Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994
المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994

عبد الرحيم التوراني

تعتبر مناسبة تنظيم كأس العالم لكرة القدم لحظة كونية قوية بامتياز، تتوحد فيها لغة العالم، وتتسارع على إيقاع مبارياتها دقات قلوب اللاعبين، لتحبس أنفاس الجماهير في مدرجات الملاعب وخارجها أمام شاشات التلفزيون في البيوت والساحات.

وما يميز الدورة الحالية هو احتضانها لأول مرة فوق أرض بلد عربي، دولة قطر التي راهنت على إنجاح المونديال حتى يكون أفضل وأحسن مونديال على الإطلاق تم تنظيمه حتى الآن، وربما قد تصعب مضاهاته في المستقبل القريب، وكان لها ذلك بشهادة الجميع يتقدمهم جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".

بالنسبة للمغرب، هي المرة السادسة في تاريخه التي يشارك فيها منتخبه الكروي في المونديال. وحسب "الفيفا" يصنف المغرب ضمن الأمم الكروية التي يعشق أهلها كثيرا لعبة كرة القدم من قديم. ويتصدر منتخب المغرب تصنيف المنتخبات العربية في التصنيف العالمي للمنتخبات الصادر عن "الفيفا"، بتموقعه حتى هذا الشهر في الرتبة الحادية والعشرين عالميا. كما أن التاريخ يحفظ للمغرب في مجال رياضة كرة القدم أسماء لاعبين متألقين من ذوي المهارات العالية، الذين سطعت نجومهم عاليا في أفريقيا وأوروبا، وعلى أسماء أندية عريقة سارت بذكر أمجادها الركبان.

كما أن المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994. تكرر ذلك في أربع محاولات، وكان قريبا من نيل ذلك، لولا شبهات بالفساد طالت ملف الترشيح لتنظيم مونديال 2010، من عناوينها تلاعب بنتائج التصويت، وفق تقارير بريطانية تحدثت حينها عن فوز المغرب في التصويت قبل تعديل النتائج النهائية.

واليوم يضع المغرب، بطموح وعزيمة أكبر، ترشيحه للمرة الخامسة لاستقبال وتنظيم مونديال 2030.

في أحد كتب المطالعة التي كانت مقررة في مغرب الستينيات السبعينيات من القرن الماضي، على تلاميذ المرحلة الإعدادية، نطالع مقتطفات من قصيدة لشاعر مغربي اسمه عبد المالك البلغيثي (1904- 2010) يتغنى فيها بلعبة كرة القدم، جاء فيها:
يا ابنة الريح والأدم/ سلوة العرب والعجم
لك في كل أسرة/ من ملوك إلى خدم
نشوة لا تقل عن / نشوة الخمر والنغم
أنت في حلبة الرهان/ بك الجمع ينتظم
كما أن قريحة أكثر من شاعر مغربي تنافست في مدح كرة القدم. وفي مواقف أخرى أقل تم توجيه الهجاء إلى المولعين بمتابعة مبارياتها. كما نقرأ في أبيات تنسب إلى الأستاذ العربي المساري:
ولعب الكرة ليس مذهبي/ إذ فيه للقتال أقوى سببِ
يدنس المروءة الحصينة / ويطرد الوقار والسكينة
فما رأيت فيه شيئا يُحمد/ فتركُ فعله لدي أحمدُ

وكان الشاعر أحمد الجوماري (1939/1995) من أنصار فريق الاتحاد الرياضي البيضاوي المشهور بـ "الطّاس"، بل إن والده الحاج محمد التزنيتي كان من مسيري هذا الفريق العتيد الذي تأسس على يد الوطنيين إبان المرحلة الاستعمارية، وكان من بين مؤسسيه الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الذي رأس الحكومة المغربية ما بين 1998 و2002.

أما نجم المجموعة الغنائية الشعبية "ناس الغيوان" الفنان العربي باطما (1948/1996) فكان أيضا في سنواته الأخيرة عضوا بالمكتب المسير لهذا الفريق المنتمي لأحد أكبر وأشهر الأحياء الشعبية في الدار البيضاء.. الحي المحمدي.

