Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شاب يصلي في أحد مساجد باكستان
شاب يصلي في أحد مساجد باكستان

بابكر فيصل

الأديان بنصوصها وطقوسها وتعاليمها حمَّالة أوجه، ويمكن لأتباعها استغلالها وتوجيهها كما يريدون وبحسب الغرض الذي يسعون إليه، وبالتالي فإن معتنقي تلك الأديان (البشر) هم المسؤولون عن تفسيرها واستنباط القيم والمعاني والمقاصد التي تحتويها ومن ثم إنزالها إلى أرض التطبيق.

ومثلما أنه يمكن لدعاة الخير أن يحملوا أديانهم على المحبة والمودة والسلام والإحسان، فإنه يمكن لأتباع آخرين تفسيرها على أقصى درجات التشدد والتطرف الذي فيه ظلم للغير، كما أن من الممكن توجيه تعاليم الأديان لإعمار الأرض وخدمة الإنسانية أو المتاجرة بها من أجل تحقيق أهداف مادية دنيوية ضيقة.

في هذا الإطار أوردت مجلة "إيكونوميست" في عددها الصادر في الثالث من هذا الشهر تقريرين يوضحان بجلاء حقيقة أن الأديان يمكن توظيفها بحسب توجهات معتنقيها. التقرير الأول يتناول المشكلة البيئية التي تتعرض لها دولة إندونيسيا بينما يناقش التقرير الثاني أحد طقوس الديانة الهندوسية في دولة الهند. 

يقول التقرير الأول أن العاصمة الإندونيسية جاكرتا تتعرض باستمرار لهجمات مائية من أعلى وأسفل، حيث لقي ثلاثة تلاميذ مصرعهم الشهر الماضي عندما انهارت مدرستهم وسط هطول أمطار غزيرة، وفي عام 2020، أسفر أسوأ طوفان تتعرض له العاصمة منذ أكثر من عقد عن مقتل العشرات وتشريد ما يقرب من 400 ألف شخص.

وأشار التقرير إلى أن تواتر الفيضانات وشدتها آخذان في التزايد، خصوصا مع تدفق 13 نهرا عبر جاكرتا، مبينا أن أجزاء من العاصمة تغرق في البحر بمعدل 25 سم (عشر بوصات) كل عام. كما حذر البنك الدولي من أن حوالى 4.2 مليون إندونيسي قد يتعرضون لفيضانات دائمة بحلول نهاية القرن. وفي مواسم الجفاف تتعرض الغابات لموجات من الحرائق مما يهدد مساحتها البالغة 94 مليون هكتار (230 مليون فدان).

لمواجهة هذه المخاطر اجتمع كبار رجال الدين الإسلامي في مسجد الاستقلال بجاكرتا لتأسيس ما أسموه "المؤتمر الإسلامي من أجل إندونيسيا المستدامة"، وهو منتدى لتنسيق النشاط البيئي الإسلامي بين رجال الدين والمعلمين والأكاديميين والسياسيين، وقال إمام المسجد، نصر الدين عمر، في الاجتماع أن المسجد يجب أن يصبح مكانا "لتخضير العقل والقلب".


وأشار نصر الدين إلى انطلاق عملية تركيب الألواح الشمسية وأنظمة إعادة تدوير المياه في مسجده، وسيتم تجهيز 1000 مسجد آخر بألواح شمسية وعدادات طاقة ذكية. وفي عام 2018 ، أطلقت "نهضة العلماء"، أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا، سلسلة من الخطب حول النفايات وإعادة التدوير. كما أنشأت "المحمدية" ثاني أكبر منظمة من هذا النوع، برنامجا لتعليم أئمتها كيف يصبحوا "دعاة بيئيين".

ومن جانبه أصدر "مجلس العلماء الإندونيسي"، وهو أعلى هيئة لعلماء الدين، سلسلة من الفتاوى غير الملزمة للترويج للقضايا الخضراء، كما أعلن في عام 2011 أن عمليات التعدين المدمرة للبيئة محظورة بموجب الشريعة الإسلامية، وفي عام 2016 أدان المجلس ممارسات الحرق والقطع الجائر للأشجار واعتبرها محرمة شرعياً.

