Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

العالم سيظل يتذكر مونديال قطر فهو خارج سياق تاريخ البطولات
العالم سيظل يتذكر مونديال قطر فهو خارج سياق تاريخ البطولات

نضال منصور

انطلق مونديال كأس العالم لكرة القدم في قطر، وكان مبهرا رغم بساطته، وحمل رسائل سياسية، وإنسانية، وحضارية لا يمكن إغفالها، واعتُبرت الرد القطري على حملة الانتقادات التي لاحقتها طوال أكثر من عقد من الزمان خلال تحضيراتها لاستضافة هذا الحدث الرياضي التاريخي.  

حفل الافتتاح أقيم في استاد "البيت"، والبيت رمز للأمان والعائلة، والملعب صُمم على شكل خيمة عربية بما يؤشر على الكرم والضيافة، وتُذكّر أن العرب أصحاب حضارة ضاربة في عمق التاريخ.  

كل المفردات البصرية التي استُخدمت بها أفضل التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي كان لها دلالاتها، والنصوص التي قيلت على لسان المتحدثين انتُقيت لاستعادة مفاهيم وقيم التسامح، والتنوع، والاختلاف، والعدالة، والكرامة الإنسانية.  

لم يكن اختيار الممثل الأميركي الشهير، مورغان فريمان عشوائيا، أو عبثيا، فهو ينحدر من أصول إفريقية، ومواقفه معروفة، وصديق للمناضل نيلسون مانديلا الذي سطّر تجربة نضالية في مقاومة الفصل العنصري.  

وكان يمكن لحكومة قطر أن تختار بالمقابل أكثر نجمة أو نجما يستقطب اهتمام الجماهير، لكنها فضلت عن إصرار، وحكمة أن تختار الشاب القطري، غانم المفتاح سفيرا لها في افتتاح البطولة، وهي بذلك تبعث رسالة دعم لذوي الإعاقة أنهم ليسوا أقل شأنا، وهي رسالة حقوقية بامتياز، وبين السطور قد يُقرأ أن "القامات" العالية ليس وحدهم من يصنعون الإنجاز، وهذا يعني أن الدولة التي يُنظر لها على أنها صغيرة مثل قطر يمكن أن تُبدع، وتحقق ما لا تفعله دول كبرى.  

في الحوار بين المفتاح الذي يعاني من متلازمة "التراجع الذيلي" تتجمع، وتحتشد الرسائل، فالممثل الأشهر عالميا يتحدث أن العالم يبدو أكثر تباعدا، وانقساما، والغانم يُجيبه باستلهام نصوص من القرآن عن أن الشعوب نشأت على هذه الأرض قبائل لكي يتعارفوا ويتوحدوا، فيُكمل مورغان بالحديث عن أن ما يجمع الناس أكثر مما يُفرقهم، ويكتمل المشهد بتأكيد المفتاح على أن الاحترام هو السبيل لأن نحيا معا تحت سقف واحد، وأن الأرض هي الخيمة التي نعيش بها، في ربط مع الموروث العربي، والاستاد الذي انتصب على شكل خيمة.  

حضر الزعماء العرب لمساندة الأمير تميم حاكم قطر، وتنحت عن المشهد قليلا المشاحنات، والخلافات العربية، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وحاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد في مقدمة الحضور، وقبلهم كان العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والرئيس الجزائري، والرئيس الفلسطيني، ولم يغب الرئيس التركي، أردوغان.  

كان واضحا غياب الزعماء الأوروبيين، وهي صورة لا يمكن تفسيرها إلا في سياق سياسي، فالحملات المنظمة ضد قطر ما زالت تُلقي بظلالها، ولا يمكن استبعادها، وتجاهلها، وربما حضور وزير الخارجية الأميركي، بلينكن لاحقا لمتابعة مباراة منتخب بلاده تفتح ثغرة في الحلف المضاد، والمشحون ضد الدوحة.  

الكل يزج بالسياسة في أحضان الرياضة، فمحطة مثل BBC بما تملك من تاريخ عريق تتعمد تجاهل افتتاح المونديال، والإعلام الإسرائيلي يستغل الفرصة ليُطلق على بطولة كأس العالم "مونديال العار"، ويحث العالم إلى عدم السفر إلى الدوحة، ومقاطعة هذا الحدث التاريخي، وهذا ليس مفاجئا بعد أن تزين الكثير من المشجعين بالأعلام الفلسطينية، وبعد أن قوطعت القنوات الإسرائيلية في المونديال، ووقف المشجعون أما كاميراتها ليهتفوا لفلسطين، وليرفعوا أعلامها.  

في التفاصيل التي التقطتها الكاميرات كانت المصافحة بين الرئيس السيسي، وإردوغان أول الخطوات لبدء مسار المصالحة، وهو أمر لم يُكذبه أردوغان بقوله للصحفيين "إنها خطوة لتطبيع العلاقات".  

