Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لقطة من حفل افتتاح مونديال قطر 2022
لقطة من حفل افتتاح مونديال قطر 2022

حسين عبد الحسين

"حركة مقاطعة إسرائيل"، المعروفة بأحرفها الإنكليزية الأولى "بي دي أس"، هي جمعية فلسطينية غير حكومية، تتمتع بانتشار عالمي وشهرة تضاهي القطبين الفلسطينيين "السلطة" و"حماس".

تم تصميم هذه الحركة على طراز حركات مقاطعة نظام الفصل العنصري آبرثايد، في جنوب أفريقيا، التي توسعت عالميا حتى اقتلعت نظام البيض وأنهت نظامهم العنصري. 

و ”حركة مقاطعة إسرائيل“ حنبلية، على ما نقول في العامية الشامية والمصرية، أي أنها متشددة لا تساوم. صحيح أنها حركة لا تدعو للعنف (ولا تدينه كذلك)، لكن مطالبها قصوى، ومواقفها قاسية.

يكفي أن يشارك مراهق إسرائيلي في دورة كرة مضرب وتوقعه القرعة ضد لاعب عربي حتى تنهال "حركة مقاطعة إسرائيل" على اللاعب العربي بطلبات لمقاطعة المباراة وترك اللاعب الاسرائيلي يفوز. 

كذلك الأمر في المؤتمرات. يكفي أن يشارك كاتب إسرائيلي واحد في مؤتمر فيه أكثر من مئة كاتب وأديب عربي وعالمي، مثلا في الإمارات، حتى تنهال طلبات "حركة مقاطعة إسرائيل" على المشاركين العرب للانسحاب من المؤتمر بأكمله، لا من الجلسة التي يشارك فيها الأديب الإسرائيلي.

ولا يهم إن كان الأديب الإسرائيلي مع أو ضد الفلسطينيين. يكفي أن يكون إسرائيليا حتى تصبح مقاطعته إلزامية وتصبح المشاركة معه، أو حتى الحديث اليه، من الكبائر الموجبة لتخوين العربي الذي لا يلتزم المقاطعة. 

والدعوة إلى المقاطعة ليست ضد الإسرائيليين فحسب، بل ضد العرب "المتخاذلين" ممن لا يقاطعون إسرائيل. مثلا، دعت "حركة مقاطعة إسرائيل" العرب والعالم، بمن فيهم "الحكومات والشركات والفنانين" إلى مقاطعة "معرض إكسبو" الذي استضافته دبي العام الماضي، وجاء نص الدعوة على الشكل التالي: "قاطعوا إكسبو دبي: نشاط (هدفه) تبييض دكتاتورية الإمارات والآبرثايد الإسرائيلي". 

ثم حان موعد كأس العالم الذي تستضيفه قطر، والذي بدأت أولى مبارياته أول من أمس.  

أعلنت الدوحة، قبل أسابيع من انطلاق البطولة، إقامتها خط رحلات مباشرة بين مطاري حمد بن خليفة وبن غوريون بهدف السماح لآلاف المشاهدين الإسرائيليين والفلسطينيين زيارة قطر على مدى شهر كامل. وفي الدوحة، وقف الاعلاميون الإسرائيليون يستعرضون الأحداث مباشرة من الدوحة على قنوات التلفزة والراديو الإسرائيلية. 

أمام "الخيانة القطرية" هذه، ومع تعامل قطر وإسرائيل بصورة طبيعية، حتى لو في إطار الرياضة، كان متوقعا أن تصدر "حركة مقاطعة إسرائيل" دعوة، على غرار التي أصدرتها ضد الامارات العام الماضي، تكتب فيها "قاطعوا كأس العالم في قطر: نشاط (هدفه) تبييض دكتاتورية قطر والآبرثايد الإسرائيلي".

لكن "حركة مقاطعة إسرائيل" الفلسطينية لم تدعُ إلى مقاطعة قطر أو كأس العالم، بل حاولت الاستعاضة عن صمتها هذا — الذي ينم عن تآمرها مع الدوحة وانحيازها إليها — بحملة سمتها ”فلنسجّل هدفا للحقوق الفلسطينية“، دعت فيها إلى رفع العلم الفلسطيني حيثما يتيسر، والمشاركة في "عواصف على وسائل التواصل الاجتماعي"، ومقاطعة شركة بوما للمنتجات الرياضية لأنها ترعى المنتخب الإسرائيلي. 

