Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان
الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان

عبد الرحيم التوراني

بالرغم من الجهود التي يبذلها الإعلام الرسمي، فإن الواقع لا يرتفع. هذا الأسبوع صدر بيان نقابي مقتضب، كان كافيا لمسح كل التَزَاويق المائية والأصباغ الزيتية، ليرسم بدلها لوحة شديدة القتامة، تصور ما يحدث في مغرب اليوم عبر كلمات منتقاة، كأنها مقتبسة من لغة مقدمي النشرات الجوية وتعبيراتهم الموجزة:  

"استمرار موجة الغلاء الفاحش..   

وارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات..  

 وتدهور القدرة الشرائية..   

وتفاقم الأوضاع الاجتماعية للطبقة العاملة وعموم المواطنين".  

بناء على هذا التقرير "المناخي"، من المرتقب أن تشهد أبرز المدن الرئيسية في المغرب يوم غد الأحد المصادف لـ 12 نوفمبر 2022، تنظيم وقفات احتجاجية دعت إليها المركزية العمالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، "تنديدا بغلاء الأسعار والتضييق على الحريات النقابية وتنصل الحكومة من وعودها.. ودفاعا عن الحقوق والمكتسبات، واستنكارا للتضييق على ممارسة الحقوق والحريات النقابية".  

***   

منذ وصول الحكومة الحالية، التي تم تشكيلها بعد انتخابات الثامن من سبتمبر 2021، برئاسة رجل الأعمال عزيز أخنوش، تراكمت بشكل متواتر حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وازدادت تفاقما مع تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية التي شمل تأثيرها مختلف بلدان العالم، وطبعا لم يُستثن منها المغرب. ولم يحصل شيء من الانفراج الموعود الذي بشّر به أخنوش المغاربة خلال الحملة الانتخابية التي قادها باسم التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يرأسه منذ أكتوبر 2016. ووفق بيان لقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ستمثل احتجاجات الغد "رفضا لتنصل الحكومة من التزاماتها في تنزيل الميثاق الاجتماعي"، الذي وقعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع النقابات، ويتضمن زيادة عامة في أجور العمال والموظفين، ومراجعة أشطر الضريبة على الدخل، وإقرار درجة جديدة للترقي.  

الحصيلة الإجمالية إذن في أغلب مستوياتها ومؤشراتها البيانية لا تدعو للتفاؤل ولا تبشر بالخير، والمجتمع يغلي غليان مِرْجَل، في غياب الصوت المعبر حقيقة عن مواجع ومطامح الطبقات والفئات المضرورة من الأوضاع. وعلى خط موازٍ تراجعت الصحافة عن القيام بأدوارها المبدئية، لتتحول في غالبيتها إلى طبول ومزامير وأبواق في رِكابِ السلطات. لكن أنين المكتوين بنيران الأسعار لم يعد مكتوما، فالناس تشكو وتتكلم وأصبحت تنتقد جهرا في ما بينها سوء الأحوال واشتدادها. وكما قال موظف بالقطاع العام من الدار البيضاء: "الشعب المغربي يتيم"، مضيفاً: "نحن اليوم أمام تخلي الأحزاب والهيئات المعنية عن دورها الأساسي في إيصال كلمة الشعب بغاية حث القائمين على الأمور للقيام باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين. لقد نجح المخزن نجاحا مذهلا في تدجين معظم الأقطاب والهيئات الحزبية والنقابية، إلى درجة لم يعد معه فرق أو تمييز بين أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة، بمن فيها تلك التي تحمل شعارات يسارية وكانت لها مواقف جذرية في السابق من العقود، كنا نعتقد أنها لن تحيد عنها بهذا الشكل السريع الذي حدث اليوم ...".   

***  

منذ أشهر يعيش المغرب موجة جفاف ضاربة، تؤثر على التوازنات المالية للحكومة ولا شك، حيث تؤدي إلى عجز مرتفع في الميزانية العمومية. إلا أن الشكوك تطل إزاء مزاعم البنك الدولي الواردة في تقرير نشره الصيف الماضي، (20 يوليوز 2022)، جاء فيه: "أن المغرب لا يزال يقدم مؤشرات مالية أفضل من معظم الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية".   