وكان الكاتب والروائي إدريس الصغير لاعب كرة قدم ضمن فريق الرجاء القنيطري من أندية الدرجة الثالثة. ولعب الشاعر محمد بن دفعة (1936/ 2001) صاحب ديوان "أشواك بلا ورد"، للنادي الرياضي القنيطري (الكاك) كحارس مرمى رسمي.

وكان الكاتب إدريس الخوري من أنصار نادي الوداد الرياضي البيضاوي، أما الكاتب البشير جمكار فكان من أنصار فريق نجم الشباب الرياضي بدرب غلف، الحي الذي انبثق منه هذا الفريق العريق خلال الفترة الاستعمارية، وكان من مؤسسيه أعضاء من تنظيمات المقاومة المسلحة، أبرزهم المقاوم محمد بنحمو الفواخري، الذي ظل يرأس النادي إلى يوم اعتقاله على يد المخابرات وتلفيق ملف اتهام ثقيل ضده، فكان أول من نفذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص في السنوات الأولى للاستقلال، ويحكى أن من بين الأسباب التي ساقت المقاوم بنحمو إلى هذا القدر المشؤوم، عدم احترامه لولي العهد المولى الحسن (الملك الحسن الثاني لاحقا)، عند حضور الأمير مباراة جمعت الفريق الملكي (نادي الجيش) بفريق نجم الشباب البيضاوي، ويقال إن بنحمو وبّخ لاعبا من فريقه وربما صفعه كون اللاعب قام بتقبيل يد ولي العهد.

وعلى خطى الشاعر ولاعب الكرة الروسي يفغيني يفتشينكو (1932-2017)، اشتهر الأديب والشاعر أحمد صبري، واحد من أبرز الصحفيين والمحللين الرياضيين الكبار، كان من المعجبين بسيرة ابن حيِّهم المقاوم بنحمو الفواخري، وقد حمل أول ديوان شعري لأحمد صبري صدر عام 1967 عنوان: "أهداني خوخة ومات"، تخليدا لروح المقاوم محمد بنحمو الفواخري. وعرف عن صبري ممارسته لكرة القدم ضمن نادي نجم الشباب، ونادي الحياة الرياضية، إضافة إلى فريق رجال التعليم بالدار البيضاء، وقد درَّب أندية مغربية من الدرجة الأولى، والمنتخب المغربي للشباب، ونادي الوحدة بمكة في العربية السعودية. وكان عضوا بالفيدرالية الملكية المغربية لكرة القدم، وعضوا باللجنة العلمية للاتحاد العربي لكرة القدم.

ومثل صديقه الكاتب محمد شكري، لم يكن للكاتب محمد زفزاف اهتمام يذكر بلعبة كرة القدم، إلا أنه كان لا يكف عن إبداء استغرابه من جحافل الشباب الصغار المارين أمامه بالعشرات والمئات، وهم ذاهبون إلى الملعب الشرفي (مركب محمد الخامس) القريب من مسكنه في حي المعاريف بالدار البيضاء.

ذات مرة، في الثمانينيات، قرأت لمحمد زفزاف خبرا طريفا نشرته صحيفة مغربية، عن أشهر لاعب كرة قدم أيامها، عن الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا. فاستخف صاحب "محاولة عيش" بالخبر، مشيحا بنظره، وقال نافثا دخان سيجارته، إنه ككاتب سيخلد أكثر من لاعب كرة، ولو كان اسمه مارادونا. وكان يتبنى رأي الكاتب الانكليزي جورج أورويل: "إن كرة القدم ليست مجرد لعبة، ولكنها أعمق من ذلك. إنها طريقة لإعلان القتال بين الأمم المختلفة، ولكن في ساحة خضراء، وتحت وجود قاضٍ. إنها الحرب دون إطلاق نار. لا توجد هناك علاقة بين كرة القدم واللعب المنصف، فهي لعبة مرتبطة بالكراهية والغيرة، إهدار للأموال وإسراف مبالغ كبيرة وتجاهل جميع القواعد وسادية المتعة في مشاهدة العنف، وبعبارة أخرى إنها كالحرب بدون إطلاق النار".