لماذا تنحاز "حركة مقاطعة إسرائيل" (بي دي أس) لقطر، ضد الإمارات والبحرين والسعودية؟ الإجابات متعذرة، خصوصا أن الحركة الفلسطينية المذكورة لا تتمتع بشفافية حول مصادر تمويلها. ربما كانت الدوحة من أكبر ممولي هذه الحركة، ومن يغمّس في صحن السلطان يضرب بسيفه. لكن في غياب أي بيانات واضحة، لا يمكن إقامة ربط من هذا النوع الا من باب التكهنات. 

أيا تكن الأسباب، يشكل انحياز "حركة مقاطعة إسرائيل" لدول عربية دون أخرى، أو لإيران وتركيا ضد الدول العربية، امتدادا لسياسة انتهجها معظم قادة الفلسطينيين تاريخيا، إذ راهنوا على ديكتاتوريات شعبوية تطعمهم شعارات لا تغني ولا تسمن، منذ ارتماء مفتي القدس أمين الحسيني في أحضان طاغية العالم الألماني هتلر، ومصادقة رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات طاغية الغرب صدام حسين، حتى بعد قيام الأخير باجتياح الكويت وابتلاعها، ثم ارتماء حماس في أحضان دكتاتور سوريا بشار الأسد. 

اليوم، يواصل فلسطينيو "حركة مقاطعة إسرائيل" ربط أنفسهم بالجبهة المسماة "الجنوب العالمي"، التي تتألف من كل الأنظمة والحركات في العالم المعادية للغرب والديمقراطية والليبرالية، ويتمسكون بالإسلام السياسي، وقطر، والأسد، ونظامي إيران وتركيا الإسلاميين. 

أما النصيحة لهؤلاء الفلسطينيين فهي أن يعملوا بموجب قاعدتين، أولهما "أعرف نفسك"، أي أن غالب شقاء الفلسطينيين مصدره تعذّر قدرتهم على بناء أي مؤسسات سياسية أو اجتماعية لادارة شؤونهم، بل أن التجربة الفلسطينية في بناء دولة — مع أو بدون أرض — هي تجربة تشبه الدول العربية الشقيقة التي كانت تشكل ما يعرف بـ "جبهة الرفض" في الماضي، أي التي رفضت اتفاقية السلام المصرية مع إسرائيل، وكانت تتألف من العراق وسوريا وليبيا واليمن، وكلها دول فاشلة اليوم تشبه قطاع غزة، حتى وإن بدون حصار إسرائيلي.  

القاعدة الثانية هي أن يدرك الفلسطينيون ممن يكررون الخطأ في رهاناتهم الإقليمية والدولية أن صديقك هو من صادقك لا من صدّقك، وهو ما يعني أن صديق الفلسطينيين الحقيقي هو الذي يخاطبهم بواقعية حول فشلهم الذريع، المسؤول عن النسبة الأكبر من شقائهم اليوم، والذي ينصحهم بالتخلي عن المطالب الخيالية المتعذر تحقيقها، والقبول بتسوية "ما تيسر"، يمكن البناء عليها، وتحسينها مستقبلا، وتوسيعها. أما من صدّق الفلسطينيين، أو تظاهر بذلك، وانخرط معهم في الشعارات الخشبية الشعبوية المتكررة على مدى القرن الماضي، فهؤلاء ليسوا أصدقاء الفلسطينيين، بل هم يستغلون قضية الفلسطينيين وشعاراتهم لأسباب خاصة ومصالح غير فلسطينية، إذا ماذا يضير مناضل يتمتع برغد العيش في الدوحة أو أنقرة أن يدعو للقتال والنضال في الضفة الغربية وغزة؟ 

السلام الفوري مع إسرائيل والتطبيع الشامل يحرران كل العرب من قضية أعجزتهم، فأقعدتهم، وأعاقت تطورهم، وكما كتب العزيز الراحل سمير قصير يوما، إن الخيار الأمثل لتعافي العرب يكمن في بتر العضو المصاب حتى يتماثل المريض للشفاء. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وليد الركراكي متحدثا عن أشرف حكيمي: كان يرفض الخروج كلما حاولنا إخراجه
"المدرب وليد الركراكي وضع أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل"

عبد الرحيم التوراني

سيسدل الستار غدا الأحد على فعاليات كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الحالية التي احتضنتها دولة قطر (من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).   