المثال أعلاه يوضح بجلاء أن العلماء المسلمين في إندونيسيا قد استشعروا الخطر البيئي الداهم الذي يواجه بلدهم وأثروا أن يلعب الدين الإسلامي دورا إيجابيا في مواجهة ذلك الخطر، فلم يتوانوا عن تنظيم صفوفهم للتحرك الفاعل المدعوم بالفتاوى التي تُحِّرم – بإسم الشريعة الإسلامية - الأفعال التي تلحق أضراراً بالبيئة.

وعلى العكس من ذلك المثال، فقد أورد التقرير الثاني تفاصيل عن طقس ديني يسمى "التنغيم" يؤديه أتباع الهندوسية في الهند ويتمثل في حلاقة شعر الرأس والتبرع به للآلهة من أجل تحقيق رغبة مثل ولادة طفل أو علاج مرض أو تقدم وظيفي وغير ذلك من الرغبات.

ويوضح التقرير أن حوالى 60 إلى 86 ألفا من الحجاج يصلون يوميا إلى معبد "تيرومالا" في جنوب الهند للتعبد، وأن حوالى نصف ذلك العدد يؤدون طقس الحلاقة، حيث يعمل أكثر من 1300 حلاق على مدار الساعة لحلاقة 1.2 مليون رأس كل عام. ومن المؤكد أن هناك العشرات من المعابد الأخرى التي يتم فيها أداء نفس الطقس.

غير أن هذا الطقس الديني الروحى يتم توظيفه لأغراض تجارية محض، حيث يتم بيع الشعر بالمزاد العلني من أجل الكسب المادي، ويقول التقرير أن معبد تيرومالا وحده باع 157 طناً من الشعر في عام 2019 جنى من وراءها 1.6 مليون دولار. ويتم نقل جزء كبير من الشعر المباع إلى ولاية البنغال الشرقية حيث تتركز صناعة الشعر المستعار، ومن ثم يتم تصديره خارج البلاد.

وبحسب التقرير فإن قيمة السوق العالمية للشعر المستعار بلغت 5.8 مليار دولار في عام 2021، وهى صناعة رائجة وتنمو بوتيرة سريعة، وقد قامت الهند بتصدير ما قيمته 770 مليون دولار من شعر الإنسان في نفس العام، ويعتبر الشعر الهندي من أجود أنواع الشعر نسبة لأن معظم الهنود لا يستخدمون المواد الكيميائية في تغذيته وإطالته.

وهكذا، فإن المثالين أعلاه يؤكدان أن الأديان يمكن أن تلعب أداوراً مختلفة بحسب توجهات معتنقيها وأتباعها، فهى قد تكون أداة لخدمة الإنسان الذي وضع عليه الخالق مسؤولية إعمار الأرض، وفي ذات الأوان يمكن أن تصبح وسيلة لاستغلال ذلك الإنسان من أجل تحقيق مصالح دنيوية.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير
الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير

حازم الأمين

كان عام هزيمة الشعوب والمجتمعات العربية، وانتصار الأنظمة المتسلطة والفاسدة وغير الشرعية. لا نقول ذلك من باب ندب المصير والبكاء على ما صرنا إليه، ولا نقوله لأن صدمة أصابتنا جراء ما آلت إليه أوضاعنا، انما كمقدمة لاستعراض نكبات العام 2022 بوصفها نتيجة غير مفاجئة، لكنها فعلاً غير نهائية وتخفي وقائع أخرى.

الهزيمة هي امتداد لسلسلة من إخفاقات باشرت اشتغالها منذ أعوام، إلا أنها في العام 2022 بلغت ذروتها. في مصر أنهى نظام عبد الفتاح السيسي كل بقايا ثورة يناير، وفي سوريا كانت الهزيمة النهائية للثورة، وتونس صارت جمهورية قيس سعيد، وتمكن حزب الله في لبنان من التحول إلى قوة وحيدة ومعيقة لأي تغيير أو إصلاح. الوضع في اليمن معلق بانقسام وبحرب أهلية، وفي العراق استعادت طهران المبادرة، ولها اليوم فيه الحكومة والحشد الشعبي والفصائل الولائية!

