Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لن يتعافى لبنان دون التخلّص من الجسم الغريب على أرضه
لن يتعافى لبنان دون التخلّص من الجسم الغريب على أرضه

منى فياض

وجدت في مكتبتي المفضلةVolume ، كالعادة، كتابا لسفير فرنسا غي جورجي (1996) عن القذافي بعنوان راعي سرت، بعد أن قام بثورة الفاتح من سبتمبر.

وكان الكتاب موجودا بين مجموعة معروضة بأسعار رخيصة للتخلص منها. 

يساعدنا هذا الكتاب على فهم علاقة فرنسا بليبيا وبنظام القذافي منذ نشأته. ويسهل فهم نمط السياسة الفرنسية التي نعاني منها حاليا في لبنان.

ينضح إعجاب المؤلف في كل سطر لما أصبحت عليه ليبيا بعد اكتشاف النفط.

فطرابلس البربرية وطرابلس مأوى القراصنة وطرابلس البيضاء مقابل البحر الأزرق، لم يعد ممكنا التعرف عليها بعد أن تضاعف حجمها خلال 25 عاما. شقتها الطرقات والأتوسترادات الواسعة والجسور وامتلأت بالسيارات. 

لا تزعجه مربعات الفولاذ والإسمنت التي تسحق البيوت الموريستية الصغيرة التقليدية، والمساجد المتواضعة، والأسواق الشعبية والساحات المرحبة في ظل شجيرات الفيكوس.

يصف دخوله عرين القذافي، وكان قد تعرض للقصف (1986) وفرضت عليه العقوبات من دول غربية عدة لحصوله على أسلحة كيميائية، ثكنة محصنة في باب العزيزية في ضاحية شعبية حديثة بعمارة كئيبة، بين موقعي بناء مهجورين، ووسط جنود بقبعات حمر مدججين بالسلاح الأوتوماتيكي وبوابات حديد، وممرات داخلية مزودة بحواجز معدنية، متعارضة توجب الالتفاف، يحرسها جنود مع رشاشات ومدرعات في وضعية إطلاق نار ومصوبة نحو الزائر.

قلعة يتوسطها بناء غريب انعكاساته برونزية مذهبة، حيث أقيم ما يشبه الخيمة القرطاجية بشكل غامض. إنها خيمة القذافي الشهيرة التي نصبها في ساحة باريس بعد بروكسيل!!

يستقبله القذافي استقبال الأصدقاء القدامى. يبتدره: لم تتغير، يبدو أن الزمن ينزلق عليك ويسأله عن أسرته. يردّ له مديحه، ولكنه وجده يبدو أكبر سنا.

يستطرد السفير: "الرجل الذي أمامي سنّور متعقلن، Felin assagie، مع أنه رجل سياسة شهير عالميا. لكنه معتبر أيضا كأحد زعماء المرتزقة، غير محبوب ومُساء فهمه وملعون".

يستغرب السفير ممن جعله مهزلة العالم وكبش محرقة وأحد أخطر إرهابيي الدنيا المُصاب بجنون العظمة. فهو لا يجد لديه عرشا ولا زينة فاخرة ولا ألقاب مبهرجة. "إنه ببساطة مرشد هذا الشعب الصغير من مليوني بدوي ضائعين في أحد أكبر الصحاري على الكوكب".

ويتساءل أيضا، كيف أمكن لشخصيات رفيعة، من سياسيين وصحافيين، أن يعتبرونه عقيدا حامي الرأس ودرويش الصحراء وروبيسبيير (تذكر الصحف أن الرئيس الأميركي ريغان وصفه بالكلب المجنون عام 1986)، ويسأل لماذا وُصف بالمتقلب وغير ذلك! بينما هو منذ تسلمه الحكم من ربع قرن لم يغير قناعاته ولا خطابه؟ هذا يعني أنه رجل مبادئ بالنسبة له. 