وطبعا ستكون الكأس للمنتخب الأفضل والموفق، من سيحالفه الحظ. نعم، فللحظ نصيب وارد مهما تضاءلت نسبته في هذه الرياضة الشعبية التي تم تطويرها باستمرار وعلى مدى يقارب قرنا من الزمن، منذ انطلاق أول دورة للمونديال قبل 92 عاما، في واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية، دولة الأوروغواي سنة 1930، إلى أن أصبحت كرة القدم اليوم تخضع لضوابط علمية ولقواعد وقوانين محددة تتجه صوب مواكبة اجتهادات العصر واختراعاته التكنولوجية، وتساير استثماراته التجارية أيضا.  

 لكن أعدادا من الجماهير، تعد بالملايين من محبي وعشاق كرة القدم ومن متابعي أطوار المونديال، لن يهتموا كثيرا بصافرة النهاية في المبارة التي ستجمع غدا المنتخبين الفرنسي بنظيره الأرجنتيني لمعرفة المتوج منهما، بعد أن أجمعوا على اسم الفائز مسبقا، وهو هنا متعدد بأسماء مختلفة وعناوين موحدة، تختصر في قطر والمغرب وفلسطين والبلدان العربية وأفريقيا وشعوب الجنوب ومن يساندها عبر أرجاء المعمور.  

استطاعت قطر كسب الرهان عن جدارة واستحقاق، بنجاحها الباهر والمذهل في تنظيم النسخة الثانية والعشرين للمونديال. إن هناك إجماعا كبيرا، قلما توفر لبلد منظم، على أن ما حدث في قطر إنجاز غير مسبوق ونجاح كبير واستثنائي توفق في تحدي كل الحواجز والمعوقات والحملات الواسعة التي رعتها جهات معينة دعت إلى المقاطعة، حيث تم تسجيل أرقام قياسية عالمية في إحصائيات مشاهدي مباريات المونديال على الشاشات، لم تحقق في الدورات السابقة.  

بالنسبة لفلسطين، فقد تم رفع أعلامها وشعاراتها في عموم شوارع وساحات البلد المنظم، ناهيك عن المدرجات وفوق أرضية الملاعب، بتلقائية وعفوية انتصرت على أعتى واضعي استراتيجيات ومنفذي برامج الدعاية والترويج، وعلى خبراء العلاقات العامة، بدرجة آلمت كثيرا إسرائيل، وأزعجت مؤيديها من دعاة التطبيع، خاصة بعد عجز مبعوثي ومراسلي الإعلام الإسرائيلي إلى المونديال في انتزاع تصريحات إيجابية من الجماهير العربية، أو الحصول على كلمة طيبة عن إسرائيل يمكن توظيفها في خدمة مسار تطبيع أنظمة عربية مع إسرائيل.  

لا شك أن منتخب المغرب حقق إنجازا استثنائيا وتاريخيا غير مسبوق، بانتصاره على منتخبات كبيرة كانت مرشحة للظفر بالكأس، من بلجيكا وإسبانيا إلى البرتغال، ووصوله إلى خانة المربع الذهبي ضمن الصفوة الكبار في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما لم يتأت لأي بلد عربي أو أفريقي من قبل. إذ اعتبر تقدم المغرب في المسابقة وإنجازه مكسبا عظيما للقارة الإفريقية التي تأهل باسمها، ثم للعرب بتنوعهم الحضاري، وللمسلمين وبقية شعوب الجنوب.  

دون أن ننسى استهلال المونديال بفوز رائع لمنتخب السعودية على منتخب الأرجنتين بنجمهم الأسطوري ليونيل ميسي، وفوز مشرف لمنتخب تونس على فرنسا، بطلة العالم للنسخة السابقة (2018)، والفوز الكاميروني المبهج على منتخب السحرة البرازيل.  

في دورة قطر اصطبغت جماهير المونديال بألوان المغرب ورايته الحمراء، وتغنت باسم أبطاله من اللاعبين، وأنشدت أهازيج وشعارات جماهير الكرة في المغرب، حتى أن العرب والأفارقة وجدوا أنفسهم أحيانا، في غمرة توحدهم والتحامهم الإيجابي، يزايدون على بعضهم في حبهم وتشجيعاتهم للمنتخب المغربي في هذا المونديال المثير للغاية، والذي انتقل فيه الجمهور من اللاعب رقم 12 كما يقال عادة، إلى اللاعب رقم واحد.  

