Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مسافرون إسرائيليون على أول رحلة جوية إلى قطر
مسافرون إسرائيليون على أول رحلة جوية إلى قطر

عبد الرحيم التوراني

في أحد شوارع الدوحة، التي تستقبل حاليا نهائيات كأس العالم لكرة القدم، أوقف صحافي أربعة مشجعين مغاربة، فاستجابوا لكاميرته مبتسمين هاتفين، ملوحين بالعلم الوطني الأحمر ذي النجمة الخماسية الخضراء، وتواجد بينهم من يتزنر بألوان الراية الأمازيغية. واضح أنهم كانوا فخورين بالنتائج الإيجابية لمنتخبهم الوطني في البطولة العالمية. لكن اللقطة لم يكتب لها الاكتمال، بعد أن كشف الصحافي عن هويته، قائلا بلغة انجليزية:
 - أنا إسرائيلي.. أنا من إسرائيل..
تساءل أحد الشبان، يريد أن يتأكد جيدا مما التقطته أذناه: 
-  ماذا...؟

على الفور رد الصحافي، محاولا التصدي لاستغرابهم الاستنكاري: - ما بالكم؟!.. 
مضيفا: - نحن في سلام معكم... (في إشارة إلى التطبيع المغربي مع إسرائيل منذ عامين).

هنا أدار الشباب المغاربة ظهورهم، وولوا مدبرين، رافضين التعامل مع إسرائيلي..
وكانت إجابتهم صياحا: - لا لإسرائيل.. نعم لفلسطين... 

بقي الصحافي ينادي وهم يبتعدون عنه: - نحن في سلام.. حكومتكم طبعت معنا...!
لكنهم لم يكثرثوا مطلقا له، ومضوا يتابعون احتفالهم التلقائي في الشارع.
وعندما تعرف صحفي آخر على جنسية مشجعين من لبنان كلّمهم بلغة عربية واضحة: 
- أوه.. أنتم من لبنان.. أنا من إسرائيل..
فتلقى الرد التالي: - "إنها تسمى فلسطين.. لا توجد إسرائيل". وابتعدوا أيضا عنه.

هو نفس مضمون وصيغة ردود الفعل التي لقيها أكثر من صحفي إسرائيلي، ضمن ستين إعلامي ومحلل كروي توجهوا لحضور كأس العالم، منذ وصولهم إلى مونديال قطر، أتتهم من قبل جماهير الكرة المنتمين إلى جنسيات عربية مختلفة، من تونس والمغرب والجزائر والأردن وسوريا ولبنان والسعودية ومصر والسودان وقطر، ومن إيران أيضا. فالغالبية العظمى من هؤلاء المشجعين مع الفلسطينيين. 

في هذا السياق تم تداول قصص عديدة، نشرت بالمواقع الإسرائيلية، منها قصة مشجّع سعودي صرخ بغضب في وجه مراسل إسرائيلي تقدم لحصول تصريح منه، قائلاً له: "ليس مرحَّباً بك هنا. ليس هناك إسرائيل. هناك فلسطين وبس (فقط)". ما أدى بالصحفيين الإسرائيليين إلى تفادي استجواب المشجعين العرب، تلافيا للإحراج، علما أن بعض المشجعين الآخرين من غير العرب والمسلمين، كان لهم نفس رد الفعل تقريبا مع إعلاميين إسرائليين، ومن بينهم مشجعين برازيليين متعاطفين مع القضية الفلسطينية، كما يوثق فيديو لذلك. وتكرر مشهد مراسلي أجهزة الإعلام الإسرائيلية أثناء قيامهم بمقابلات تلفزيونية مباشرة خلال البث الحي، وظهروا وهم محاصرين بمشجعين عرب يلوحون بهتافات وأعلام فلسطين. 