يعتبر وصفه بالديكتاتور وبالإسلامي المتعصب تهمة. فهو بشّر دائما بالجماهيرية الديمقراطية باسم سيادة الشعب ومنع التجمعات الدينية وضبط سلطة المُفْتين، على غرار مرجعه الفكري جمال عبد الناصر. كما حارب الأصوليين الإسلاميين. لا يعجبه أيضا الاستهزاء من "كتابه الأخضر"، أو نظريته المعتبرة كثالث نظرية عالمية، والتي نشرت، حينها، منذ 25 عاما، ويحاول تطبيقها رغم كل شيء.

أما سبب هذا الخبث برأيه، فليس سوى أنهم لا يغفرون له كونه متخلفا وغنيا وغير مطيع ولا يقبل تبعية أحد، ويتحدى النظام العالمي علنا مما يزعج ضمائرهم؟ 

كنت أقرأ في كتاب السفير وشعور الدهشة لا يفارقني. لقد جعلني أظن أنني أمام تشي غيفارا العرب!

ينقل المؤلف مرارة القذافي: "أن القوى العظمى ترغب بذبح النعاج المتمردة. ما يريدونه إخضاع الجميع لنظامهم المفروض. ليس على ألسنتهم سوى "حقوق الإنسان" و"الحرية" بينما يغذون الصراعات والمعارك على النفوذ والحروب، مستغلين عبودية الشعوب الصغيرة!".

وفيما يتبنى رأي القذافي هذا، يغفل عن أن مهمته التي جاء من أجلها تتناقض مع هذا الرأي. بحسب تعليمات الرئيس بومبيدو له قبل استلام مركزه المتزامن مع انقلاب القذافي.

في ذلك الوقت كانت صلات الحكومة الفرنسية مع الملكية الليبية متواضعة، وكانت تراقب ردات فعل الإنكليز والأميركيين كي تكوّن رأيها الخاص. وكانت مرحلة انتقالية بين الملكية وبين جماهيرية القذافي.

ابتدره الرئيس بومبيدو قائلا: "تعرف ما حصل في ليبيا ولم نعرف حتى الآن الفاعلين في هذا الانقلاب، لكن من المرجح أنهم قوميون على طريقة ناصر. العالم العربي في حالة غليان، التزايد الديمغرافي والبترول والبؤس تتجاور مع الثروة الفاحشة. العطش للكرامة والعدالة هي الشعارات الجديدة للعالم الثالث. نصف هذه الشعوب بعمر أقل من 25 عاما؛ ولا شك أن المستقبل ليس للملوك والأمراء أو أي من القوى المتواجدة الآن. سترى هؤلاء الشباب، تستمع إليهم لتعرف ماذا يريدون. وتحكم عليهم بتعاطف وتعرض التعاون معهم. لن نعدم ميدان مصلحة مشترك بين بلدينا اللذان من الممكن أن يتكاملا. ثم ذكر له شعر  Juvenal" أووه ليبيا، حرري ثيرانك واحتفظي بقمحك، لكن أرسلي لنا الكمأة".

ثم أشار إلى أن الإنكليز تباحثوا مع الملك إدريس حول صفقة أسلحة ضخمة، وليبيا طبعا في مجالهم الحصري ونحن ليس لدينا أي حظ لإدخال إنتاجنا، لكن مع التغيير السياسي الحاصل ألا يمكن توفير بعض الأوكسيجين لترسانتنا؟ 

تعليقه: كانت نبرة صوته تحمل تردد الرجل الشريف الذي لا يتوصل بسهولة إلى مصالحة مشاعره الإنسانية الصادقة والسلمية مع الحاجة الملحة لتشغيل مصانعنا وعمالنا بآلات الموت.

وشعر بالحاجة لتبرير قضيته: "أنت تعلم أن دفاعنا تشرطه درجة تقدمنا التكنولوجي وأهمية أسواقنا الخارجية. الآخرون لا يقدمون الهدايا في هذا المجال".

نسي تبنيه السابق لـ"نقد القذافي" لمتلازمة الغربيين حول "حقوق الإنسان" و"الحرية" بينما يغذون الصراعات والمعارك على النفوذ والحروب ويبيعونهم الأسلحة، مستغلين عبودية الشعوب الصغيرة!