ومع انخفاض المحصول الزراعي، وشح المياه، وارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية، وتأثيرات الحرب الروسية – أوكرانيا، تسعى الحكومة المغربية لمواجهة ضغوط التضخم والتخفيف منها عن طريق التخلي عن دعم الأسعار المحلية، مما ستكون له آثاره السلبية والوخيمة على الفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً من الطبقات والشرائح الشعبية.  

***  

على صعيد الحريات العامة والفردية، نكتفي بالتذكير بسجن صحفيين ونشطاء مدنيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومدونين ربما لم يستوعب جيدا مبدأ حرية التعبير وفق المفهوم السلطوي، فوجد نفسه مجرجرا أمام المحاكم ومجرورا إلى السجن، وذلك بسبب بضعة أسطر وكلمات  نشرها على جداره بالفيسبوك، دون أن يقيس مدى التباسها وتلَبُّسِها بالجرأة أو الجسارة (دائما بمقياس السلطات). والملفت أو المثير هو أن العدالة، وفاء لعنوانها، كانت عادلة في توزيع تهمها على المعنيين، هي الاتهامات ذاتها وأغلبها ضمن قوس الجنس والاتجار بالبشر، وقد سبق لمنظمة هيومن ووتش رايتس أن نشرت تقريرا إضافيا، خلال الشهر المنصرم (أكتوبر)، أوضحت فيه تقنيات القمع التي تعتمدها السلطات في المغرب. وكتبت إحدى كبريات الصحف العالمية (واشنطن بوست): "الصحفيون المستقلون في المغرب عادة ما يتم التضييق عليهم وتلفيق تهم عبثية ضدهم". وأشارت الصحيفة الأميركية إلى  أن "الصحفيين لا يجب أن يعتقلوا بسبب بحثهم عن الحقيقة".  

واضح أن ما نشرته "الواشنطن بوست" أتى في إطار حملة دولية من أجل إطلاق سراح الصحفي عمر الراضي.  أما المقرر الأممي المعني بالتعذيب في الأمم المتحدة، في أكتوبر الماضي أيضا، فقد أصدر قرارا أمميا حول اعتقال الصحفي سليمان الريسوني، معتبرا محاكمته غير عادلة واعتقاله تعسفيا، وطالب بإطلاق سراحه فورا مع منحه الحق في الحصول على تعويض، وفقا "للمعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد".  

 كما وجه الفريق الأممي دعوة إلى السلطات المغربية من أجل "فتح تحقيق وتحديد المسؤولين عن اعتقاله التعسفي وتعويضه عن الأضرار الناتجة عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها". لكون اعتقال الصحفي سليمان الريسوني "لا يتوفر على سند قانوني"، ولأن "الاعتقال بسبب ممارسة حرية الرأي والتعبير"، ثم لـ "غياب معايير المحاكمة العادلة".  

قبل اعتقال الصحفيين عمر الراضي (ست سنوات سجنا)، وسليمان الريسوني (خمس سنوات سجنا)، حكم في 2019 على الصحفي توفيق بوعشرين بالسجن 15 عاما، بتهم الاعتداء الجنسي والاتجار في البشر. ومن الصدف (!) أن ما يجمع الصحفيين الثلاثة هو كونهم جميعا من الأصوات النقدية للسلطة وتدبيرها للأوضاع في البلاد.  

وحسب تقرير صادر عن المنظمة الحقوقية الدولية هيومن رايتس ووتش في يوليوز 2022، أصبحت السلطات المغربية تلجأ إلى إسكات الأصوات المعارضة والمنتقدة إلى متابعة المعنيين بجرائم لا تتعلق بحرية الرأي والتعبير، ومن أبرز هذه الاتهامات: غسل الأموال، كما حدث مع الأستاذ الجامعي والمؤرخ المعطي منجب. والتجسس، في حالة الصحفي عمر الراضي. والاغتصاب والاعتداء الجنسي، في حالة عمر الراضي وسليمان الريسوني. وبالموازاة، تُشَنُّ حملات مضايقة وتشهير في وسائل الإعلام الموالية للأجهزة، تستهدف السجناء وأقاربهم وأصدقاءهم من المعارضين. وقد تعرّض بعض منتقدي الدولة للمراقبة الرقمية والتصوير السري (كما جرى مع الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني)، إضافة إلى اختراق هواتف المعارضين والمنتقدين بواسطة تطبيق برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس". وهو ما نفته دائما السلطات المغربية في أكثر من مناسبة.  