لم يقتصر الأمر على وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تغطي الحدث، بل شمل أيضا المشجعين الإسرائيليين. بهذا الصدد علق مراسل قناة إسرائيلية بالقول: "كانت هناك لحظات صعبة. إن إقامة المونديال في دولة إسلامية جلب معه عددا لا بأس به من الصراعات والتوترات". 
***

بالرغم من كونها لا تعترف رسميا بإسرائيل، فقد سمحت دولة قطر المنظمة للمونديال بقيام رحلات جوية مباشرة من مطار بن غوريون إلى مطار حمد، أقلت ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف مشجعا، ووافقت كذلك على استقبال وسائل إعلام إسرائيلية بموجب أنظمة وقوانين الفيفا. لكننا لم نشاهد أي مشجع منهم تجرأ على رفع علم إسرائيل، كما كان يحدث في دورات سابقة للمونديال، بل إن العلم الفلسطيني، كان إلى جانب أعلام المنتخبات المشاركة، هو الحاضر بقوة، مرفرفا عاليا في مدرجات الملاعب وفي الساحات والشوارع فوق أكتاف المشجعين العرب وبين أياديهم، وهم ينشدون الأهازيج ويرددون الهتافات والشعارات الفلسطينية، حتى قيل إن المونديال الذي تجري أطواره اليوم في قطر يستحق عن جدارة لقب "مونديال فلسطين"، وقيل أيضا إن فلسطين هي البلد الثالث والثلاثين المشارك في كأس العالم.

وفي المغرب انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، صورة لاعب المنتخب المغربي المدافع الصلب جواد الياميق (المحترف بالدوري الاسباني)، عقب المباراة التي جمعت منتخب المغرب بمنتخب كندا، حاملا علم فلسطين مهديا الانتصار والتأهل للدور الثاني إلى الشعب الفلسطيني. 
*** 
أمام هذه "العدوانية" السافرة، يتأكد أنّ الإسرائيليين "غير مرغوب فيهم في قطر"، قالها رئيس اتحاد الكرة الإسرئيلي، الذي أوضح أنه فضل إخفاء هويته الإسرائيلية لما سأله سائق تاكسي في الدوحة. ومثله فعل صحافي لما اعترف أنه أخبر شرطيا من قطر بأنه برتغالي وليس من إسرائيل. وتحدث آخر من إحدى القنوات الإسرائلية عن "نظرات الكُره إلينا في الشارع، عرّفنا بأنفسنا على أننا من "إسرائيل"، لكن عندما رأينا أن ذلك يؤدي دائماً إلى مواجهة صعبة مع العرب، وصولاً إلى الشتائم الصارخة، بلغة يمكن فهمها، قررنا تعريف أنفسنا بأننا صحافيون من الإكوادور".

لقد كانت ولا شك مفاجأة صادمة للمشجعين والإعلاميين الإسرائيلين على السواء، الذين لم يتوقعوا كل هذا القدر الكبير من منسوب الكراهية والرفض تجاههم، خصوصا بعد توقيع "اتفاقيات أبراهام" التي أمضتها حتى الآن ست حكومات عربية.

وبعدما تكرر انسحاب عدد من الرياضيين العرب من مواجهة إسرائيليين في منافسات رياضية فردية، يركز قادة إسرائيل على رياضة كرة القدم، لما تحظى به من انتشار في العالم وفي البلاد العربية، على أساس أنه يمكن من بوابة هذه اللعبة الرياضية الشعبية الولوج لترسيخ التطبيع مع شعوب وجماهير البلاد العربية، وليست هناك مناسبة أفضل أو أحسن من فرصة المونديال الذي يقام لأول مرة على أرض عربية. علما أنه  هناك محاولات جرت في هذا الإطار باءت بالفشل مع اتحاد الكرة في الإمارات. ولم يتحقق حتى الآن ما اتفق عليه منذ عامين رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم فوزي لقجع مع الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، أي "تقوية الروابط من خلال كرة القدم... والتفكير معًا وتنسيق المباريات بين المنتخبين المغربي والإسرائيلي، وبين الأندية فيما بينها".

وكانت مدينة سلا المتاخمة للعاصمة المغربية احتضنت في الأشهر الماضية من هذه العام مباراة في كرة السلة بين منتخبي المغرب وإسرائيل للسيدات، وسط إجراءات أمنية مشددة وحضور جماهيري ضعيف، واعتبرت أول مواجهة رياضية منذ توقيع التطبيع بين الرباط وإسرائيل في ديسمبر 2020 بين المغرب وإسرائيل.  

