Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994
المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994

عبد الرحيم التوراني

تعتبر مناسبة تنظيم كأس العالم لكرة القدم لحظة كونية قوية بامتياز، تتوحد فيها لغة العالم، وتتسارع على إيقاع مبارياتها دقات قلوب اللاعبين، لتحبس أنفاس الجماهير في مدرجات الملاعب وخارجها أمام شاشات التلفزيون في البيوت والساحات.

وما يميز الدورة الحالية هو احتضانها لأول مرة فوق أرض بلد عربي، دولة قطر التي راهنت على إنجاح المونديال حتى يكون أفضل وأحسن مونديال على الإطلاق تم تنظيمه حتى الآن، وربما قد تصعب مضاهاته في المستقبل القريب، وكان لها ذلك بشهادة الجميع يتقدمهم جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".

بالنسبة للمغرب، هي المرة السادسة في تاريخه التي يشارك فيها منتخبه الكروي في المونديال. وحسب "الفيفا" يصنف المغرب ضمن الأمم الكروية التي يعشق أهلها كثيرا لعبة كرة القدم من قديم. ويتصدر منتخب المغرب تصنيف المنتخبات العربية في التصنيف العالمي للمنتخبات الصادر عن "الفيفا"، بتموقعه حتى هذا الشهر في الرتبة الحادية والعشرين عالميا. كما أن التاريخ يحفظ للمغرب في مجال رياضة كرة القدم أسماء لاعبين متألقين من ذوي المهارات العالية، الذين سطعت نجومهم عاليا في أفريقيا وأوروبا، وعلى أسماء أندية عريقة سارت بذكر أمجادها الركبان.

كما أن المغرب هو أول بلد عربي وأفريقي تقدم بملف الترشيح لتنظيم مونديال 1994. تكرر ذلك في أربع محاولات، وكان قريبا من نيل ذلك، لولا شبهات بالفساد طالت ملف الترشيح لتنظيم مونديال 2010، من عناوينها تلاعب بنتائج التصويت، وفق تقارير بريطانية تحدثت حينها عن فوز المغرب في التصويت قبل تعديل النتائج النهائية.

واليوم يضع المغرب، بطموح وعزيمة أكبر، ترشيحه للمرة الخامسة لاستقبال وتنظيم مونديال 2030.

في أحد كتب المطالعة التي كانت مقررة في مغرب الستينيات السبعينيات من القرن الماضي، على تلاميذ المرحلة الإعدادية، نطالع مقتطفات من قصيدة لشاعر مغربي اسمه عبد المالك البلغيثي (1904- 2010) يتغنى فيها بلعبة كرة القدم، جاء فيها:
يا ابنة الريح والأدم/ سلوة العرب والعجم
لك في كل أسرة/ من ملوك إلى خدم
نشوة لا تقل عن / نشوة الخمر والنغم
أنت في حلبة الرهان/ بك الجمع ينتظم
كما أن قريحة أكثر من شاعر مغربي تنافست في مدح كرة القدم. وفي مواقف أخرى أقل تم توجيه الهجاء إلى المولعين بمتابعة مبارياتها. كما نقرأ في أبيات تنسب إلى الأستاذ العربي المساري:
ولعب الكرة ليس مذهبي/ إذ فيه للقتال أقوى سببِ
يدنس المروءة الحصينة / ويطرد الوقار والسكينة
فما رأيت فيه شيئا يُحمد/ فتركُ فعله لدي أحمدُ

وكان الشاعر أحمد الجوماري (1939/1995) من أنصار فريق الاتحاد الرياضي البيضاوي المشهور بـ "الطّاس"، بل إن والده الحاج محمد التزنيتي كان من مسيري هذا الفريق العتيد الذي تأسس على يد الوطنيين إبان المرحلة الاستعمارية، وكان من بين مؤسسيه الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الذي رأس الحكومة المغربية ما بين 1998 و2002.

أما نجم المجموعة الغنائية الشعبية "ناس الغيوان" الفنان العربي باطما (1948/1996) فكان أيضا في سنواته الأخيرة عضوا بالمكتب المسير لهذا الفريق المنتمي لأحد أكبر وأشهر الأحياء الشعبية في الدار البيضاء.. الحي المحمدي.

وكان الكاتب والروائي إدريس الصغير لاعب كرة قدم ضمن فريق الرجاء القنيطري من أندية الدرجة الثالثة. ولعب الشاعر محمد بن دفعة (1936/ 2001) صاحب ديوان "أشواك بلا ورد"، للنادي الرياضي القنيطري (الكاك) كحارس مرمى رسمي.

