Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان
الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان

عبد الرحيم التوراني

بالرغم من الجهود التي يبذلها الإعلام الرسمي، فإن الواقع لا يرتفع. هذا الأسبوع صدر بيان نقابي مقتضب، كان كافيا لمسح كل التَزَاويق المائية والأصباغ الزيتية، ليرسم بدلها لوحة شديدة القتامة، تصور ما يحدث في مغرب اليوم عبر كلمات منتقاة، كأنها مقتبسة من لغة مقدمي النشرات الجوية وتعبيراتهم الموجزة:  

"استمرار موجة الغلاء الفاحش..   

وارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات..  

 وتدهور القدرة الشرائية..   

وتفاقم الأوضاع الاجتماعية للطبقة العاملة وعموم المواطنين".  

بناء على هذا التقرير "المناخي"، من المرتقب أن تشهد أبرز المدن الرئيسية في المغرب يوم غد الأحد المصادف لـ 12 نوفمبر 2022، تنظيم وقفات احتجاجية دعت إليها المركزية العمالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، "تنديدا بغلاء الأسعار والتضييق على الحريات النقابية وتنصل الحكومة من وعودها.. ودفاعا عن الحقوق والمكتسبات، واستنكارا للتضييق على ممارسة الحقوق والحريات النقابية".  

***   

منذ وصول الحكومة الحالية، التي تم تشكيلها بعد انتخابات الثامن من سبتمبر 2021، برئاسة رجل الأعمال عزيز أخنوش، تراكمت بشكل متواتر حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وازدادت تفاقما مع تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية التي شمل تأثيرها مختلف بلدان العالم، وطبعا لم يُستثن منها المغرب. ولم يحصل شيء من الانفراج الموعود الذي بشّر به أخنوش المغاربة خلال الحملة الانتخابية التي قادها باسم التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يرأسه منذ أكتوبر 2016. ووفق بيان لقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ستمثل احتجاجات الغد "رفضا لتنصل الحكومة من التزاماتها في تنزيل الميثاق الاجتماعي"، الذي وقعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع النقابات، ويتضمن زيادة عامة في أجور العمال والموظفين، ومراجعة أشطر الضريبة على الدخل، وإقرار درجة جديدة للترقي.  

الحصيلة الإجمالية إذن في أغلب مستوياتها ومؤشراتها البيانية لا تدعو للتفاؤل ولا تبشر بالخير، والمجتمع يغلي غليان مِرْجَل، في غياب الصوت المعبر حقيقة عن مواجع ومطامح الطبقات والفئات المضرورة من الأوضاع. وعلى خط موازٍ تراجعت الصحافة عن القيام بأدوارها المبدئية، لتتحول في غالبيتها إلى طبول ومزامير وأبواق في رِكابِ السلطات. لكن أنين المكتوين بنيران الأسعار لم يعد مكتوما، فالناس تشكو وتتكلم وأصبحت تنتقد جهرا في ما بينها سوء الأحوال واشتدادها. وكما قال موظف بالقطاع العام من الدار البيضاء: "الشعب المغربي يتيم"، مضيفاً: "نحن اليوم أمام تخلي الأحزاب والهيئات المعنية عن دورها الأساسي في إيصال كلمة الشعب بغاية حث القائمين على الأمور للقيام باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين. لقد نجح المخزن نجاحا مذهلا في تدجين معظم الأقطاب والهيئات الحزبية والنقابية، إلى درجة لم يعد معه فرق أو تمييز بين أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة، بمن فيها تلك التي تحمل شعارات يسارية وكانت لها مواقف جذرية في السابق من العقود، كنا نعتقد أنها لن تحيد عنها بهذا الشكل السريع الذي حدث اليوم ...".   

***  

منذ أشهر يعيش المغرب موجة جفاف ضاربة، تؤثر على التوازنات المالية للحكومة ولا شك، حيث تؤدي إلى عجز مرتفع في الميزانية العمومية. إلا أن الشكوك تطل إزاء مزاعم البنك الدولي الواردة في تقرير نشره الصيف الماضي، (20 يوليوز 2022)، جاء فيه: "أن المغرب لا يزال يقدم مؤشرات مالية أفضل من معظم الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية".   

