Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحبيب المالكي
الحبيب المالكي

عبد الرحيم التوراني

شهد المغرب في بداية الأسبوع الذي نودعه تعيينا ملكيا للأستاذ الجامعي المتقاعد الحبيب المالكي، على رأس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.  

فجأة انهال سيل من الانتقادات، ما بين الاستنكار والسخرية والامتعاض والسخط والانفعال، وشمل الاستياء عدة أوساط سياسية واجتماعية، ليمتد إلى المجالس الخاصة في المقاهي والبيوت، ويتواصل بجرأة وبصوت مسموع على مواقع التواصل الاجتماعي. بل إن بعض المنصات الإخبارية المحسوبة على الأجهزة إياها، سارعت إلى الانضمام إلى حملات المنتقدين لهذا التعيين الذي حظي به "شخص غير مناسب"، ما يشي بأن هناك صراعا محتملا  أوعدم توافق غير مكتوم بصدد هذا التعيين الذي فاجأ كل الأوساط. 

يقال إن المناصب لا تصنع الرجال (أو النساء) ممن يعتلون كراسيها. والناس بطبعهم يحبون دائما رؤية الشخص المناسب في المكان المناسب. والخشية هي أن تسند الأمور إلى غير أهلها. ساعتها يجري تذكر الحديث المنسوب إلى رسول الإسلام: "إذا وُسِّدَ الأَمر لغير أهله فانتظروا الساعة".  

إذن لا بد من الشخص المناسب في المكان المناسب، وإذا أسند منصب لمن لا يتقن إدارته وتسييره فالنتيجة الوشيكة ستكون خرابا، وانتظار الساعة هو خراب. والمسؤول الناجح المناسب هو من يزدان المنصب به ويتطور بفضل حنكته نحو الأحسن والأجود. وهو أيضا من لا يغيره المنصب ولا الكرسي، بل يظل محافظا على تواضعه وعلى معدنه الأصيل. 

لا شك أنه لو اضطلعت إحدى مؤسسات استطلاع الرأي العام الرصينة بمهمة الكشف عن أسوء شخصية سياسية يعرفها حاليا المغرب لما خرجت النتيجة عن اثنين أو ثلاثة، في المقدمة: رجل الأعمال عزيز أخنوش، رئيس الحكومة منذ سبتمبر 2021، وحليفه المحامي عبد اللطيف وهبي، وزير العدل. مع التذكير أن الأول يشغل منصب الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، والثاني هو الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، والحزبان معا يوصفان في تقارير المحللين السياسين بـ"حزبي القصر". أما الثالث الذي انضاف إليهما فهو الحبيب المالكي، الأستاذ الجامعي المتقاعد، والقيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية "المعارض"  (!). 

وإذا كان كل من أخنوش ووهبي معروفة أسبابهما القريبة، فماذا يا ترى سيكون اقترفه الحبيب المالكي من أفعال أو ممارسات سيئة حتى ينال هذه الرتبة السلبية التي لا يمكن لأحد أن يحسده عليها؟ 

بالعودة إلى سجل الحبيب المالكي نجده راكم عددا من المناصب العليا والهامة التي تولى مسؤوليتها خلال العقود الأخيرة، منها وزيرا للفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري في حكومة عبد الرحمان اليوسفي (1998- 2000)، ووزيرا للتربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي (2004- 2007). ثم رئيسا لمجلس النواب (2016- 2021). دون أن ننسى رئاسته لمجلس الشباب والمستقبل في عهد الملك الحسن الثاني (1990- 2000). 

وكان تنصيبه الأخير رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم، مناسبة لإثارة الحديث عن ملفات الريع وتفاقم الفساد، وفرصة جديدة للكلام عن التراجع الكبير لمستوى التعليم في البلاد، وأيضا مناسبة لإعادة تقليب صفحة حزب يساري معارض انتقل بعد عقود، من مبادئ النضال والكفاح ضد الرجعية والاستبداد، إلى إطار يسير في ركاب المخزن، يسابق  الأحزاب الإدارية وينافسها في لعب أدوار الموالاة، إنه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يعد الحبيب المالكي عضوا بارزا بمكتبه السياسي وفي الوقت ذاته يرأس مجلسه الوطني. بل إن البعض لا يتردد في إدخال الحبيب المالكي إلى قفص الاتهام، ليلصق به تهمة التحالف مع إدريس لشكر (الكاتب الأول الحالي للحزب) من أجل تحريف وتشويه حزب القوات الشعبية بوضع مبادئه وتراثه النضالي العتيد في خدمة النظام، حتى ولو ارتدى الاتحاد الاشتراكي اليوم مسوح المعارضة ورفع بعض شعارات الماضي أو الأمس القريب، بعد إفراغها طبعا من مضمونها وسياقها النضالي والمبدئي، وفق عدد من التحليلات والقراءات السياسية. 