بعد تميمة "لعيب" التي ترتدي "الغترة والعقال"، ورقصة العارضة كان صوت الأمير تميم الذي جلس إلى جوار والده الأمير السابق يُذكر أن ما فعلته قطر استثمار بالخير للإنسانية جمعاء، والتأكيد بلغة عربية على التواصل الإنساني الحضاري، واجتماع الناس على اختلاف أجناسهم، وعقائدهم، وتوجهاتهم، واختتم كلمته القصيرة بالقول "ما أجمل أن يضع الناس ما يُفرقهم جانبا، لكي يحتفوا بتنوعهم، وما يجمعهم".  

رئيس اتحاد كرة القدم "الفيفا"، جياني إنفانتينو، كان أكثر وضوحا وحسما في التصدي للهجوم الذي يتعرض له المونديال في قطر، وطالب أن يعتذر الأوروبيون للشعوب، بدل إعطاء الدروس، مُعتبرا أن الشعارات، والدروس الأخلاقية تنمُّ عن نفاق، مُذكرا أن وضع العمال في قطر أفضل من ظروف المهاجرين في أوروبا.  

مضى المونديال في طريقه يحصد النجاح، وتتدحرج الاتهامات التي لاحقت تنظيم البطولة الكروية، فالمديرة الإقليمية لمنظمة العمل الدولية، ربا جرادات، تُشيد بإصلاحات سوق العمل في قطر، وتقول إنها نُفذت بوقت قياسي، وتُشير في مقابلة معها إلى التقدم المُحرز، يتقدمه تحسين بيئة العمل، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتشريع خاص بالإجهاد الحراري، وعتبات دنيا للطعام والمسكن.  

وحتى التضخيم، والضخ في قضية المثليين طويت صفحتها، بعد أن أعلنت منتخبات أوروبية تراجعها عن ارتداء شارة المثليين "حب واحد" لتجنب العقوبات التي أعلن عنها الفيفا، وفي ذات السياق مرت قصة بيع المشروبات الكحولية في الملاعب ومحيطها، واقتصر البيع في مناطق المشجعين، وكان رد الفيفا "تستطيعون العيش لثلاث ساعات دون مشروبات كحولية".  

في 30 دقيقة كان حفل الافتتاح الذي مزج خلال 7 لوحات تصويرية الثقافة القطرية العربية بالعالمية، ومن استاد البيت المستوحى من خيمة البادية، أو "بيت الشعر" قُرعت الطبول، ولونت الألعاب النارية سماء الدوحة، وتعالى صوت نجم الكي بوب الكوري، جونغ كوك يصدح بأغنية "حالمون" يرافقه المطرب القطري، فهد الكبيسي.  

سيظل العالم يتذكر مونديال قطر فهو خارج سياق تاريخ البطولات، فقد أقيم في الشتاء، في حين كان يُنظم في فصل الصيف عادة، وسيتذكرون أيضا أن دولة شيدت ملاعب، وبنية تحتية كاملة من أجل استضافة المونديال، ونحتت بالصخر لتبني ملاعب عالمية تحتفظ بدرجة حرارة ثابتة في كل الظروف.  

التكنولوجيا الفائقة، والذكاء الاصطناعي أكثر ما يُميز مونديال الدوحة، وقيل كلام كثير عن آلاف الكاميرات التي تلتقط أدق التفاصيل خلال المباريات، والمثير المعلومات عن الكرة التي صنعتها شركة أديداس، وتحتوي على مستشعر حركة بداخلها يٌقدم بيانات عن الموقع الدقيق للكرة بواقع 500 مرة في الثانية، وهذا يُساعد الحكام على اتخاذ قرارات أكثر دقة، هذا غير نطام مساعد الحكم بالفيديو، والمعتمد على كاميرات مُثبتة في أرجاء مختلفة من الملاعب لتتبع الكرة.  

حتى اللحظة يسير المونديال دون إشكاليات، وتبدو الدوحة تُحكم سيطرتها، والمفاجآت خارج التوقعات كانت الفوز المُبهر للمنتخب السعودي على الأرجنتين بقيادة اللاعب الأكثر شهرة، ميسي، وما صاحب هذه المباراة المثيرة بدءا من حضور أمير قطر وارتدائه للعلم السعودي، مرورا باللعب القتالي للسعوديين، وانتهاء بحملات التندر التي غزت السوشيل ميديا.  

 وفي الملاعب كان لافتا امتناع لاعبي المنتخب الإيراني عن أداء النشيد الوطني لبلادهم، فيما فُسر بأنه تضامن مع الاحتجاجات، ورفع المشجعين لشعارات عن المرأة، والحياة، والحرية، ويافطات تحمل أسماء متظاهرات قُتلن على أيدي قوات الأمن، والأكثر فداحة من الدموع التي انهمرت من عيون اللاعبين الإيرانيين، الهزيمة الساحقة التي نالوها من الفريق الإنجليزي.  

 استثمرت قطر بالرياضة لتفرض بصمتها دوليا، ولكن عالم الكبار لا يريد لدولة عربية صغيرة أن تُزاحمه في المقاعد، والشيطنة، وشن الحملات ليس صعبا، والرد لا يكون بتفنيدها فقط، وإنما في صناعة قصة نجاح على أرض الواقع تستذكرها البشرية.  

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا
جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا

محمد المحمود

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).