Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994
المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994

عبد الرحيم التوراني

تعتبر مناسبة تنظيم كأس العالم لكرة القدم لحظة كونية قوية بامتياز، تتوحد فيها لغة العالم، وتتسارع على إيقاع مبارياتها دقات قلوب اللاعبين، لتحبس أنفاس الجماهير في مدرجات الملاعب وخارجها أمام شاشات التلفزيون في البيوت والساحات.

وما يميز الدورة الحالية هو احتضانها لأول مرة فوق أرض بلد عربي، دولة قطر التي راهنت على إنجاح المونديال حتى يكون أفضل وأحسن مونديال على الإطلاق تم تنظيمه حتى الآن، وربما قد تصعب مضاهاته في المستقبل القريب، وكان لها ذلك بشهادة الجميع يتقدمهم جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".

بالنسبة للمغرب، هي المرة السادسة في تاريخه التي يشارك فيها منتخبه الكروي في المونديال. وحسب "الفيفا" يصنف المغرب ضمن الأمم الكروية التي يعشق أهلها كثيرا لعبة كرة القدم من قديم. ويتصدر منتخب المغرب تصنيف المنتخبات العربية في التصنيف العالمي للمنتخبات الصادر عن "الفيفا"، بتموقعه حتى هذا الشهر في الرتبة الحادية والعشرين عالميا. كما أن التاريخ يحفظ للمغرب في مجال رياضة كرة القدم أسماء لاعبين متألقين من ذوي المهارات العالية، الذين سطعت نجومهم عاليا في أفريقيا وأوروبا، وعلى أسماء أندية عريقة سارت بذكر أمجادها الركبان.

كما أن المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994. تكرر ذلك في أربع محاولات، وكان قريبا من نيل ذلك، لولا شبهات بالفساد طالت ملف الترشيح لتنظيم مونديال 2010، من عناوينها تلاعب بنتائج التصويت، وفق تقارير بريطانية تحدثت حينها عن فوز المغرب في التصويت قبل تعديل النتائج النهائية.

واليوم يضع المغرب، بطموح وعزيمة أكبر، ترشيحه للمرة الخامسة لاستقبال وتنظيم مونديال 2030.

في أحد كتب المطالعة التي كانت مقررة في مغرب الستينيات السبعينيات من القرن الماضي، على تلاميذ المرحلة الإعدادية، نطالع مقتطفات من قصيدة لشاعر مغربي اسمه عبد المالك البلغيثي (1904- 2010) يتغنى فيها بلعبة كرة القدم، جاء فيها:
يا ابنة الريح والأدم/ سلوة العرب والعجم
لك في كل أسرة/ من ملوك إلى خدم
نشوة لا تقل عن / نشوة الخمر والنغم
أنت في حلبة الرهان/ بك الجمع ينتظم
كما أن قريحة أكثر من شاعر مغربي تنافست في مدح كرة القدم. وفي مواقف أخرى أقل تم توجيه الهجاء إلى المولعين بمتابعة مبارياتها. كما نقرأ في أبيات تنسب إلى الأستاذ العربي المساري:
ولعب الكرة ليس مذهبي/ إذ فيه للقتال أقوى سببِ
يدنس المروءة الحصينة / ويطرد الوقار والسكينة
فما رأيت فيه شيئا يُحمد/ فتركُ فعله لدي أحمدُ

وكان الشاعر أحمد الجوماري (1939/1995) من أنصار فريق الاتحاد الرياضي البيضاوي المشهور بـ "الطّاس"، بل إن والده الحاج محمد التزنيتي كان من مسيري هذا الفريق العتيد الذي تأسس على يد الوطنيين إبان المرحلة الاستعمارية، وكان من بين مؤسسيه الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الذي رأس الحكومة المغربية ما بين 1998 و2002.

أما نجم المجموعة الغنائية الشعبية "ناس الغيوان" الفنان العربي باطما (1948/1996) فكان أيضا في سنواته الأخيرة عضوا بالمكتب المسير لهذا الفريق المنتمي لأحد أكبر وأشهر الأحياء الشعبية في الدار البيضاء.. الحي المحمدي.

وكان الكاتب والروائي إدريس الصغير لاعب كرة قدم ضمن فريق الرجاء القنيطري من أندية الدرجة الثالثة. ولعب الشاعر محمد بن دفعة (1936/ 2001) صاحب ديوان "أشواك بلا ورد"، للنادي الرياضي القنيطري (الكاك) كحارس مرمى رسمي.