لكرة القدم علاقة بالسجون، إذ انتقل لاعبون عديدون من ملاعب الكرة إلى زنازن السجون لارتكابهم مخالفات وجرائم مختلفة، لعل أشهرهم الإيطالي باولو روسي الذي أطلق سراحه ليدعم منتخب بلاده في نهائيات مونديال اسبانيا 1982، فتمكن من مساعدة بلده على الفوز بكأس العالم، وكان هو هدّاف تلك الدورة.

لكن جاذبية كرة القدم لم يفلت منها أيضا المعتقلون السياسيون في مغرب سنوات الرصاص. مع مطلع الثمانينيات عرفت ظروف السجن بعض الانفراج، ونتيجة إضرابات طويلة عن الطعام قام بها المعتقلون السياسيون، ومع تطورات الوضع السياسي عموما في البلاد، منها العفو عن عدد من المعتقلين السياسيين والسماح بعودة مجموعة من المنفيين، تمكن المعتقلون من تحقيق بعض المطالب، ومنها السماح لهم بمتابعة المباريات الدولية المنقولة على التلفزيون.

في هذا السياق، وضمن حوار خاص، يتذكر الكاتب عبد العزيز الطريبق، المعتقل السياسي السابق ضمن معتقلي منظمة "إلى الأمام" الماركسية، "مع اقتراب المونديال طلبنا من الإدارة تمكنينا من مشاهدة نهاية كأس إنكلترا لموسم 1981-1982، وقبلت الإدارة لأن المقابلة كانت تدور عشية في وقت الاستراحة. بعد ذلك طرحنا موضوع متابعة مباريات المونديال، وقبلت الإدارة فيما يتعلق بمقابلات ما بعد الزوال، لأن الأبواب تغلق بعد الخامسة. لكننا مع ذلك انتزعنا "حق" متابعة المقابلات ليلا داخل ممرات حي "ألف" الكبيرة. ومنها مقابلات البرازيل ضد الاتحاد السوفياتي، والتي ساند فيها بعض الرفاق الاتحاد السوفياتي لأسباب "إيديولوجية"، بينما اصطف "الكوايرية" (من يفهمون في خبايا اللعبة) مع عبقرية اللاعبين البرازيليين سقراط وزيكو وفالكاو وجونيور"... فضمن المعتقلين السياسيين كان هناك العديد من الرفاق الذين يتقنون لعبة كرة القدم، ولو لم ينخرطوا في النضال السياسي لكان لهم شأن كروي أكيد، أمثال نور الدين السعودي ومحمد أنفلوس ومجيدو والحجاجي وأصواب وبنمالك وبلوط وآخرين".

ويضيف: "مع تقدم الزمن، حصلنا على قاعة مزودة بتلفزة استقدمناها، ولم يعد مشكل إغلاق الزنازين مطروحا حيث صارت مفتوحة طيلة الـ 24 ساعة. وتابعنا جميعا ملحمة نادي الجيش الملكي الأفريقية في موسم 1984- 1985، وكذلك نهضة المنتخب الوطني المغربي، حيث قللت فنيات اللاعب محمد التيمومي واللاعب عزيز بودربالة وروعة أداء النخبة الوطنية، تحت قيادة المدرب الداهية البرازيلي خوسي فاريا، من حدة الانتقادات ذات الطابع "السياسي" الموجهة إلى النخبة الوطنية، وكانت الفرحة عامة بالتأهيل للدور الثاني في مونديال مكسيكو 1986. أما النقاشات الكروية المحضة فلقد كانت من مستوى جد متقدم".

في "تازمامرت" المعتقل السري الرهيب، وأحد أفظع السجون عبر العالم في القرن العشرين، كان هناك أنصار من نوع آخر للفريق الوطني المغربي وهو يخوض مبارياته في مونديال المكسيك 1986، حيث كان المعتقلون العسكريون المتورطون في انقلابين متتاليين ضد النظام الملكي (1971 و1972)، ضمن زنازين انفرادية أكثر من ضيقة وسيئة، لا يلتقون، لكنهم استطاعوا إنشاء لغة تواصل خاصة فيما بينهم، كما تمكنوا سرا من حيازة راديو صغير كانوا يتابعون من خلال أمواجه النقل المباشر للقاء فريق المغرب بنظيره البرتغالي في جوادالاخارا بالمكسيك. يتذكر أحد الناجين من جحيم تازمامرت، أحمد المرزوقي، كيف كانت الزنازين تهتزُّ كلما تناهى إلى سمْعهم صوت المذيع وهو يعلن تسجيل المنتخب الوطني هدفا في مرمى المنتخب البرتغالي في نهائيات كأس العالم سنة 1986، ويعلّق على هذه المشاهد الدرامية: "كان هناك من يهتف فرحا بأهداف المنتخب الثلاثة في مرمى البرتغال، في الوقت الذي كانت توجعه أضلعه".