ومع انخفاض المحصول الزراعي، وشح المياه، وارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية، وتأثيرات الحرب الروسية – أوكرانيا، تسعى الحكومة المغربية لمواجهة ضغوط التضخم والتخفيف منها عن طريق التخلي عن دعم الأسعار المحلية، مما ستكون له آثاره السلبية والوخيمة على الفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً من الطبقات والشرائح الشعبية.  

***  

على صعيد الحريات العامة والفردية، نكتفي بالتذكير بسجن صحفيين ونشطاء مدنيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومدونين ربما لم يستوعب جيدا مبدأ حرية التعبير وفق المفهوم السلطوي، فوجد نفسه مجرجرا أمام المحاكم ومجرورا إلى السجن، وذلك بسبب بضعة أسطر وكلمات  نشرها على جداره بالفيسبوك، دون أن يقيس مدى التباسها وتلَبُّسِها بالجرأة أو الجسارة (دائما بمقياس السلطات). والملفت أو المثير هو أن العدالة، وفاء لعنوانها، كانت عادلة في توزيع تهمها على المعنيين، هي الاتهامات ذاتها وأغلبها ضمن قوس الجنس والاتجار بالبشر، وقد سبق لمنظمة هيومن ووتش رايتس أن نشرت تقريرا إضافيا، خلال الشهر المنصرم (أكتوبر)، أوضحت فيه تقنيات القمع التي تعتمدها السلطات في المغرب. وكتبت إحدى كبريات الصحف العالمية (واشنطن بوست): "الصحفيون المستقلون في المغرب عادة ما يتم التضييق عليهم وتلفيق تهم عبثية ضدهم". وأشارت الصحيفة الأميركية إلى  أن "الصحفيين لا يجب أن يعتقلوا بسبب بحثهم عن الحقيقة".  

واضح أن ما نشرته "الواشنطن بوست" أتى في إطار حملة دولية من أجل إطلاق سراح الصحفي عمر الراضي.  أما المقرر الأممي المعني بالتعذيب في الأمم المتحدة، في أكتوبر الماضي أيضا، فقد أصدر قرارا أمميا حول اعتقال الصحفي سليمان الريسوني، معتبرا محاكمته غير عادلة واعتقاله تعسفيا، وطالب بإطلاق سراحه فورا مع منحه الحق في الحصول على تعويض، وفقا "للمعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد".  

 كما وجه الفريق الأممي دعوة إلى السلطات المغربية من أجل "فتح تحقيق وتحديد المسؤولين عن اعتقاله التعسفي وتعويضه عن الأضرار الناتجة عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها". لكون اعتقال الصحفي سليمان الريسوني "لا يتوفر على سند قانوني"، ولأن "الاعتقال بسبب ممارسة حرية الرأي والتعبير"، ثم لـ "غياب معايير المحاكمة العادلة".  

قبل اعتقال الصحفيين عمر الراضي (ست سنوات سجنا)، وسليمان الريسوني (خمس سنوات سجنا)، حكم في 2019 على الصحفي توفيق بوعشرين بالسجن 15 عاما، بتهم الاعتداء الجنسي والاتجار في البشر. ومن الصدف (!) أن ما يجمع الصحفيين الثلاثة هو كونهم جميعا من الأصوات النقدية للسلطة وتدبيرها للأوضاع في البلاد.  