علما أن المنتخب المغربي مكون في غالبية أفراده من لاعبين ولدوا ونشأوا بديار المهجر الأوروبي، من عائلات فقيرة وأسر مهاجرة كادحة، في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من أقطار القارة العجوز، لكن لما وضع هؤلاء الفتية أمام الاختيار، استفتوا قلوبهم والدماء التي تسري في عروقهم، فاختاروا أصلهم ومَحْتَدَهُم، أي بلد انتماء الأهل والجذور: المغرب، رغم كل الإغراءات التي قدمت لتحفيز كثير منهم من أجل أخذ القرار المعاكس. وبذلك ساهموا بوضوح وقوة في تأكيد الدور الذي صارت تلعبه كرة القدم اليوم في "تكريس وتحديد الانتماءات ورسم الهويات"، على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، حيث يجري استحضار دور المشترك في الدين واللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وهو دور عميق وبالغ الأهمية، له تداعياته الملموسة غير الخفية على المجالات الاقتصادية والسياحية والسياسية، ما يرقى بكرة القدم من مجرد لعبة رياضية إلى منبر ومنصة شعبية تعبر فيها الجماهير عن طموحاتها وأمانيها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان وفي نيل الحرية والتقدم والسلام.  

ما جرى في مونديال قطر يمكن اعتباره بمثابة "ربيع عربي وأفريقي"، يتجاوز "الربيع العربي" المفترى عليه، أو المجهض والمخيب للآمال، الذي عاشته المنطقة قبل عقد من الأعوام، لنعيش اليوم ربيعا جديدا مكللا بالقيم الجديدة لكرة القدم المعبأة بنسائم الأفراح وبرغبة جامحة في إثباث الهوية والذات والوجود. "حراك" رياضي سلمي رددت فيه جماهير الكرة العربية والأفريقية بلسان واحد "إننا هنا.. وأن الساعة دقت لتغيير العقلية، للإنهاء مع سجلات الفشل والنقص والدونية، وإلغاء فكرة الاكتفاء بلعب دور مكمل يؤثث احتفالات الكبار، بغاية الاستشفاء من عقدة الإطار الأوروبي والأميركي، والقطيعة مع عدم الثقة في أبناء البلد بالاستمرار في سياسة التعويل الدائم على "الآخر المتفوق".  

هي الأفكار التي ما فتئ المدرب المغربي وليد الركراكي يرددها في مؤتمراته الصحفية ويعلنها في تصريحاته قبل وبعد المباريات، منذ وطأت قدماه أرض الدوحة.   

بكلمات بسيطة وضع الركراكي أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل، يتجاوز غرف تبديل ملابس اللاعبين ومدرجات وملاعب الكرة. حتى أن بعض الكتاب انساقوا بجد في الخوض في تحليل ظاهرة كرة القدم خلال نسخة هذا المونديال، "ظاهرة وليد الركراكي"، ووجدنا بعضهم يقارن المدرب المغربي بالزعيم القومي جمال عبد الناصر في سعيه من أجل وحدة الأقطار والشعوب العربية. آخرون لقبوا مدرب أسود الأطلس بالفيلسوف وبالخبير النفسي. أما الجماهير المغربية فتمنت لو كان يقود حكومة بلادهم رجل بمواصفات وليد الركراكي وحماسته وقد أصبحت كلماته على كل شفة ولسان، خصوصا منها تعبير "النية"، وعبارة "سِيرْ.. سِيييرْ"، التي اعتادت جماهير الكرة في المغرب ترديدها، لكن أصبح لها اليوم معنى ودلالة أقوى لما التقطها ووظفها وليد الركراكي. وترجمتها الفصيحة: (سِرْ إلى الأمام.. انطلق وتقدم)...  

لذلك ولا شك، أنه لو جرى استفتاء شعبي نزيه لاختيار رجل السنة في المغرب، وفي البلاد العربية وأفريقيا، فسوف يكون هو وليد الركراكي، وقد انتشرت فيديوهات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين من الكاميرون والكونغو ونيجيريا ومصر والعراق والجزائر ولبنان وفلسطين وغيرهم من مشجعي الفريق المغربي، كلهم قالوا بالحرف: "نحن مغاربة" و"قلبنا ينبض بالمغربي". وقد شاهدنا كيف ارتدى منتخب السينغال في المدرجات مع مدربه الوطني إليو سيسي، قميص المنتخب المغربي، بل إن العرب والأفارقة كلهم اصطفوا خلف المنتخب المغربي. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بتلك النبوءة الموعودة بالغد المشرق الجميل، غد صافية سماؤه، ومن أديمها تلوح تباشير الأمل في تحقيق قيم التضامن والوحدة المنشودين.