لكن النظام العربي مختنق بـ"انتصاراته"، ذاك أن استعراضاً موازياً لأوضاعه يكشف استعصاء يفوق ما كان يعيشه في لحظة اندلاع ما أطلقنا عليه "الربيع العربي". فالنظام السوري عالق بين نفوذ أسياده الروس والإيرانيين، ومحاصر بعقوبات وبفشل هائل على كل المستويات، ومصر على أبواب انهيار مالي واقتصادي بدأت بشائره عبر سياسة تعويم العملة الوطنية وما أحدثه التعويم من كوارث معيشية، وإذا كان قيس سعيد قد انقض على تونس وعلى دستورها مستثمراً بموبقات حركة النهضة التي كانت سبقته إلى السلطة، فإن جواب التونسيين على تغوله على بلدهم جاء قبل أيام عبر نسبة اقتراع في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز التسعة في المئة، وهو ما يقوض شرعية سلطته. لبنان والعراق هما حصة طهران في هذا الاختناق. لبنان على أبواب المجاعة في ظل سلطة حزب الله، والعراق بلغ فيه الفساد مستويات كشفت عن حجم الفشل.

اذاً، فَشِل الربيع العربي، لكن خصومه في وضع أسوأ من أوضاعهم التي سبقته! والغريب أن الأنظمة التي تتوهم أنها التقطت أنفاسها، استأنفت في التعامل مع هذا الواقع، ما كانت بدأته قبل العام 2011. النظام في سوريا صار أكثر دموية من نفسه، وحزب الله يعتقد أن لحظات اهتزاز سلطته هي وليدة مساحات في النظام كان تركها لشركاء في النظام لم يحسنوا إدارتها، وها هو اليوم يسعى لأن يكون القوة الوحيدة المقررة في مستقبل لبنان، وإذا كنا لم نشهد بعد رد قيس سعيد على سحب التونسيين التوكيل الذي اعطوه إياه في الانتخابات الرئاسية، فيجب ان لا نتوقع خيراً منه. أما مصر، فكل مؤشراتها اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل العام 2011 بدءاً من الوضع الاقتصادي ووصولاً إلى الحريات وحقوق الانسان. 

لكن في ضوء هذا الانسداد، ماذا يمكن أن نتوقع للعام 2023؟

لن تسقط أنظمة، ولن يستعيد أحد عافيته! هذا ليس أسوأ السيناريوهات، على رغم الأكلاف الباهظة الناجمة عنه. فأسوأها هي أن يستعيد النظام في سوريا عافيته، وأن تصبح تونس على شاكلة قيس سعيد، وأن ينجح السيسي في إقناع العالم بضرورة استمراره خنق الحريات في مصر. الأثمان باهظة فعلاً، لكن الخيارات ضيقة، وبديل الاهتراء هو تطويب الاستبداد بوصفه قدراً لا مناص منه. وأمام هذه الخيارات، وبما أننا أمام مفاضلة بين سوء وسوء، ما علينا إلا أن ننتظر تحلل الأنظمة، بديلاً من انتظار استقرار القتل والاستبداد. 

في مقابل هزيمة الثورات، ثمة فشلاً هائلاً لـ"المنتصرين"، هذه المعادلة مأساوية إلا أنها تجعل من مجتمعاتنا ومن تجاربنا مجالاً للتفكير ولمحاولات مختلفة في التعامل مع الانسداد. من هُزموا من المفترض أن يجروا مراجعة قاسية لتجربتهم، ومن "انتصروا" لن يكتب الاستقرار لأنظمتهم، ولن يستعيدوا مواقعهم بوصفهم جزءاً طبيعياً من العالم. 
قد يكون الاهتراء بطيئاً، لكنه حين يتحول إلى تفكك، فلن تجدي معه إسالة مزيد من الدماء. 

ثمة لحظة دولية تجعل من الاهتراء وضعاً لا بد من التعامل معه، لكن إدارة الاهتراء ستكون مكلفة وسيجد العالم نفسه مجبراً على ضبط هذا الاختلال. النظام في سوريا تحول إلى مصدر للمخدرات إلى كل العالم، وجمهورية قيس سعيد هي مخزن لاجئين محتملين ولا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن أوروبا، والفساد اللبناني المرعي من قبل سلطة حزب الله بدأ يصيب النظام المالي في العالم. البقاء بعيداً عن هذا الاهتراء مستحيلاً، وترك هذا الإقليم لكي يدير كوارثه لن يفضي إلا إلى مزيد من الكوابيس.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).