وحسب تقرير صادر عن المنظمة الحقوقية الدولية هيومن رايتس ووتش في يوليوز 2022، أصبحت السلطات المغربية تلجأ إلى إسكات الأصوات المعارضة والمنتقدة إلى متابعة المعنيين بجرائم لا تتعلق بحرية الرأي والتعبير، ومن أبرز هذه الاتهامات: غسل الأموال، كما حدث مع الأستاذ الجامعي والمؤرخ المعطي منجب. والتجسس، في حالة الصحفي عمر الراضي. والاغتصاب والاعتداء الجنسي، في حالة عمر الراضي وسليمان الريسوني. وبالموازاة، تُشَنُّ حملات مضايقة وتشهير في وسائل الإعلام الموالية للأجهزة، تستهدف السجناء وأقاربهم وأصدقاءهم من المعارضين. وقد تعرّض بعض منتقدي الدولة للمراقبة الرقمية والتصوير السري (كما جرى مع الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني)، إضافة إلى اختراق هواتف المعارضين والمنتقدين بواسطة تطبيق برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس". وهو ما نفته دائما السلطات المغربية في أكثر من مناسبة.  

وبالرغم من كون هذه الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، إلا أنه لم يوضع حد لها حتى اليوم، إذ اعتقلت في الفترة الأخيرة المدونة والناشطة الحقوقية سعيدة العلمي (ثلاث سنوات سجنا). وخلال هذا الأسبوع (الثلاثاء 8 نوفمبر الحالي) حكمت محكمة بالرباط على الناشط الحقوقي رضا بن عثمان بالسجن ثلاث سنوات. ومؤخرا اعتقل الدكتور محمد باعسو، عضو بارز في "جماعة العدل والإحسان" (تنظيم إسلامي شبه محظور)، ووجهت إليه اتهامات لا أخلاقية.  

***  

وإذا كان انتهاج مثل هذه السياسة قد مس كثيرا بسمعة الحكومة وقيمتها شعبيا، وفي المقدمة رئيسها عزيز أخنوش، فإن حليفه في الحكومة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، ينافسه بقوة، بل يتفوق عليه في هذا المضمار والشأن، بخرجاته وتدخلاته غير الموزونة، آخرها دفعه قطاع المحامين (الذي يتنمي إليه) إلى تصعيد الاحتجاجات، حيث يخوض المحامون إضرابات وطنية توقفوا فيها عن العمل بكل محاكم البلاد، بل أصبحوا يطالبون وهبي بالرحيل من الوزارة ومن المشهد السياسي ككل، رافضين مسودة مشروع قانون مهنة المحاماة الذي قدمه وهبي، معتبرين المشروع "انتكاسة.. وانفرادية وسلطوية.. ومسّاً خطيراً باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع". بهذا الصدد علقت محامية من هيأة الرباط أنها "أول حكومة في تاريخ المغرب تشل العدالة، لم يحدث هذا حتى في سنوات الجمر  والرصاص".  

***  

ينتظر المغاربة هطول الأمطار التي تأخرت، ليس من أجل موسم فلاحي جيد، ولكن من أجل أن يجد البشر ما يشربون مع البهائم. وقد اعتاد المغاربة من السلطات أن تخرج الناس لطلب الغيث، ضمن ما يسمى بـ"صلاة الاستقساء" التي يشارك فيها الأطفال ليطلبوا من الإله إسقاط المطر، (اللهم اسْقِ عبادَك وبهائمك، وانشُرْ رحمتَك، واحييِ بلدَك الميّت).. إثرها يسقط المطر، فيظن البعض أنها أمطرت استجابة لدعائهم وصلاتِهم، في حين أن خبراء المركز الخاص بالرصد والتنبؤات الجوية، كانوا يعلمون قبلا بالتساقطات المطرية الوشيكة من خلال الأجهزة الخاصة.  

ويمكن اعتبار الاحتجاجات والمسيرات التي تدعو إليها الجبهة الاجتماعية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتدعمها أبرز الهيئات والمنظمات الحقوقية، بمثابة صلوات استسقاء جماعية من نوع آخر، صلوات من أجل أن تعم الرخاء سماء البلاد وتنزل شآبيب الرحمة بالعدالة والمساواة وبأمطار الكرامة، فيهنأ المواطنون وينعمون بنسائم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان.  

"يوجد سجن لمن يتكلم ولا يوجد مستشفى لمن يتألم"، "حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي"، من اللافتات التي رفعها جمهور المشجعين "الألتراس" في ملعب كرة القدم بمدينة فاس أثناء إحدى المباريات.  

فاللهم أغثنا ...  

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).