لكن الجماهير الرياضية في المغرب تحب استذكار ما حدث في سبتمبر عام 2019، عندما واجه نادي الرجاء البيضاوي نادي هلال القدس الفلسطيني على ملعب محمد الخامس بالدار البيضاء، في إطار بطولة كأس العرب للأندية، والاستقبال التاريخي الذي قامت به الجماهير الرياضية في الدار البيضاء للفريق الفلسطيني، منه أغنية بعنوان: "رجاوي فلسطيني"، وقد سمعت من جديد على مدرجات مونديال قطر أثناء مقابلات المنتخب المغربي. 

لكن يبدو أن التطبيع الرياضي طريق غير سالكة، بعد أن كشف مونديال قطر بوضوح أن "اتفاقيات أبراهام" الموقعة بين إسرئيل ودول عربية إنما هي تطبيع أنظمة، ولا صلة له بالشعوب المعنية، التي لم يتم استفتاؤها في القبول أو الرفض. ففي المغرب منعت القوات الأمنية خروج أي تظاهرة شعبية تعبر عن موقف رافض للتطبيع مع إسرائيل وداعم للشعب الفلسطيني.

إنهم "لا يحبوننا في قطر، وكما يبدو، في عموم الشرق الأوسط"، علق مراسل قناة إسرائيلية، وكاد يعيد طرح السؤال الأمريكي الذي أطلقه ذات يوم الرئيس جورج بوش: "لماذا يكرهوننا؟"، لكنه ربما تذكر وصول حكومة إئتلاف يمينية من أحزاب عنصرية متطرفة بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وأن الوصول إلى "اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين" ما زال سرابا خادعا، في ظل الظلم والعنصرية المسلطة على الشعب الفلسطيني.

لم تعد العبارة الماركسية المحورة مفيدة، والقائلة بأن "كرة القدم أفيون الشعوب"، بواسطتها يجري تخدير الجماهير والسيطرة على الشعوب من قبل الأنظمة المتسلطة، بعد أن أقحمت الفيفا السياسة في اللعبة وكانت من قبل تدعو إلى عدم خلط الرياضة بالسياسة، فأصبحت اليوم تدعم أوكرانيا ضد روسيا. لذلك لا لوم على جماهير مدرجات ملاعب كرة القدم التي تحولت إلى منابر مفتوحة للتعبير عما تحس وتفكر به الجماهير إزاء القضايا السياسية والاجتماعية وغيرها.

ولعل دعاة التطبيع بكل أشكاله، ومنه التطبيع الرياضي، يعيدون التفكير في حقائق الواقع ورهاناته المصيرية، أم أن ما حدث ويحدث حاليا في قطر هو مجرد حالات معزولة لجماهير غير واعية، رؤوسها منفوخة بالهواء مثل الكرة التي يتفرجون على تقاذفها بين أرجل اللاعبين لركنها في الشباك؟! ويا لها من لعبة عبثية!
لن نستعجل القول بأن"اتفاقات أبراهام" هزمت بركلات مونديال فلسطين؟!، بل سنفضل "إن غدا لناظره قريب".

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير
الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير

حازم الأمين

كان عام هزيمة الشعوب والمجتمعات العربية، وانتصار الأنظمة المتسلطة والفاسدة وغير الشرعية. لا نقول ذلك من باب ندب المصير والبكاء على ما صرنا إليه، ولا نقوله لأن صدمة أصابتنا جراء ما آلت إليه أوضاعنا، انما كمقدمة لاستعراض نكبات العام 2022 بوصفها نتيجة غير مفاجئة، لكنها فعلاً غير نهائية وتخفي وقائع أخرى.

الهزيمة هي امتداد لسلسلة من إخفاقات باشرت اشتغالها منذ أعوام، إلا أنها في العام 2022 بلغت ذروتها. في مصر أنهى نظام عبد الفتاح السيسي كل بقايا ثورة يناير، وفي سوريا كانت الهزيمة النهائية للثورة، وتونس صارت جمهورية قيس سعيد، وتمكن حزب الله في لبنان من التحول إلى قوة وحيدة ومعيقة لأي تغيير أو إصلاح. الوضع في اليمن معلق بانقسام وبحرب أهلية، وفي العراق استعادت طهران المبادرة، ولها اليوم فيه الحكومة والحشد الشعبي والفصائل الولائية!