يومها صرح لاعب من المنتخب للتلفزيون الرسمي بأن الملك هو من زودهم بالخطة، ومن أمرهم بتسجيل ثلاثة أهداف وهو ما حصل (!). أما الملك فاستغل ترأسه لإحدى المناظرات بحضور ضيوف أجانب، وقال إن الانتصار الذي حققه المنتخب لا يعني سوى الحرية (!).

وللمفكر المغربي المهدي المنجرة (1933/2014) رأي آخر، حينما قال: "أن تفوز على مصر لا يختلف أن تفوز هي.. وكذلك مع الجزائر وتونس... فلا فائدة من كثرة الغليان والتشاحن...  فنحن جميعا متعادلون في التخلف والأمية والجهل وضعف الصحة وانتشار البطالة وتبذير الثروة وما خفي أعظم... كرة القدم مجرد لعبة وليست من بنود التطور أو مؤشرات التنمية البشرية المعروفة بتحديد من طرف الأمم المتحدة، وهي الصحة والتعليم والدخل الفردي أو مستوى عيش السكان... الشعوب المتخلفة ترى في الكرة كل شيء وهي في الأصل لا شيء...".

مَاذَا صَنَعْتَ بِالْكُرَةِ.. مَاذَا فَعَلْتَ بِالشِّبَاكْ؟! (*) يا إيبينيزر مورلي "أب" اتحاد كرة القدم الإنكليزي، الذي ينسب إليه "اختراع" الفوتبول وتأسيس قواعد اللعبة.

(*) مع الاعتذار للشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

صورة تعبيرية من متجر في فرنسا
صورة تعبيرية من متجر في فرنسا

محمد المحمود

عندما وصل نابليون بونابرت بحملته الشهيرة إلى شواطئ مصر أواخر القرن الثامن عشر، كان الفارق بين أوروبا والعالم العربي في مستوى "التقدم الاستهلاكي" والمقتنيات التقنية هائلا.

لقد واجه جنودُ مصر التابعين للدولة العثمانية آنذاك، مدافع نابليون بالسيوف وبالسكاكين وبالعِصي.

وطبعا، كانت المعركة بين الفريقين "كاريكاتورية" إلى أبعد الحدود، تبعا للفرق الهائل في التنظيم وفي التقنية، والذي كان لصالح الجنود الفرنسيين المتوفرين على أحدث الأسلحة وأحدث التقنيات، وعلى أحدث المهارات القتالية، مقابل المقاتلين المصريين، المماليك، الذين كانوا لا يزالون يُحاربون بأسلحة قروسطية، بل كانوا يتخيلون المعارك، تنظيما، وإداريا، وتشغيليا، ومآلات، كما كانت عليه الحال في آخر الحملات الصليبية القروسطية على مصر: حملة لويس التاسع في القرن الثالث عشر الميلادي.

ولم تكن حملة نابليون حملة عسكرية مجردة، بل كانت حملة عسكرية مُجَهَّزة بفريق علمي كبير مُتعدّد الاهتمامات، وبمطبعة أيضا، وهي أول مطبعة تدخل العالم العربي.

وخلال وجود هذه الحملة الفرنسية بمصر، كان علماؤها يستعرضون علومهم الحديثة.

ووفق ما يذكر المؤرخ المصري، ومؤرخ الحملة الفرنسية من جهة المصريين، الجبرتي، فإن الفرنسيين كانوا يدعون علماء الأزهر وغيرهم لمشاهدة بعض التجارب الكيميائية التي كانوا يقومون بها.

والجبرتي بعد أن يستعرض شيئا مما عرضه الفرنسيون أمامهم يعلق، وبحسرة بالغة: "وهذا مما تقصر عنه عقول أمثالنا".