لقد نجح السفير بجدارة، على ما يبدو، بربط علاقات وثيقة بين فرنسا والقذافي. ولا تزال قضية اتهام الرئيس السابق ساركوزي في تغطية القذافي وفي تورطه بقضايا الفساد قائمة.

كثيرة هي الأمثلة التي تبرهن على أن أولوية الدول الكبرى تكمن في مصلحتها الاقتصادية أولا.

وهذه المصلحة تطغى على خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، وحتى على "محبة" لبنان والتعاطف مع اللبنانيين المنكوبين بالانهيار وبانفجار المرفأ.

فليست مشاعر الصداقة والمحبة التي تربط الشعبين الفرنسي واللبناني عموما، وبمكونه المسيحي خصوصا، هي التي كانت ستمنع الرئيس الفرنسي من محاباة الطبقة السياسية اللبنانية وتأمين مصالحها التي تصب في المصلحة الفرنسية. وهكذا طمأن الجمهور الذي وثق به، ولم يساعد بتوفير ضغط للتحقيق الدولي حول الانفجار.

وهذا ليس بمستغرب، فإذا كانت فرنسا تستطيع دعم مستبد كالقذافي لتمرير مصالحها، فما بالك بزعيم حزب الله الأعقل والبراغماتي ومن خلفه ثقل ومصالح السوق الإيرانية المرتقبة؟ 

ما فعله كان إعادة تعويم السلطة السياسية وتبني وجهة نظر حزب الله في المطالبة بمؤتمر تأسيسي ورفض الانتخابات المبكرة وعدم تدويل التحقيق في الانفجار.

لقد اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه تسرّع في التعاطي مع الملف اللبناني بالطريقة التي تعاطى بها، حيث غلّب منطق العاطفة بينما كان يمكن أن يدار الموضوع اللبناني بطريقة أفضل!

مقابل هذا التنسيق مع إيران والضاحية، حصلت فرنسا على عقود في المرفأ وعلى عقد توتال للتنقيب على الغاز بعد الترسيم. وكانت قد سمحت له إيران بعقد لتوتال بـ17 مليار دولار في العراق.

فهل لا تزال فرنسا الأم الحنون لجميع اللبنانيين والمسيحيين منهم خصوصا؟ أم لحكامهم من شيعة ومسيحيين؟

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وليد الركراكي متحدثا عن أشرف حكيمي: كان يرفض الخروج كلما حاولنا إخراجه
"المدرب وليد الركراكي وضع أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل"

عبد الرحيم التوراني

سيسدل الستار غدا الأحد على فعاليات كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الحالية التي احتضنتها دولة قطر (من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).   

وطبعا ستكون الكأس للمنتخب الأفضل والموفق، من سيحالفه الحظ. نعم، فللحظ نصيب وارد مهما تضاءلت نسبته في هذه الرياضة الشعبية التي تم تطويرها باستمرار وعلى مدى يقارب قرنا من الزمن، منذ انطلاق أول دورة للمونديال قبل 92 عاما، في واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية، دولة الأوروغواي سنة 1930، إلى أن أصبحت كرة القدم اليوم تخضع لضوابط علمية ولقواعد وقوانين محددة تتجه صوب مواكبة اجتهادات العصر واختراعاته التكنولوجية، وتساير استثماراته التجارية أيضا.  

 لكن أعدادا من الجماهير، تعد بالملايين من محبي وعشاق كرة القدم ومن متابعي أطوار المونديال، لن يهتموا كثيرا بصافرة النهاية في المبارة التي ستجمع غدا المنتخبين الفرنسي بنظيره الأرجنتيني لمعرفة المتوج منهما، بعد أن أجمعوا على اسم الفائز مسبقا، وهو هنا متعدد بأسماء مختلفة وعناوين موحدة، تختصر في قطر والمغرب وفلسطين والبلدان العربية وأفريقيا وشعوب الجنوب ومن يساندها عبر أرجاء المعمور.  

