخلال وجود هذه الحملة الفرنسية بمصر، كان علماؤها يستعرضون علومهم الحديثة.

ووفق ما يذكر المؤرخ المصري، ومؤرخ الحملة الفرنسية من جهة المصريين، الجبرتي، فإن الفرنسيين كانوا يدعون علماء الأزهر وغيرهم لمشاهدة بعض التجارب الكيميائية التي كانوا يقومون بها.

والجبرتي بعد أن يستعرض شيئا مما عرضه الفرنسيون أمامهم يعلق، وبحسرة بالغة: "وهذا مما تقصر عنه عقول أمثالنا".

المهم، جراء حملة نابليون، انفتحت أعينُ المصريين، ومن ورائهم سائر العرب، على الفرق الحضاري الهائل بين أوروبا من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى.

وأدركوا، ولو بكثير من الغموض، وبكثير من الاضطراب، حجمَ تخلّفهم المُرَوِّع؛ قياسا بما كانت عليه أوروبا آنذاك.

وكانت الحملة الفرنسية ضربة مفاجئة على الرأس؛ ليستيقظ هذا النائم من سباته الطويل والعميق.

لقد استيقظ كثيرون، وهم يفركون عيونهم ويمسحون وجوههم، غير مُصَدِّقين بحقيقة نومتهم الكهفية الممتدة لقرون. وعى بعض الناس آنذاك، وخاصة شرائح من النخبة الحاكمة ومن النخبة المتعلمة تعليما متواضعا، ضرورة ردم هذه الهوة العميقة الفاصلة بين العالم الإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى. 

نعم، لقد أصبح الاشتغال على تجاوز "واقعة التخلّف" هاجسا نخبويا؛ حسب ما عبر عنه الشيخ الأزهري، حسن العطار.

ولهذا، نجد والي مصر، محمد علي، وبعد هذه الحملة بثلاثة عقود تقريبا، يُرسل "البعثة العلمية" إلى فرنسا، تلك البعثة التي كان من أشهر أفرادها (كإمام ومرشد ديني للبعثة) الشيخ، رفاعة الطهطاوي، بعد ترشيح من شيخه المباشر، حسن العطار، الذي نصحه بمحاولة فهم سرّ التقدم الغربي.

ومنذ وطئت قدما الطهطاوي الأراضي الفرنسية؛ أدرك، بعمق، حجم المأساة التي يعيش فيها عالمه الذي جاء منه العالم الإسلامي مقارنة بما أصبح يُشاهده ـ رأي عَيْنٍ ـ في العالم الفرنسي، العالم الغربي.

كان وعيه بالمأساة حادا وأليما.

ولهذا، تجاوز مُهمّته الأصلية المتواضعة بصفته مرشدا دينيا للبعثة، وتعلّم الفرنسية، ومن ثم العمل الجاد على فهم أسرار التقدم الغربي.

وعندما ألَّف كتابه الشهير عن هذه الرحلة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كانت المقارنات الأليمة، الصريحة والضمنية، تنتظم الكتاب، وتُشَكِّل عصبه الأساس.

تَبِعَ الطهطاويَّ كثيرون من أنحاء العالم العربي، ممن قذفت بهم الظروف والأقدار ليكونوا في موضعٍ مؤسساتي أو ثقافي؛ يفرض عليهم المقارنة بين عالمهم العربي، الإسلامي البائس، والعالم الغربي المتقدم.

وبهذا تنامى الوعي بالفارق الهائل، وتعددت المقترحات التي تتغيا تقليص الفجوة؛ كُلٌّ في مجاله.

وقد ازدادت هذه الحال الجارحة للاعتبار القوم الذاتي كثافة؛ عندما بدأ الاستعمار الغربي يُطِلُّ برأسه، أي عندما بدأ "التفوق الحضاري الغربي" يأخذ مسارا أكثر حِدَّةً وأشدَّ خُشُونةً في رَسْمِ معالم "العار القومي" المتمظهر واقعيا في احتلالٍ عسكري مُهِين.

وعلى امتداد القرن التالي لحملة نابليون، أي على امتداد القرن التاسع عشر، كان الوعي الأليم (أي الوعي بمأساة التخلف الذاتي الشامل، مقابل الحسرة البالغة الناتجة عن مراقبة اطراد التقدم الغربي الذي كانت معجزاته، واختراعاته تتوالى) وهو ما يُشَكِّل معالمَ وعي النخب السياسية والثقافية في معظم أرجاء العالمين: العربي والإسلامي. وبالتالي، كانت إرادة التتلمذ، إرادة الانبعاث من أجل اللحاق، ولو جزئيا، بالعالم الغربي المتقدم، هي المسيطرة على اهتمام السياسيين والمثقفين، إن حقا وصدقا، أو كذبا وادّعاء.