وكان الكاتب إدريس الخوري من أنصار نادي الوداد الرياضي البيضاوي، أما الكاتب البشير جمكار فكان من أنصار فريق نجم الشباب الرياضي بدرب غلف، الحي الذي انبثق منه هذا الفريق العريق خلال الفترة الاستعمارية، وكان من مؤسسيه أعضاء من تنظيمات المقاومة المسلحة، أبرزهم المقاوم محمد بنحمو الفواخري، الذي ظل يرأس النادي إلى يوم اعتقاله على يد المخابرات وتلفيق ملف اتهام ثقيل ضده، فكان أول من نفذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص في السنوات الأولى للاستقلال، ويحكى أن من بين الأسباب التي ساقت المقاوم بنحمو إلى هذا القدر المشؤوم، عدم احترامه لولي العهد المولى الحسن (الملك الحسن الثاني لاحقا)، عند حضور الأمير مباراة جمعت الفريق الملكي (نادي الجيش) بفريق نجم الشباب البيضاوي، ويقال إن بنحمو وبّخ لاعبا من فريقه وربما صفعه كون اللاعب قام بتقبيل يد ولي العهد.

وعلى خطى الشاعر ولاعب الكرة الروسي يفغيني يفتشينكو (1932-2017)، اشتهر الأديب والشاعر أحمد صبري، واحد من أبرز الصحفيين والمحللين الرياضيين الكبار، كان من المعجبين بسيرة ابن حيِّهم المقاوم بنحمو الفواخري، وقد حمل أول ديوان شعري لأحمد صبري صدر عام 1967 عنوان: "أهداني خوخة ومات"، تخليدا لروح المقاوم محمد بنحمو الفواخري. وعرف عن صبري ممارسته لكرة القدم ضمن نادي نجم الشباب، ونادي الحياة الرياضية، إضافة إلى فريق رجال التعليم بالدار البيضاء، وقد درَّب أندية مغربية من الدرجة الأولى، والمنتخب المغربي للشباب، ونادي الوحدة بمكة في العربية السعودية. وكان عضوا بالفيدرالية الملكية المغربية لكرة القدم، وعضوا باللجنة العلمية للاتحاد العربي لكرة القدم.

ومثل صديقه الكاتب محمد شكري، لم يكن للكاتب محمد زفزاف اهتمام يذكر بلعبة كرة القدم، إلا أنه كان لا يكف عن إبداء استغرابه من جحافل الشباب الصغار المارين أمامه بالعشرات والمئات، وهم ذاهبون إلى الملعب الشرفي (مركب محمد الخامس) القريب من مسكنه في حي المعاريف بالدار البيضاء.

ذات مرة، في الثمانينيات، قرأت لمحمد زفزاف خبرا طريفا نشرته صحيفة مغربية، عن أشهر لاعب كرة قدم أيامها، عن الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا. فاستخف صاحب "محاولة عيش" بالخبر، مشيحا بنظره، وقال نافثا دخان سيجارته، إنه ككاتب سيخلد أكثر من لاعب كرة، ولو كان اسمه مارادونا. وكان يتبنى رأي الكاتب الانكليزي جورج أورويل: "إن كرة القدم ليست مجرد لعبة، ولكنها أعمق من ذلك. إنها طريقة لإعلان القتال بين الأمم المختلفة، ولكن في ساحة خضراء، وتحت وجود قاضٍ. إنها الحرب دون إطلاق نار. لا توجد هناك علاقة بين كرة القدم واللعب المنصف، فهي لعبة مرتبطة بالكراهية والغيرة، إهدار للأموال وإسراف مبالغ كبيرة وتجاهل جميع القواعد وسادية المتعة في مشاهدة العنف، وبعبارة أخرى إنها كالحرب بدون إطلاق النار".

لكرة القدم علاقة بالسجون، إذ انتقل لاعبون عديدون من ملاعب الكرة إلى زنازن السجون لارتكابهم مخالفات وجرائم مختلفة، لعل أشهرهم الإيطالي باولو روسي الذي أطلق سراحه ليدعم منتخب بلاده في نهائيات مونديال اسبانيا 1982، فتمكن من مساعدة بلده على الفوز بكأس العالم، وكان هو هدّاف تلك الدورة.

لكن جاذبية كرة القدم لم يفلت منها أيضا المعتقلون السياسيون في مغرب سنوات الرصاص. مع مطلع الثمانينيات عرفت ظروف السجن بعض الانفراج، ونتيجة إضرابات طويلة عن الطعام قام بها المعتقلون السياسيون، ومع تطورات الوضع السياسي عموما في البلاد، منها العفو عن عدد من المعتقلين السياسيين والسماح بعودة مجموعة من المنفيين، تمكن المعتقلون من تحقيق بعض المطالب، ومنها السماح لهم بمتابعة المباريات الدولية المنقولة على التلفزيون.