استطاعت قطر كسب الرهان عن جدارة واستحقاق، بنجاحها الباهر والمذهل في تنظيم النسخة الثانية والعشرين للمونديال. إن هناك إجماعا كبيرا، قلما توفر لبلد منظم، على أن ما حدث في قطر إنجاز غير مسبوق ونجاح كبير واستثنائي توفق في تحدي كل الحواجز والمعوقات والحملات الواسعة التي رعتها جهات معينة دعت إلى المقاطعة، حيث تم تسجيل أرقام قياسية عالمية في إحصائيات مشاهدي مباريات المونديال على الشاشات، لم تحقق في الدورات السابقة.  

بالنسبة لفلسطين، فقد تم رفع أعلامها وشعاراتها في عموم شوارع وساحات البلد المنظم، ناهيك عن المدرجات وفوق أرضية الملاعب، بتلقائية وعفوية انتصرت على أعتى واضعي استراتيجيات ومنفذي برامج الدعاية والترويج، وعلى خبراء العلاقات العامة، بدرجة آلمت كثيرا إسرائيل، وأزعجت مؤيديها من دعاة التطبيع، خاصة بعد عجز مبعوثي ومراسلي الإعلام الإسرائيلي إلى المونديال في انتزاع تصريحات إيجابية من الجماهير العربية، أو الحصول على كلمة طيبة عن إسرائيل يمكن توظيفها في خدمة مسار تطبيع أنظمة عربية مع إسرائيل.  

لا شك أن منتخب المغرب حقق إنجازا استثنائيا وتاريخيا غير مسبوق، بانتصاره على منتخبات كبيرة كانت مرشحة للظفر بالكأس، من بلجيكا وإسبانيا إلى البرتغال، ووصوله إلى خانة المربع الذهبي ضمن الصفوة الكبار في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما لم يتأت لأي بلد عربي أو أفريقي من قبل. إذ اعتبر تقدم المغرب في المسابقة وإنجازه مكسبا عظيما للقارة الإفريقية التي تأهل باسمها، ثم للعرب بتنوعهم الحضاري، وللمسلمين وبقية شعوب الجنوب.  

دون أن ننسى استهلال المونديال بفوز رائع لمنتخب السعودية على منتخب الأرجنتين بنجمهم الأسطوري ليونيل ميسي، وفوز مشرف لمنتخب تونس على فرنسا، بطلة العالم للنسخة السابقة (2018)، والفوز الكاميروني المبهج على منتخب السحرة البرازيل.  

في دورة قطر اصطبغت جماهير المونديال بألوان المغرب ورايته الحمراء، وتغنت باسم أبطاله من اللاعبين، وأنشدت أهازيج وشعارات جماهير الكرة في المغرب، حتى أن العرب والأفارقة وجدوا أنفسهم أحيانا، في غمرة توحدهم والتحامهم الإيجابي، يزايدون على بعضهم في حبهم وتشجيعاتهم للمنتخب المغربي في هذا المونديال المثير للغاية، والذي انتقل فيه الجمهور من اللاعب رقم 12 كما يقال عادة، إلى اللاعب رقم واحد.  

علما أن المنتخب المغربي مكون في غالبية أفراده من لاعبين ولدوا ونشأوا بديار المهجر الأوروبي، من عائلات فقيرة وأسر مهاجرة كادحة، في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من أقطار القارة العجوز، لكن لما وضع هؤلاء الفتية أمام الاختيار، استفتوا قلوبهم والدماء التي تسري في عروقهم، فاختاروا أصلهم ومَحْتَدَهُم، أي بلد انتماء الأهل والجذور: المغرب، رغم كل الإغراءات التي قدمت لتحفيز كثير منهم من أجل أخذ القرار المعاكس. وبذلك ساهموا بوضوح وقوة في تأكيد الدور الذي صارت تلعبه كرة القدم اليوم في "تكريس وتحديد الانتماءات ورسم الهويات"، على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، حيث يجري استحضار دور المشترك في الدين واللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وهو دور عميق وبالغ الأهمية، له تداعياته الملموسة غير الخفية على المجالات الاقتصادية والسياحية والسياسية، ما يرقى بكرة القدم من مجرد لعبة رياضية إلى منبر ومنصة شعبية تعبر فيها الجماهير عن طموحاتها وأمانيها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان وفي نيل الحرية والتقدم والسلام.  