وهذا ما رأيناه في الخطوات الإدارية والتعليمة، وخطوات الانفتاح على الآخر الغربي في أكثر من مستوى، سواء في الدولة العثمانية أو في ولاياتها العربية، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي بدأت فيه معطيات الحضارة الحديثة، الغربية، تُلامِس، وبشكل مباشر، حياة معظم الناس في العالم العربي. 

ما الذي حدث بعد ذلك؟ أي: ما الذي حدث مطلع القرن العشرين، وتنامى في النصف الثاني منه، وأصبح هو السائد مطلع القرن الحادي والعشرين؟

الذي حدث هو أن الاستهلاك العربي للتقنيات الحديثة تصاعد؛ من دون أن يُحَايثه تصاعدٌ للتقدم الفكري والعلمي، ومن دون أن يُقدِّم العالم العربي المستهلك أيَّ إسهام علمي وإبداعي؛ حتى في ما هو بصدد استهلاكه على نحو واسع و محموم.

فَجَرّاء مقدرات من هنا وهناك، أصبح الإنسان العربي مطلعَ القرن العشرين يركب السيارة، ولاحقا الطيارة، ثم هو يلبس أحدث الساعات، ويستخدم المذياع، ثم التلفاز، فضلا عن الهاتف بكل مستوياته.

العربي المستهلك؛ أصبح متقدما! 

أصبحت مخترعات العالم المتقدم بين يديه بشكل أو بآخر.

ومع مرور الزمن، وتوفّر بعض المقدرات الأخرى، أصبح يقتني أحدث ما ينتجه العالم المتقدم، بل ربما أصبحت ساعته الخاصة أحدث من ساعة الغربي في بلد الاختراع، وسيارته أحدث، وهاتفه أحدث، بل ومسارات طرقه أحدث، ومنازله أحدث وأفخم.. وغيرها العديد من مظاهر التقدم الاستهلاكي، المقرون عربيا بعجز تام عن الإسهام ولو بالقليل، لا في رفع متتاليات هذه المخترعات فحسب، بل حتى في صناعته ـ كتقليد ـ ابتداء. 

إن هذا "التقدم الاستهلاكي" مَنح الإنسانَ العربي اليوم شعورا زائفا بانعدام الفارق الحضاري بينه وبين العالم المتقدم.

أصبح الإنسان العربي يشعر شعورا عميقا بأن لا فارق حضاريا بينه وبين المشتغلين على الإبداع الحضاري في بوسطن، ولوس أنجلوس، وبرلين، ولندن، وباريس.. حواضر العالم الغربي المتقدم.

ربما يقول أحدهم: ماذا يضيرنا هذا الشعور الزائف بالتقدّم إذا كان يمنح الذات شيئا من الاعتداد، ومن ثم، شيئا من التماسك؟ أليس هذا الشعور الجميل يُمَهِّد للتماهي مع عوالِم المُبدِعين حضاريا، ومن ثَمَّ يقود إلى الإبداع الحضاري؟

في تقديري أن هذا الشعور الزائف يقود إلى مزيد من التبلّد؛ مع مزيد من الاستئناس بالاستهلاك. فشراء أحدث التقنيات سهل، بل هو سهل جدا، ولا يحتاج إلا لبضعة أوراق مالية؛ بينما الإسهام في إنتاج هذه التقنيات صعب جدا؛ فضلا عن صعوبة تطويرها ذاتيا. وخطورة "التقدم الاستهلاكي" أنه يمنح الذات شعورا بالرضا، شعورا زائفا بالإنجاز، شعورا زائفا بالوصول، بالتقدم حضاريا.

ما يعني أن ليس ثمة ما يدعو لتَكبّد عَناء التفكير الحاد، ولا لِتَحمُّل أعباء العمل الجاد في أي مجال من مجالات التقدم الحضاري.

لقد رأينا نتائج هذا الامتلاء المُتَورِّم بالاستهلاك السلبي في العالم العربي. كان هذا العالم إذ يتقدّم على مستوى الاستهلاك في القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؛ يتأخر، في الوقت نفسه، وفي الاتجاه المضاد، على مستوى الإسهام العلمي، الإبداعي، وعلى مستوى الهِمّة في ابتغاء ذلك، وعلى المستوى الأهم والأخطر: مستوى الإبداع في فنون إدارة الذات في كل المستويات.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).