لكن النظام العربي مختنق بـ"انتصاراته"، ذاك أن استعراضاً موازياً لأوضاعه يكشف استعصاء يفوق ما كان يعيشه في لحظة اندلاع ما أطلقنا عليه "الربيع العربي". فالنظام السوري عالق بين نفوذ أسياده الروس والإيرانيين، ومحاصر بعقوبات وبفشل هائل على كل المستويات، ومصر على أبواب انهيار مالي واقتصادي بدأت بشائره عبر سياسة تعويم العملة الوطنية وما أحدثه التعويم من كوارث معيشية، وإذا كان قيس سعيد قد انقض على تونس وعلى دستورها مستثمراً بموبقات حركة النهضة التي كانت سبقته إلى السلطة، فإن جواب التونسيين على تغوله على بلدهم جاء قبل أيام عبر نسبة اقتراع في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز التسعة في المئة، وهو ما يقوض شرعية سلطته. لبنان والعراق هما حصة طهران في هذا الاختناق. لبنان على أبواب المجاعة في ظل سلطة حزب الله، والعراق بلغ فيه الفساد مستويات كشفت عن حجم الفشل.

اذاً، فَشِل الربيع العربي، لكن خصومه في وضع أسوأ من أوضاعهم التي سبقته! والغريب أن الأنظمة التي تتوهم أنها التقطت أنفاسها، استأنفت في التعامل مع هذا الواقع، ما كانت بدأته قبل العام 2011. النظام في سوريا صار أكثر دموية من نفسه، وحزب الله يعتقد أن لحظات اهتزاز سلطته هي وليدة مساحات في النظام كان تركها لشركاء في النظام لم يحسنوا إدارتها، وها هو اليوم يسعى لأن يكون القوة الوحيدة المقررة في مستقبل لبنان، وإذا كنا لم نشهد بعد رد قيس سعيد على سحب التونسيين التوكيل الذي اعطوه إياه في الانتخابات الرئاسية، فيجب ان لا نتوقع خيراً منه. أما مصر، فكل مؤشراتها اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل العام 2011 بدءاً من الوضع الاقتصادي ووصولاً إلى الحريات وحقوق الانسان. 

لكن في ضوء هذا الانسداد، ماذا يمكن أن نتوقع للعام 2023؟

لن تسقط أنظمة، ولن يستعيد أحد عافيته! هذا ليس أسوأ السيناريوهات، على رغم الأكلاف الباهظة الناجمة عنه. فأسوأها هي أن يستعيد النظام في سوريا عافيته، وأن تصبح تونس على شاكلة قيس سعيد، وأن ينجح السيسي في إقناع العالم بضرورة استمراره خنق الحريات في مصر. الأثمان باهظة فعلاً، لكن الخيارات ضيقة، وبديل الاهتراء هو تطويب الاستبداد بوصفه قدراً لا مناص منه. وأمام هذه الخيارات، وبما أننا أمام مفاضلة بين سوء وسوء، ما علينا إلا أن ننتظر تحلل الأنظمة، بديلاً من انتظار استقرار القتل والاستبداد. 

في مقابل هزيمة الثورات، ثمة فشلاً هائلاً لـ"المنتصرين"، هذه المعادلة مأساوية إلا أنها تجعل من مجتمعاتنا ومن تجاربنا مجالاً للتفكير ولمحاولات مختلفة في التعامل مع الانسداد. من هُزموا من المفترض أن يجروا مراجعة قاسية لتجربتهم، ومن "انتصروا" لن يكتب الاستقرار لأنظمتهم، ولن يستعيدوا مواقعهم بوصفهم جزءاً طبيعياً من العالم. 
قد يكون الاهتراء بطيئاً، لكنه حين يتحول إلى تفكك، فلن تجدي معه إسالة مزيد من الدماء. 

ثمة لحظة دولية تجعل من الاهتراء وضعاً لا بد من التعامل معه، لكن إدارة الاهتراء ستكون مكلفة وسيجد العالم نفسه مجبراً على ضبط هذا الاختلال. النظام في سوريا تحول إلى مصدر للمخدرات إلى كل العالم، وجمهورية قيس سعيد هي مخزن لاجئين محتملين ولا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن أوروبا، والفساد اللبناني المرعي من قبل سلطة حزب الله بدأ يصيب النظام المالي في العالم. البقاء بعيداً عن هذا الاهتراء مستحيلاً، وترك هذا الإقليم لكي يدير كوارثه لن يفضي إلا إلى مزيد من الكوابيس.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).