ما جرى في مونديال قطر يمكن اعتباره بمثابة "ربيع عربي وأفريقي"، يتجاوز "الربيع العربي" المفترى عليه، أو المجهض والمخيب للآمال، الذي عاشته المنطقة قبل عقد من الأعوام، لنعيش اليوم ربيعا جديدا مكللا بالقيم الجديدة لكرة القدم المعبأة بنسائم الأفراح وبرغبة جامحة في إثباث الهوية والذات والوجود. "حراك" رياضي سلمي رددت فيه جماهير الكرة العربية والأفريقية بلسان واحد "إننا هنا.. وأن الساعة دقت لتغيير العقلية، للإنهاء مع سجلات الفشل والنقص والدونية، وإلغاء فكرة الاكتفاء بلعب دور مكمل يؤثث احتفالات الكبار، بغاية الاستشفاء من عقدة الإطار الأوروبي والأميركي، والقطيعة مع عدم الثقة في أبناء البلد بالاستمرار في سياسة التعويل الدائم على "الآخر المتفوق".  

هي الأفكار التي ما فتئ المدرب المغربي وليد الركراكي يرددها في مؤتمراته الصحفية ويعلنها في تصريحاته قبل وبعد المباريات، منذ وطأت قدماه أرض الدوحة.   

بكلمات بسيطة وضع الركراكي أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل، يتجاوز غرف تبديل ملابس اللاعبين ومدرجات وملاعب الكرة. حتى أن بعض الكتاب انساقوا بجد في الخوض في تحليل ظاهرة كرة القدم خلال نسخة هذا المونديال، "ظاهرة وليد الركراكي"، ووجدنا بعضهم يقارن المدرب المغربي بالزعيم القومي جمال عبد الناصر في سعيه من أجل وحدة الأقطار والشعوب العربية. آخرون لقبوا مدرب أسود الأطلس بالفيلسوف وبالخبير النفسي. أما الجماهير المغربية فتمنت لو كان يقود حكومة بلادهم رجل بمواصفات وليد الركراكي وحماسته وقد أصبحت كلماته على كل شفة ولسان، خصوصا منها تعبير "النية"، وعبارة "سِيرْ.. سِيييرْ"، التي اعتادت جماهير الكرة في المغرب ترديدها، لكن أصبح لها اليوم معنى ودلالة أقوى لما التقطها ووظفها وليد الركراكي. وترجمتها الفصيحة: (سِرْ إلى الأمام.. انطلق وتقدم)...  

لذلك ولا شك، أنه لو جرى استفتاء شعبي نزيه لاختيار رجل السنة في المغرب، وفي البلاد العربية وأفريقيا، فسوف يكون هو وليد الركراكي، وقد انتشرت فيديوهات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين من الكاميرون والكونغو ونيجيريا ومصر والعراق والجزائر ولبنان وفلسطين وغيرهم من مشجعي الفريق المغربي، كلهم قالوا بالحرف: "نحن مغاربة" و"قلبنا ينبض بالمغربي". وقد شاهدنا كيف ارتدى منتخب السينغال في المدرجات مع مدربه الوطني إليو سيسي، قميص المنتخب المغربي، بل إن العرب والأفارقة كلهم اصطفوا خلف المنتخب المغربي. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بتلك النبوءة الموعودة بالغد المشرق الجميل، غد صافية سماؤه، ومن أديمها تلوح تباشير الأمل في تحقيق قيم التضامن والوحدة المنشودين.

 لقد سال كثيرٌ من الحبر حتى الآن، وأنهار من التعليقات والتحليلات والتفسيرات، صبّت كلها في بحار المغامرة المغربية في مونديال قطر، علت أمواجها لمستويات وامتدادات لم يكن ممكنا قبل كأس العالم تصديقها.   