وبالرغم من كون هذه الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، إلا أنه لم يوضع حد لها حتى اليوم، إذ اعتقلت في الفترة الأخيرة المدونة والناشطة الحقوقية سعيدة العلمي (ثلاث سنوات سجنا). وخلال هذا الأسبوع (الثلاثاء 8 نوفمبر الحالي) حكمت محكمة بالرباط على الناشط الحقوقي رضا بن عثمان بالسجن ثلاث سنوات. ومؤخرا اعتقل الدكتور محمد باعسو، عضو بارز في "جماعة العدل والإحسان" (تنظيم إسلامي شبه محظور)، ووجهت إليه اتهامات لا أخلاقية.  

***  

وإذا كان انتهاج مثل هذه السياسة قد مس كثيرا بسمعة الحكومة وقيمتها شعبيا، وفي المقدمة رئيسها عزيز أخنوش، فإن حليفه في الحكومة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، ينافسه بقوة، بل يتفوق عليه في هذا المضمار والشأن، بخرجاته وتدخلاته غير الموزونة، آخرها دفعه قطاع المحامين (الذي يتنمي إليه) إلى تصعيد الاحتجاجات، حيث يخوض المحامون إضرابات وطنية توقفوا فيها عن العمل بكل محاكم البلاد، بل أصبحوا يطالبون وهبي بالرحيل من الوزارة ومن المشهد السياسي ككل، رافضين مسودة مشروع قانون مهنة المحاماة الذي قدمه وهبي، معتبرين المشروع "انتكاسة.. وانفرادية وسلطوية.. ومسّاً خطيراً باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع". بهذا الصدد علقت محامية من هيأة الرباط أنها "أول حكومة في تاريخ المغرب تشل العدالة، لم يحدث هذا حتى في سنوات الجمر  والرصاص".  

***  

ينتظر المغاربة هطول الأمطار التي تأخرت، ليس من أجل موسم فلاحي جيد، ولكن من أجل أن يجد البشر ما يشربون مع البهائم. وقد اعتاد المغاربة من السلطات أن تخرج الناس لطلب الغيث، ضمن ما يسمى بـ"صلاة الاستقساء" التي يشارك فيها الأطفال ليطلبوا من الإله إسقاط المطر، (اللهم اسْقِ عبادَك وبهائمك، وانشُرْ رحمتَك، واحييِ بلدَك الميّت).. إثرها يسقط المطر، فيظن البعض أنها أمطرت استجابة لدعائهم وصلاتِهم، في حين أن خبراء المركز الخاص بالرصد والتنبؤات الجوية، كانوا يعلمون قبلا بالتساقطات المطرية الوشيكة من خلال الأجهزة الخاصة.  

ويمكن اعتبار الاحتجاجات والمسيرات التي تدعو إليها الجبهة الاجتماعية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتدعمها أبرز الهيئات والمنظمات الحقوقية، بمثابة صلوات استسقاء جماعية من نوع آخر، صلوات من أجل أن تعم الرخاء سماء البلاد وتنزل شآبيب الرحمة بالعدالة والمساواة وبأمطار الكرامة، فيهنأ المواطنون وينعمون بنسائم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان.  

"يوجد سجن لمن يتكلم ولا يوجد مستشفى لمن يتألم"، "حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي"، من اللافتات التي رفعها جمهور المشجعين "الألتراس" في ملعب كرة القدم بمدينة فاس أثناء إحدى المباريات.  

فاللهم أغثنا ...  

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وليد الركراكي متحدثا عن أشرف حكيمي: كان يرفض الخروج كلما حاولنا إخراجه
"المدرب وليد الركراكي وضع أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل"

عبد الرحيم التوراني

سيسدل الستار غدا الأحد على فعاليات كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الحالية التي احتضنتها دولة قطر (من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).   

وطبعا ستكون الكأس للمنتخب الأفضل والموفق، من سيحالفه الحظ. نعم، فللحظ نصيب وارد مهما تضاءلت نسبته في هذه الرياضة الشعبية التي تم تطويرها باستمرار وعلى مدى يقارب قرنا من الزمن، منذ انطلاق أول دورة للمونديال قبل 92 عاما، في واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية، دولة الأوروغواي سنة 1930، إلى أن أصبحت كرة القدم اليوم تخضع لضوابط علمية ولقواعد وقوانين محددة تتجه صوب مواكبة اجتهادات العصر واختراعاته التكنولوجية، وتساير استثماراته التجارية أيضا.  