وكان الكاتب إدريس الخوري من أنصار نادي الوداد الرياضي البيضاوي، أما الكاتب البشير جمكار فكان من أنصار فريق نجم الشباب الرياضي بدرب غلف، الحي الذي انبثق منه هذا الفريق العريق خلال الفترة الاستعمارية، وكان من مؤسسيه أعضاء من تنظيمات المقاومة المسلحة، أبرزهم المقاوم محمد بنحمو الفواخري، الذي ظل يرأس النادي إلى يوم اعتقاله على يد المخابرات وتلفيق ملف اتهام ثقيل ضده، فكان أول من نفذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص في السنوات الأولى للاستقلال، ويحكى أن من بين الأسباب التي ساقت المقاوم بنحمو إلى هذا القدر المشؤوم، عدم احترامه لولي العهد المولى الحسن (الملك الحسن الثاني لاحقا)، عند حضور الأمير مباراة جمعت الفريق الملكي (نادي الجيش) بفريق نجم الشباب البيضاوي، ويقال إن بنحمو وبّخ لاعبا من فريقه وربما صفعه كون اللاعب قام بتقبيل يد ولي العهد.

وعلى خطى الشاعر ولاعب الكرة الروسي يفغيني يفتشينكو (1932-2017)، اشتهر الأديب والشاعر أحمد صبري، واحد من أبرز الصحفيين والمحللين الرياضيين الكبار، كان من المعجبين بسيرة ابن حيِّهم المقاوم بنحمو الفواخري، وقد حمل أول ديوان شعري لأحمد صبري صدر عام 1967 عنوان: "أهداني خوخة ومات"، تخليدا لروح المقاوم محمد بنحمو الفواخري. وعرف عن صبري ممارسته لكرة القدم ضمن نادي نجم الشباب، ونادي الحياة الرياضية، إضافة إلى فريق رجال التعليم بالدار البيضاء، وقد درَّب أندية مغربية من الدرجة الأولى، والمنتخب المغربي للشباب، ونادي الوحدة بمكة في العربية السعودية. وكان عضوا بالفيدرالية الملكية المغربية لكرة القدم، وعضوا باللجنة العلمية للاتحاد العربي لكرة القدم.

ومثل صديقه الكاتب محمد شكري، لم يكن للكاتب محمد زفزاف اهتمام يذكر بلعبة كرة القدم، إلا أنه كان لا يكف عن إبداء استغرابه من جحافل الشباب الصغار المارين أمامه بالعشرات والمئات، وهم ذاهبون إلى الملعب الشرفي (مركب محمد الخامس) القريب من مسكنه في حي المعاريف بالدار البيضاء.

ذات مرة، في الثمانينيات، قرأت لمحمد زفزاف خبرا طريفا نشرته صحيفة مغربية، عن أشهر لاعب كرة قدم أيامها، عن الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا. فاستخف صاحب "محاولة عيش" بالخبر، مشيحا بنظره، وقال نافثا دخان سيجارته، إنه ككاتب سيخلد أكثر من لاعب كرة، ولو كان اسمه مارادونا. وكان يتبنى رأي الكاتب الانكليزي جورج أورويل: "إن كرة القدم ليست مجرد لعبة، ولكنها أعمق من ذلك. إنها طريقة لإعلان القتال بين الأمم المختلفة، ولكن في ساحة خضراء، وتحت وجود قاضٍ. إنها الحرب دون إطلاق نار. لا توجد هناك علاقة بين كرة القدم واللعب المنصف، فهي لعبة مرتبطة بالكراهية والغيرة، إهدار للأموال وإسراف مبالغ كبيرة وتجاهل جميع القواعد وسادية المتعة في مشاهدة العنف، وبعبارة أخرى إنها كالحرب بدون إطلاق النار".

لكرة القدم علاقة بالسجون، إذ انتقل لاعبون عديدون من ملاعب الكرة إلى زنازن السجون لارتكابهم مخالفات وجرائم مختلفة، لعل أشهرهم الإيطالي باولو روسي الذي أطلق سراحه ليدعم منتخب بلاده في نهائيات مونديال اسبانيا 1982، فتمكن من مساعدة بلده على الفوز بكأس العالم، وكان هو هدّاف تلك الدورة.

لكن جاذبية كرة القدم لم يفلت منها أيضا المعتقلون السياسيون في مغرب سنوات الرصاص. مع مطلع الثمانينيات عرفت ظروف السجن بعض الانفراج، ونتيجة إضرابات طويلة عن الطعام قام بها المعتقلون السياسيون، ومع تطورات الوضع السياسي عموما في البلاد، منها العفو عن عدد من المعتقلين السياسيين والسماح بعودة مجموعة من المنفيين، تمكن المعتقلون من تحقيق بعض المطالب، ومنها السماح لهم بمتابعة المباريات الدولية المنقولة على التلفزيون.