في هذا السياق، وضمن حوار خاص، يتذكر الكاتب عبد العزيز الطريبق، المعتقل السياسي السابق ضمن معتقلي منظمة "إلى الأمام" الماركسية، "مع اقتراب المونديال طلبنا من الإدارة تمكنينا من مشاهدة نهاية كأس إنكلترا لموسم 1981-1982، وقبلت الإدارة لأن المقابلة كانت تدور عشية في وقت الاستراحة. بعد ذلك طرحنا موضوع متابعة مباريات المونديال، وقبلت الإدارة فيما يتعلق بمقابلات ما بعد الزوال، لأن الأبواب تغلق بعد الخامسة. لكننا مع ذلك انتزعنا "حق" متابعة المقابلات ليلا داخل ممرات حي "ألف" الكبيرة. ومنها مقابلات البرازيل ضد الاتحاد السوفياتي، والتي ساند فيها بعض الرفاق الاتحاد السوفياتي لأسباب "إيديولوجية"، بينما اصطف "الكوايرية" (من يفهمون في خبايا اللعبة) مع عبقرية اللاعبين البرازيليين سقراط وزيكو وفالكاو وجونيور"... فضمن المعتقلين السياسيين كان هناك العديد من الرفاق الذين يتقنون لعبة كرة القدم، ولو لم ينخرطوا في النضال السياسي لكان لهم شأن كروي أكيد، أمثال نور الدين السعودي ومحمد أنفلوس ومجيدو والحجاجي وأصواب وبنمالك وبلوط وآخرين".

ويضيف: "مع تقدم الزمن، حصلنا على قاعة مزودة بتلفزة استقدمناها، ولم يعد مشكل إغلاق الزنازين مطروحا حيث صارت مفتوحة طيلة الـ 24 ساعة. وتابعنا جميعا ملحمة نادي الجيش الملكي الأفريقية في موسم 1984- 1985، وكذلك نهضة المنتخب الوطني المغربي، حيث قللت فنيات اللاعب محمد التيمومي واللاعب عزيز بودربالة وروعة أداء النخبة الوطنية، تحت قيادة المدرب الداهية البرازيلي خوسي فاريا، من حدة الانتقادات ذات الطابع "السياسي" الموجهة إلى النخبة الوطنية، وكانت الفرحة عامة بالتأهيل للدور الثاني في مونديال مكسيكو 1986. أما النقاشات الكروية المحضة فلقد كانت من مستوى جد متقدم".

في "تازمامرت" المعتقل السري الرهيب، وأحد أفظع السجون عبر العالم في القرن العشرين، كان هناك أنصار من نوع آخر للفريق الوطني المغربي وهو يخوض مبارياته في مونديال المكسيك 1986، حيث كان المعتقلون العسكريون المتورطون في انقلابين متتاليين ضد النظام الملكي (1971 و1972)، ضمن زنازين انفرادية أكثر من ضيقة وسيئة، لا يلتقون، لكنهم استطاعوا إنشاء لغة تواصل خاصة فيما بينهم، كما تمكنوا سرا من حيازة راديو صغير كانوا يتابعون من خلال أمواجه النقل المباشر للقاء فريق المغرب بنظيره البرتغالي في جوادالاخارا بالمكسيك. يتذكر أحد الناجين من جحيم تازمامرت، أحمد المرزوقي، كيف كانت الزنازين تهتزُّ كلما تناهى إلى سمْعهم صوت المذيع وهو يعلن تسجيل المنتخب الوطني هدفا في مرمى المنتخب البرتغالي في نهائيات كأس العالم سنة 1986، ويعلّق على هذه المشاهد الدرامية: "كان هناك من يهتف فرحا بأهداف المنتخب الثلاثة في مرمى البرتغال، في الوقت الذي كانت توجعه أضلعه".

يومها صرح لاعب من المنتخب للتلفزيون الرسمي بأن الملك هو من زودهم بالخطة، ومن أمرهم بتسجيل ثلاثة أهداف وهو ما حصل (!). أما الملك فاستغل ترأسه لإحدى المناظرات بحضور ضيوف أجانب، وقال إن الانتصار الذي حققه المنتخب لا يعني سوى الحرية (!).

وللمفكر المغربي المهدي المنجرة (1933/2014) رأي آخر، حينما قال: "أن تفوز على مصر لا يختلف أن تفوز هي.. وكذلك مع الجزائر وتونس... فلا فائدة من كثرة الغليان والتشاحن...  فنحن جميعا متعادلون في التخلف والأمية والجهل وضعف الصحة وانتشار البطالة وتبذير الثروة وما خفي أعظم... كرة القدم مجرد لعبة وليست من بنود التطور أو مؤشرات التنمية البشرية المعروفة بتحديد من طرف الأمم المتحدة، وهي الصحة والتعليم والدخل الفردي أو مستوى عيش السكان... الشعوب المتخلفة ترى في الكرة كل شيء وهي في الأصل لا شيء...".

مَاذَا صَنَعْتَ بِالْكُرَةِ.. مَاذَا فَعَلْتَ بِالشِّبَاكْ؟! (*) يا إيبينيزر مورلي "أب" اتحاد كرة القدم الإنكليزي، الذي ينسب إليه "اختراع" الفوتبول وتأسيس قواعد اللعبة.

(*) مع الاعتذار للشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا
جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا

محمد المحمود

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).