 لكن أعدادا من الجماهير، تعد بالملايين من محبي وعشاق كرة القدم ومن متابعي أطوار المونديال، لن يهتموا كثيرا بصافرة النهاية في المبارة التي ستجمع غدا المنتخبين الفرنسي بنظيره الأرجنتيني لمعرفة المتوج منهما، بعد أن أجمعوا على اسم الفائز مسبقا، وهو هنا متعدد بأسماء مختلفة وعناوين موحدة، تختصر في قطر والمغرب وفلسطين والبلدان العربية وأفريقيا وشعوب الجنوب ومن يساندها عبر أرجاء المعمور.  

استطاعت قطر كسب الرهان عن جدارة واستحقاق، بنجاحها الباهر والمذهل في تنظيم النسخة الثانية والعشرين للمونديال. إن هناك إجماعا كبيرا، قلما توفر لبلد منظم، على أن ما حدث في قطر إنجاز غير مسبوق ونجاح كبير واستثنائي توفق في تحدي كل الحواجز والمعوقات والحملات الواسعة التي رعتها جهات معينة دعت إلى المقاطعة، حيث تم تسجيل أرقام قياسية عالمية في إحصائيات مشاهدي مباريات المونديال على الشاشات، لم تحقق في الدورات السابقة.  

بالنسبة لفلسطين، فقد تم رفع أعلامها وشعاراتها في عموم شوارع وساحات البلد المنظم، ناهيك عن المدرجات وفوق أرضية الملاعب، بتلقائية وعفوية انتصرت على أعتى واضعي استراتيجيات ومنفذي برامج الدعاية والترويج، وعلى خبراء العلاقات العامة، بدرجة آلمت كثيرا إسرائيل، وأزعجت مؤيديها من دعاة التطبيع، خاصة بعد عجز مبعوثي ومراسلي الإعلام الإسرائيلي إلى المونديال في انتزاع تصريحات إيجابية من الجماهير العربية، أو الحصول على كلمة طيبة عن إسرائيل يمكن توظيفها في خدمة مسار تطبيع أنظمة عربية مع إسرائيل.  

لا شك أن منتخب المغرب حقق إنجازا استثنائيا وتاريخيا غير مسبوق، بانتصاره على منتخبات كبيرة كانت مرشحة للظفر بالكأس، من بلجيكا وإسبانيا إلى البرتغال، ووصوله إلى خانة المربع الذهبي ضمن الصفوة الكبار في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما لم يتأت لأي بلد عربي أو أفريقي من قبل. إذ اعتبر تقدم المغرب في المسابقة وإنجازه مكسبا عظيما للقارة الإفريقية التي تأهل باسمها، ثم للعرب بتنوعهم الحضاري، وللمسلمين وبقية شعوب الجنوب.  

دون أن ننسى استهلال المونديال بفوز رائع لمنتخب السعودية على منتخب الأرجنتين بنجمهم الأسطوري ليونيل ميسي، وفوز مشرف لمنتخب تونس على فرنسا، بطلة العالم للنسخة السابقة (2018)، والفوز الكاميروني المبهج على منتخب السحرة البرازيل.  

في دورة قطر اصطبغت جماهير المونديال بألوان المغرب ورايته الحمراء، وتغنت باسم أبطاله من اللاعبين، وأنشدت أهازيج وشعارات جماهير الكرة في المغرب، حتى أن العرب والأفارقة وجدوا أنفسهم أحيانا، في غمرة توحدهم والتحامهم الإيجابي، يزايدون على بعضهم في حبهم وتشجيعاتهم للمنتخب المغربي في هذا المونديال المثير للغاية، والذي انتقل فيه الجمهور من اللاعب رقم 12 كما يقال عادة، إلى اللاعب رقم واحد.  