المهم، جراء حملة نابليون، انفتحت أعينُ المصريين، ومن ورائهم سائر العرب، على الفرق الحضاري الهائل بين أوروبا من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى.

وأدركوا، ولو بكثير من الغموض، وبكثير من الاضطراب، حجمَ تخلّفهم المُرَوِّع؛ قياسا بما كانت عليه أوروبا آنذاك.

وكانت الحملة الفرنسية ضربة مفاجئة على الرأس؛ ليستيقظ هذا النائم من سباته الطويل والعميق.

لقد استيقظ كثيرون، وهم يفركون عيونهم ويمسحون وجوههم، غير مُصَدِّقين بحقيقة نومتهم الكهفية الممتدة لقرون. وعى بعض الناس آنذاك، وخاصة شرائح من النخبة الحاكمة ومن النخبة المتعلمة تعليما متواضعا، ضرورة ردم هذه الهوة العميقة الفاصلة بين العالم الإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى. 

نعم، لقد أصبح الاشتغال على تجاوز "واقعة التخلّف" هاجسا نخبويا؛ حسب ما عبر عنه الشيخ الأزهري، حسن العطار.

ولهذا، نجد والي مصر، محمد علي، وبعد هذه الحملة بثلاثة عقود تقريبا، يُرسل "البعثة العلمية" إلى فرنسا، تلك البعثة التي كان من أشهر أفرادها (كإمام ومرشد ديني للبعثة) الشيخ، رفاعة الطهطاوي، بعد ترشيح من شيخه المباشر، حسن العطار، الذي نصحه بمحاولة فهم سرّ التقدم الغربي.

ومنذ وطئت قدما الطهطاوي الأراضي الفرنسية؛ أدرك، بعمق، حجم المأساة التي يعيش فيها عالمه الذي جاء منه العالم الإسلامي مقارنة بما أصبح يُشاهده ـ رأي عَيْنٍ ـ في العالم الفرنسي، العالم الغربي.

كان وعيه بالمأساة حادا وأليما.

ولهذا، تجاوز مُهمّته الأصلية المتواضعة بصفته مرشدا دينيا للبعثة، وتعلّم الفرنسية، ومن ثم العمل الجاد على فهم أسرار التقدم الغربي.

وعندما ألَّف كتابه الشهير عن هذه الرحلة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كانت المقارنات الأليمة، الصريحة والضمنية، تنتظم الكتاب، وتُشَكِّل عصبه الأساس.

تَبِعَ الطهطاويَّ كثيرون من أنحاء العالم العربي، ممن قذفت بهم الظروف والأقدار ليكونوا في موضعٍ مؤسساتي أو ثقافي؛ يفرض عليهم المقارنة بين عالمهم العربي، الإسلامي البائس، والعالم الغربي المتقدم.

وبهذا تنامى الوعي بالفارق الهائل، وتعددت المقترحات التي تتغيا تقليص الفجوة؛ كُلٌّ في مجاله.

وقد ازدادت هذه الحال الجارحة للاعتبار القوم الذاتي كثافة؛ عندما بدأ الاستعمار الغربي يُطِلُّ برأسه، أي عندما بدأ "التفوق الحضاري الغربي" يأخذ مسارا أكثر حِدَّةً وأشدَّ خُشُونةً في رَسْمِ معالم "العار القومي" المتمظهر واقعيا في احتلالٍ عسكري مُهِين.

وعلى امتداد القرن التالي لحملة نابليون، أي على امتداد القرن التاسع عشر، كان الوعي الأليم (أي الوعي بمأساة التخلف الذاتي الشامل، مقابل الحسرة البالغة الناتجة عن مراقبة اطراد التقدم الغربي الذي كانت معجزاته، واختراعاته تتوالى) وهو ما يُشَكِّل معالمَ وعي النخب السياسية والثقافية في معظم أرجاء العالمين: العربي والإسلامي. وبالتالي، كانت إرادة التتلمذ، إرادة الانبعاث من أجل اللحاق، ولو جزئيا، بالعالم الغربي المتقدم، هي المسيطرة على اهتمام السياسيين والمثقفين، إن حقا وصدقا، أو كذبا وادّعاء.