في هذا السياق، وضمن حوار خاص، يتذكر الكاتب عبد العزيز الطريبق، المعتقل السياسي السابق ضمن معتقلي منظمة "إلى الأمام" الماركسية، "مع اقتراب المونديال طلبنا من الإدارة تمكنينا من مشاهدة نهاية كأس إنكلترا لموسم 1981-1982، وقبلت الإدارة لأن المقابلة كانت تدور عشية في وقت الاستراحة. بعد ذلك طرحنا موضوع متابعة مباريات المونديال، وقبلت الإدارة فيما يتعلق بمقابلات ما بعد الزوال، لأن الأبواب تغلق بعد الخامسة. لكننا مع ذلك انتزعنا "حق" متابعة المقابلات ليلا داخل ممرات حي "ألف" الكبيرة. ومنها مقابلات البرازيل ضد الاتحاد السوفياتي، والتي ساند فيها بعض الرفاق الاتحاد السوفياتي لأسباب "إيديولوجية"، بينما اصطف "الكوايرية" (من يفهمون في خبايا اللعبة) مع عبقرية اللاعبين البرازيليين سقراط وزيكو وفالكاو وجونيور"... فضمن المعتقلين السياسيين كان هناك العديد من الرفاق الذين يتقنون لعبة كرة القدم، ولو لم ينخرطوا في النضال السياسي لكان لهم شأن كروي أكيد، أمثال نور الدين السعودي ومحمد أنفلوس ومجيدو والحجاجي وأصواب وبنمالك وبلوط وآخرين".

ويضيف: "مع تقدم الزمن، حصلنا على قاعة مزودة بتلفزة استقدمناها، ولم يعد مشكل إغلاق الزنازين مطروحا حيث صارت مفتوحة طيلة الـ 24 ساعة. وتابعنا جميعا ملحمة نادي الجيش الملكي الأفريقية في موسم 1984- 1985، وكذلك نهضة المنتخب الوطني المغربي، حيث قللت فنيات اللاعب محمد التيمومي واللاعب عزيز بودربالة وروعة أداء النخبة الوطنية، تحت قيادة المدرب الداهية البرازيلي خوسي فاريا، من حدة الانتقادات ذات الطابع "السياسي" الموجهة إلى النخبة الوطنية، وكانت الفرحة عامة بالتأهيل للدور الثاني في مونديال مكسيكو 1986. أما النقاشات الكروية المحضة فلقد كانت من مستوى جد متقدم".

في "تازمامرت" المعتقل السري الرهيب، وأحد أفظع السجون عبر العالم في القرن العشرين، كان هناك أنصار من نوع آخر للفريق الوطني المغربي وهو يخوض مبارياته في مونديال المكسيك 1986، حيث كان المعتقلون العسكريون المتورطون في انقلابين متتاليين ضد النظام الملكي (1971 و1972)، ضمن زنازين انفرادية أكثر من ضيقة وسيئة، لا يلتقون، لكنهم استطاعوا إنشاء لغة تواصل خاصة فيما بينهم، كما تمكنوا سرا من حيازة راديو صغير كانوا يتابعون من خلال أمواجه النقل المباشر للقاء فريق المغرب بنظيره البرتغالي في جوادالاخارا بالمكسيك. يتذكر أحد الناجين من جحيم تازمامرت، أحمد المرزوقي، كيف كانت الزنازين تهتزُّ كلما تناهى إلى سمْعهم صوت المذيع وهو يعلن تسجيل المنتخب الوطني هدفا في مرمى المنتخب البرتغالي في نهائيات كأس العالم سنة 1986، ويعلّق على هذه المشاهد الدرامية: "كان هناك من يهتف فرحا بأهداف المنتخب الثلاثة في مرمى البرتغال، في الوقت الذي كانت توجعه أضلعه".

يومها صرح لاعب من المنتخب للتلفزيون الرسمي بأن الملك هو من زودهم بالخطة، ومن أمرهم بتسجيل ثلاثة أهداف وهو ما حصل (!). أما الملك فاستغل ترأسه لإحدى المناظرات بحضور ضيوف أجانب، وقال إن الانتصار الذي حققه المنتخب لا يعني سوى الحرية (!).

وللمفكر المغربي المهدي المنجرة (1933/2014) رأي آخر، حينما قال: "أن تفوز على مصر لا يختلف أن تفوز هي.. وكذلك مع الجزائر وتونس... فلا فائدة من كثرة الغليان والتشاحن...  فنحن جميعا متعادلون في التخلف والأمية والجهل وضعف الصحة وانتشار البطالة وتبذير الثروة وما خفي أعظم... كرة القدم مجرد لعبة وليست من بنود التطور أو مؤشرات التنمية البشرية المعروفة بتحديد من طرف الأمم المتحدة، وهي الصحة والتعليم والدخل الفردي أو مستوى عيش السكان... الشعوب المتخلفة ترى في الكرة كل شيء وهي في الأصل لا شيء...".

مَاذَا صَنَعْتَ بِالْكُرَةِ.. مَاذَا فَعَلْتَ بِالشِّبَاكْ؟! (*) يا إيبينيزر مورلي "أب" اتحاد كرة القدم الإنكليزي، الذي ينسب إليه "اختراع" الفوتبول وتأسيس قواعد اللعبة.

(*) مع الاعتذار للشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).