علما أن المنتخب المغربي مكون في غالبية أفراده من لاعبين ولدوا ونشأوا بديار المهجر الأوروبي، من عائلات فقيرة وأسر مهاجرة كادحة، في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من أقطار القارة العجوز، لكن لما وضع هؤلاء الفتية أمام الاختيار، استفتوا قلوبهم والدماء التي تسري في عروقهم، فاختاروا أصلهم ومَحْتَدَهُم، أي بلد انتماء الأهل والجذور: المغرب، رغم كل الإغراءات التي قدمت لتحفيز كثير منهم من أجل أخذ القرار المعاكس. وبذلك ساهموا بوضوح وقوة في تأكيد الدور الذي صارت تلعبه كرة القدم اليوم في "تكريس وتحديد الانتماءات ورسم الهويات"، على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، حيث يجري استحضار دور المشترك في الدين واللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وهو دور عميق وبالغ الأهمية، له تداعياته الملموسة غير الخفية على المجالات الاقتصادية والسياحية والسياسية، ما يرقى بكرة القدم من مجرد لعبة رياضية إلى منبر ومنصة شعبية تعبر فيها الجماهير عن طموحاتها وأمانيها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان وفي نيل الحرية والتقدم والسلام.  

ما جرى في مونديال قطر يمكن اعتباره بمثابة "ربيع عربي وأفريقي"، يتجاوز "الربيع العربي" المفترى عليه، أو المجهض والمخيب للآمال، الذي عاشته المنطقة قبل عقد من الأعوام، لنعيش اليوم ربيعا جديدا مكللا بالقيم الجديدة لكرة القدم المعبأة بنسائم الأفراح وبرغبة جامحة في إثباث الهوية والذات والوجود. "حراك" رياضي سلمي رددت فيه جماهير الكرة العربية والأفريقية بلسان واحد "إننا هنا.. وأن الساعة دقت لتغيير العقلية، للإنهاء مع سجلات الفشل والنقص والدونية، وإلغاء فكرة الاكتفاء بلعب دور مكمل يؤثث احتفالات الكبار، بغاية الاستشفاء من عقدة الإطار الأوروبي والأميركي، والقطيعة مع عدم الثقة في أبناء البلد بالاستمرار في سياسة التعويل الدائم على "الآخر المتفوق".  

هي الأفكار التي ما فتئ المدرب المغربي وليد الركراكي يرددها في مؤتمراته الصحفية ويعلنها في تصريحاته قبل وبعد المباريات، منذ وطأت قدماه أرض الدوحة.   

بكلمات بسيطة وضع الركراكي أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل، يتجاوز غرف تبديل ملابس اللاعبين ومدرجات وملاعب الكرة. حتى أن بعض الكتاب انساقوا بجد في الخوض في تحليل ظاهرة كرة القدم خلال نسخة هذا المونديال، "ظاهرة وليد الركراكي"، ووجدنا بعضهم يقارن المدرب المغربي بالزعيم القومي جمال عبد الناصر في سعيه من أجل وحدة الأقطار والشعوب العربية. آخرون لقبوا مدرب أسود الأطلس بالفيلسوف وبالخبير النفسي. أما الجماهير المغربية فتمنت لو كان يقود حكومة بلادهم رجل بمواصفات وليد الركراكي وحماسته وقد أصبحت كلماته على كل شفة ولسان، خصوصا منها تعبير "النية"، وعبارة "سِيرْ.. سِيييرْ"، التي اعتادت جماهير الكرة في المغرب ترديدها، لكن أصبح لها اليوم معنى ودلالة أقوى لما التقطها ووظفها وليد الركراكي. وترجمتها الفصيحة: (سِرْ إلى الأمام.. انطلق وتقدم)...  

لذلك ولا شك، أنه لو جرى استفتاء شعبي نزيه لاختيار رجل السنة في المغرب، وفي البلاد العربية وأفريقيا، فسوف يكون هو وليد الركراكي، وقد انتشرت فيديوهات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين من الكاميرون والكونغو ونيجيريا ومصر والعراق والجزائر ولبنان وفلسطين وغيرهم من مشجعي الفريق المغربي، كلهم قالوا بالحرف: "نحن مغاربة" و"قلبنا ينبض بالمغربي". وقد شاهدنا كيف ارتدى منتخب السينغال في المدرجات مع مدربه الوطني إليو سيسي، قميص المنتخب المغربي، بل إن العرب والأفارقة كلهم اصطفوا خلف المنتخب المغربي. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بتلك النبوءة الموعودة بالغد المشرق الجميل، غد صافية سماؤه، ومن أديمها تلوح تباشير الأمل في تحقيق قيم التضامن والوحدة المنشودين.

 لقد سال كثيرٌ من الحبر حتى الآن، وأنهار من التعليقات والتحليلات والتفسيرات، صبّت كلها في بحار المغامرة المغربية في مونديال قطر، علت أمواجها لمستويات وامتدادات لم يكن ممكنا قبل كأس العالم تصديقها.   