وهذا ما رأيناه في الخطوات الإدارية والتعليمة، وخطوات الانفتاح على الآخر الغربي في أكثر من مستوى، سواء في الدولة العثمانية أو في ولاياتها العربية، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي بدأت فيه معطيات الحضارة الحديثة، الغربية، تُلامِس، وبشكل مباشر، حياة معظم الناس في العالم العربي. 

ما الذي حدث بعد ذلك؟ أي: ما الذي حدث مطلع القرن العشرين، وتنامى في النصف الثاني منه، وأصبح هو السائد مطلع القرن الحادي والعشرين؟

الذي حدث هو أن الاستهلاك العربي للتقنيات الحديثة تصاعد؛ من دون أن يُحَايثه تصاعدٌ للتقدم الفكري والعلمي، ومن دون أن يُقدِّم العالم العربي المستهلك أيَّ إسهام علمي وإبداعي؛ حتى في ما هو بصدد استهلاكه على نحو واسع و محموم.

فَجَرّاء مقدرات من هنا وهناك، أصبح الإنسان العربي مطلعَ القرن العشرين يركب السيارة، ولاحقا الطيارة، ثم هو يلبس أحدث الساعات، ويستخدم المذياع، ثم التلفاز، فضلا عن الهاتف بكل مستوياته.

العربي المستهلك؛ أصبح متقدما! 

أصبحت مخترعات العالم المتقدم بين يديه بشكل أو بآخر.

ومع مرور الزمن، وتوفّر بعض المقدرات الأخرى، أصبح يقتني أحدث ما ينتجه العالم المتقدم، بل ربما أصبحت ساعته الخاصة أحدث من ساعة الغربي في بلد الاختراع، وسيارته أحدث، وهاتفه أحدث، بل ومسارات طرقه أحدث، ومنازله أحدث وأفخم.. وغيرها العديد من مظاهر التقدم الاستهلاكي، المقرون عربيا بعجز تام عن الإسهام ولو بالقليل، لا في رفع متتاليات هذه المخترعات فحسب، بل حتى في صناعته ـ كتقليد ـ ابتداء. 

إن هذا "التقدم الاستهلاكي" مَنح الإنسانَ العربي اليوم شعورا زائفا بانعدام الفارق الحضاري بينه وبين العالم المتقدم.

أصبح الإنسان العربي يشعر شعورا عميقا بأن لا فارق حضاريا بينه وبين المشتغلين على الإبداع الحضاري في بوسطن، ولوس أنجلوس، وبرلين، ولندن، وباريس.. حواضر العالم الغربي المتقدم.

ربما يقول أحدهم: ماذا يضيرنا هذا الشعور الزائف بالتقدّم إذا كان يمنح الذات شيئا من الاعتداد، ومن ثم، شيئا من التماسك؟ أليس هذا الشعور الجميل يُمَهِّد للتماهي مع عوالِم المُبدِعين حضاريا، ومن ثَمَّ يقود إلى الإبداع الحضاري؟

في تقديري أن هذا الشعور الزائف يقود إلى مزيد من التبلّد؛ مع مزيد من الاستئناس بالاستهلاك. فشراء أحدث التقنيات سهل، بل هو سهل جدا، ولا يحتاج إلا لبضعة أوراق مالية؛ بينما الإسهام في إنتاج هذه التقنيات صعب جدا؛ فضلا عن صعوبة تطويرها ذاتيا. وخطورة "التقدم الاستهلاكي" أنه يمنح الذات شعورا بالرضا، شعورا زائفا بالإنجاز، شعورا زائفا بالوصول، بالتقدم حضاريا.

ما يعني أن ليس ثمة ما يدعو لتَكبّد عَناء التفكير الحاد، ولا لِتَحمُّل أعباء العمل الجاد في أي مجال من مجالات التقدم الحضاري.

لقد رأينا نتائج هذا الامتلاء المُتَورِّم بالاستهلاك السلبي في العالم العربي. كان هذا العالم إذ يتقدّم على مستوى الاستهلاك في القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؛ يتأخر، في الوقت نفسه، وفي الاتجاه المضاد، على مستوى الإسهام العلمي، الإبداعي، وعلى مستوى الهِمّة في ابتغاء ذلك، وعلى المستوى الأهم والأخطر: مستوى الإبداع في فنون إدارة الذات في كل المستويات.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).