 لقد سال كثيرٌ من الحبر حتى الآن، وأنهار من التعليقات والتحليلات والتفسيرات، صبّت كلها في بحار المغامرة المغربية في مونديال قطر، علت أمواجها لمستويات وامتدادات لم يكن ممكنا قبل كأس العالم تصديقها.   

 فورة من الأحلام الجميلة، ومن المحبة والتعاطف والأخوة والفخر، دثرت الجسد العربي والأفريقي، لكن عمر الحلم دائما قصير مثل لمعة ضوء بارقة في ليلة مظلمة، ويأتي بعدها صحو المواجهة مع الواقع العنيد. فسريعا ما سينجلي الوهم الكبير الذي صنعته كرة مستديرة، جوفاء لا يملؤها غير الهواء، لا، بل إن الكوابيس تأبى إلا أن تكون شاخصة وسط رفرفة الحلم الوردي لتنغص لذته. ولسنا من الواقفين فوق رُبوات التشاؤم، أو من مُسرِّبي ثقافة التيئيس، إلا أن ما حدث في الدوحة من ممارسات توصف بالفضائح، كان أبطالها شخصيات رياضية من قيادة الجامعة الملكية لكرة القدم، لم يترددوا في المتاجرة بتذاكر دخول مباريات المغرب في المونديال، التي منحت لهم لتوزيعها على الجمهور المغربي بالمجان، لكن هؤلاء "الأبطال" حولوا تلك التذاكر إلى السوق السوداء بأثمنة عالية جدا، ومن بين هؤلاء المنغصين أعضاء في البرلمان المغربي، إذ يعرف البرلمان الحالي عضوية عدد من رؤساء أندية كرة القدم المنتمين في أغلبهم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، اللذين يقودان الحكومة الحالية مع حزب الاستقلال، ما يجعل  الطموحات التي عقدت على المدرب وليد الركراكي والمنتخب المغربي مهددة بالانكسار وبتبديد الرصيد المحصل. فلا إصلاح من دون مصلحين حقيقيين، لذلك لا غرابة في المحاولات التي تحركت من أجل سرقة ما حققه شباب المنتخب من أبناء الشعب المغربي، ونسبه إلى جهات ومؤسسات وأشخاص آخرين، مثل رئيس فيدرالية الكرة فوزي لقجع، القيادي في حزب "البام"، الذي يشغل في الآن ذاته مهمة الوزير المنتدب لوزارة المالية والاقتصاد في حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته بسخط واستياء شعبي واسع، في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية والصعبة وغلاء الأسعار الذي تعاني منها الطبقات الشعبية والأسر الفقيرة في المغرب.  

 يسوقنا الأمر إلى تفادي التطلع صوب الشيء الكثير من "انتصارات المغرب في مونديال قطر"، التي تحققت على يد وليد الركراكي مع أعضاء المنتخب، بعد أن أبانوا على مستوى عالٍ في المهارة والموهبة والتنافسية داخل المستطيل الأخضر مع منتخبات القوى العظمى في العالم، وكذا على مستوى الصور والرموز الإيجابية التي قدموها على الواجهات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والتي حظيت بمزيد من التنويه والتقدير واستحوذت على إعجاب العالم.  

 إن الأمر ليس "وليد" الصدفة، بل هو "وليد" الركراكي، وياسين بونو، ومنير المحمدي، ورومان سايس، ونصير المزراوي، وحكيم زيّاش، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، ويحيى عطية الله، وسليم املاح، ونايف اكرد، وعز الدين أوناحي، وسفيان بوفال، ويوسف النصيري، ويحيى جبران، وزكرياء أبو خلال، وباقي رفاقهم الشجعان الأفذاذ، من عبَّرُوا جهرا بصوت واحد من خلال أدائهم المشرف والبطولي، على أن المستحيل ليس من مفرادات قاموسهم. وكأني بالقائد التاريخي العسكري الإمبراطور نابليون بونابرت كان يقصد وليد الركركي عندما قال: "إن الرجل الذي عقد النية على الفوز لا ينطق كلمة مستحيل". وهو القائل أيضا: "لا توجد كلمة مستحيل إلا في قاموس الضعفاء". وما قام به منتخب المغرب برهن على "أننا" لسنا ضعفاء، وأنه لم تكن تنقصنا سوى "النية"، أي الإرادة والقصد والعزم. فكيف ومتى سيتم استثمار هذا النجاح الرياضي بشكل إيجابي، والشروع في تصحيح الأمور من خلال العمل الجدي والجاد.   

 لا أحد يريد لما يصحو من الحلم أن يجد الإحباط بالباب.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).