 فورة من الأحلام الجميلة، ومن المحبة والتعاطف والأخوة والفخر، دثرت الجسد العربي والأفريقي، لكن عمر الحلم دائما قصير مثل لمعة ضوء بارقة في ليلة مظلمة، ويأتي بعدها صحو المواجهة مع الواقع العنيد. فسريعا ما سينجلي الوهم الكبير الذي صنعته كرة مستديرة، جوفاء لا يملؤها غير الهواء، لا، بل إن الكوابيس تأبى إلا أن تكون شاخصة وسط رفرفة الحلم الوردي لتنغص لذته. ولسنا من الواقفين فوق رُبوات التشاؤم، أو من مُسرِّبي ثقافة التيئيس، إلا أن ما حدث في الدوحة من ممارسات توصف بالفضائح، كان أبطالها شخصيات رياضية من قيادة الجامعة الملكية لكرة القدم، لم يترددوا في المتاجرة بتذاكر دخول مباريات المغرب في المونديال، التي منحت لهم لتوزيعها على الجمهور المغربي بالمجان، لكن هؤلاء "الأبطال" حولوا تلك التذاكر إلى السوق السوداء بأثمنة عالية جدا، ومن بين هؤلاء المنغصين أعضاء في البرلمان المغربي، إذ يعرف البرلمان الحالي عضوية عدد من رؤساء أندية كرة القدم المنتمين في أغلبهم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، اللذين يقودان الحكومة الحالية مع حزب الاستقلال، ما يجعل  الطموحات التي عقدت على المدرب وليد الركراكي والمنتخب المغربي مهددة بالانكسار وبتبديد الرصيد المحصل. فلا إصلاح من دون مصلحين حقيقيين، لذلك لا غرابة في المحاولات التي تحركت من أجل سرقة ما حققه شباب المنتخب من أبناء الشعب المغربي، ونسبه إلى جهات ومؤسسات وأشخاص آخرين، مثل رئيس فيدرالية الكرة فوزي لقجع، القيادي في حزب "البام"، الذي يشغل في الآن ذاته مهمة الوزير المنتدب لوزارة المالية والاقتصاد في حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته بسخط واستياء شعبي واسع، في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية والصعبة وغلاء الأسعار الذي تعاني منها الطبقات الشعبية والأسر الفقيرة في المغرب.  

 يسوقنا الأمر إلى تفادي التطلع صوب الشيء الكثير من "انتصارات المغرب في مونديال قطر"، التي تحققت على يد وليد الركراكي مع أعضاء المنتخب، بعد أن أبانوا على مستوى عالٍ في المهارة والموهبة والتنافسية داخل المستطيل الأخضر مع منتخبات القوى العظمى في العالم، وكذا على مستوى الصور والرموز الإيجابية التي قدموها على الواجهات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والتي حظيت بمزيد من التنويه والتقدير واستحوذت على إعجاب العالم.  

 إن الأمر ليس "وليد" الصدفة، بل هو "وليد" الركراكي، وياسين بونو، ومنير المحمدي، ورومان سايس، ونصير المزراوي، وحكيم زيّاش، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، ويحيى عطية الله، وسليم املاح، ونايف اكرد، وعز الدين أوناحي، وسفيان بوفال، ويوسف النصيري، ويحيى جبران، وزكرياء أبو خلال، وباقي رفاقهم الشجعان الأفذاذ، من عبَّرُوا جهرا بصوت واحد من خلال أدائهم المشرف والبطولي، على أن المستحيل ليس من مفرادات قاموسهم. وكأني بالقائد التاريخي العسكري الإمبراطور نابليون بونابرت كان يقصد وليد الركركي عندما قال: "إن الرجل الذي عقد النية على الفوز لا ينطق كلمة مستحيل". وهو القائل أيضا: "لا توجد كلمة مستحيل إلا في قاموس الضعفاء". وما قام به منتخب المغرب برهن على "أننا" لسنا ضعفاء، وأنه لم تكن تنقصنا سوى "النية"، أي الإرادة والقصد والعزم. فكيف ومتى سيتم استثمار هذا النجاح الرياضي بشكل إيجابي، والشروع في تصحيح الأمور من خلال العمل الجدي والجاد.   

 لا أحد يريد لما يصحو من الحلم أن يجد الإحباط بالباب.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).