 فورة من الأحلام الجميلة، ومن المحبة والتعاطف والأخوة والفخر، دثرت الجسد العربي والأفريقي، لكن عمر الحلم دائما قصير مثل لمعة ضوء بارقة في ليلة مظلمة، ويأتي بعدها صحو المواجهة مع الواقع العنيد. فسريعا ما سينجلي الوهم الكبير الذي صنعته كرة مستديرة، جوفاء لا يملؤها غير الهواء، لا، بل إن الكوابيس تأبى إلا أن تكون شاخصة وسط رفرفة الحلم الوردي لتنغص لذته. ولسنا من الواقفين فوق رُبوات التشاؤم، أو من مُسرِّبي ثقافة التيئيس، إلا أن ما حدث في الدوحة من ممارسات توصف بالفضائح، كان أبطالها شخصيات رياضية من قيادة الجامعة الملكية لكرة القدم، لم يترددوا في المتاجرة بتذاكر دخول مباريات المغرب في المونديال، التي منحت لهم لتوزيعها على الجمهور المغربي بالمجان، لكن هؤلاء "الأبطال" حولوا تلك التذاكر إلى السوق السوداء بأثمنة عالية جدا، ومن بين هؤلاء المنغصين أعضاء في البرلمان المغربي، إذ يعرف البرلمان الحالي عضوية عدد من رؤساء أندية كرة القدم المنتمين في أغلبهم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، اللذين يقودان الحكومة الحالية مع حزب الاستقلال، ما يجعل  الطموحات التي عقدت على المدرب وليد الركراكي والمنتخب المغربي مهددة بالانكسار وبتبديد الرصيد المحصل. فلا إصلاح من دون مصلحين حقيقيين، لذلك لا غرابة في المحاولات التي تحركت من أجل سرقة ما حققه شباب المنتخب من أبناء الشعب المغربي، ونسبه إلى جهات ومؤسسات وأشخاص آخرين، مثل رئيس فيدرالية الكرة فوزي لقجع، القيادي في حزب "البام"، الذي يشغل في الآن ذاته مهمة الوزير المنتدب لوزارة المالية والاقتصاد في حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته بسخط واستياء شعبي واسع، في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية والصعبة وغلاء الأسعار الذي تعاني منها الطبقات الشعبية والأسر الفقيرة في المغرب.  

 يسوقنا الأمر إلى تفادي التطلع صوب الشيء الكثير من "انتصارات المغرب في مونديال قطر"، التي تحققت على يد وليد الركراكي مع أعضاء المنتخب، بعد أن أبانوا على مستوى عالٍ في المهارة والموهبة والتنافسية داخل المستطيل الأخضر مع منتخبات القوى العظمى في العالم، وكذا على مستوى الصور والرموز الإيجابية التي قدموها على الواجهات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والتي حظيت بمزيد من التنويه والتقدير واستحوذت على إعجاب العالم.  

 إن الأمر ليس "وليد" الصدفة، بل هو "وليد" الركراكي، وياسين بونو، ومنير المحمدي، ورومان سايس، ونصير المزراوي، وحكيم زيّاش، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، ويحيى عطية الله، وسليم املاح، ونايف اكرد، وعز الدين أوناحي، وسفيان بوفال، ويوسف النصيري، ويحيى جبران، وزكرياء أبو خلال، وباقي رفاقهم الشجعان الأفذاذ، من عبَّرُوا جهرا بصوت واحد من خلال أدائهم المشرف والبطولي، على أن المستحيل ليس من مفرادات قاموسهم. وكأني بالقائد التاريخي العسكري الإمبراطور نابليون بونابرت كان يقصد وليد الركركي عندما قال: "إن الرجل الذي عقد النية على الفوز لا ينطق كلمة مستحيل". وهو القائل أيضا: "لا توجد كلمة مستحيل إلا في قاموس الضعفاء". وما قام به منتخب المغرب برهن على "أننا" لسنا ضعفاء، وأنه لم تكن تنقصنا سوى "النية"، أي الإرادة والقصد والعزم. فكيف ومتى سيتم استثمار هذا النجاح الرياضي بشكل إيجابي، والشروع في تصحيح الأمور من خلال العمل الجدي والجاد.   

 لا أحد يريد لما يصحو من الحلم أن يجد الإحباط بالباب.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).