***  

استحضر كثيرون السيرة الذاتية للسيد الحبيب المالكي، وركزوا على سنوات عمره المتقدم (76 سنة). وكتب مدون ساخرا، "إن من الهوايات الرياضية المفضلة للشيخ الحبيب المالكي هي الجري وراء قطف المناصب العليا"، ثم عدّد لنا رئاسة المالكي لمجموعة الدراسات والأبحاث حول البحر الأبيض المتوسط والمركز المغربي للظرفية، الذي أطلقه الهولدينغ الملكي "أومنيوم شمال إفريقيا"، ورئاسته للمجلس الوطني للشباب والمستقبل لأكثر من عشر سنوات، وعضويته في البرلمان لست ولايات متتالية، من 1993 إلى 2021، (حوالي ثلاثة عقود). وتوليه عدة مهام لدى منظمات دولية مختلفة، منها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومنظمة الصحة العالمية، والصندوق الدولي للتنمية الفلاحية، ورئاسته للاتحاد البرلماني العربي، ورئاسته لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي. إضافة إلى أنه ما بين 2015 و2019  تولى مسؤولية النشر كمدير لصحافة حزب الاتحاد الاشتراكي. وبعد وفاة الناقد والمؤرخ السينمائي الكبير نور الدين الصايل مؤسس ورئيس مهرجان السينما الإقريقية بمدينة خريبكة، وبالرغم من ابتعاده عن مجال السينما والفنون لم يتورع الحبيب المالكي ويتراجع عن رئاسة المهرجان السينمائي ضدا على السينمائيين المغاربة الذين اعترضوا على هذا التعيين، الذي جاء من طرف السلطات، اعتبارا لانتمائه للمنطقة والإقليم الذي ينظم المهرجان على أرضه. 

لقد أجمعت التعليقات والتدخلات على أن ما يميز الحبيب المالكي في رحلاته "المَناصِبية" هاته أنها كانت رحلة طويلة باهتة، وأن أثر بصمته بها منعدم إذا لم يكن سلبيا للغاية. لذلك يرمى بـ "الفشل" الواضح في مختلف التجارب التي أدارها وتولى مسؤوليتها. بهذا الصدد كتب أستاذ أنه في رئاسة المالكي للمجلس الوطني للشباب والمستقبل، "ضاع الشباب وضاع معه المستقبل".  وبلغ الاستياء بأحدهم فأصدر حكم قيمة قاسٍ بالقول "إن صاحبنا من أؤلئك الذين يفتقدون لبعد النظر ووضوح في الرؤية، وبالتالي العزيمة وقوة الإرادة ونزاهة الفكر". وأنه لا يصلح لمثل هذا المنصب الهام والبالغ الحساسية. 

وقال آخر إن تعيين الحبيب المالكي على رأس المجلس الأعلى للتعليم "دليل على أن المغرب يعيش أزمة نخب"، وأننا وصلنا بالفعل إلى "مرحلة جيل الضباع"، محيلا إلى نبوءة المفكر الراحل الدكتور محمد جسوس، الذي قال إنهم بضرب التعليم يهيئون لجيل الضياع. 

وتنوعت ردود الفعل إلى درجة قال معها ناشط حقوقي بأنه أحس بالإهانة لما علم بهذا التعيين لرجل لن يكون إلا مثالا لنفسه وممارساته السابقة، وأن فاقد الشيء لا يعطيه. 

إن ردود الفعل السلبية التي أنتجها هذا التعيين أوضحت مدى حجم الغضب والاستياء الذي يتكدس اليوم داخل النفوس الحانقة لينفجر. وكشفت عن جرأة الطبقات الشعبية لما يتاح لها المجال للتعبير عن آرائها ومواقفها الحقيقية بكل حرية، وهو ما لم يكن متوفرا قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية. كما كشفت الردود عن عدم اهتمام الجهات المسؤولة حقيقة بالنهوض بمستوى التعليم في البلد، وهو مستوى متدني ومتخلف عن كثير من البلدان الأقل نموا من المغرب. وأن الخطاب المتداول حول الرغبة في عطاء ذوي الكفاءات العلمية، وفي منح الأولوية للشباب ولأصحاب المؤهلات والخبرات، هو مجرد كلام استهلاكي فقط لا غير.  

هي الأحوال كما ترى لا كما تسمع، وتلك إرادة المتحكمين في الأمور، معها يصبح المستحيل من الممكن، و"الممكن من المستحيل" على حد عنوان عمل أدبي للكاتب المغربي الراحل عبد الجبار السحيمي. 

إن عدم وضع "الشخص المناسب في المكان المناسب"، لن تكون نتيجته سوى مراكمة الفشل وضياع الأهداف والطموحات، وانهزام المصلحة العامة أمام المصلحة الخاصة. بذلك تضيع المناصب بمثل هؤلاء، وبالتالي تضيع قضايا المواطنين ويضيع معها المستقبل. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).