Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مسافرون إسرائيليون على أول رحلة جوية إلى قطر
مسافرون إسرائيليون على أول رحلة جوية إلى قطر

عبد الرحيم التوراني

في أحد شوارع الدوحة، التي تستقبل حاليا نهائيات كأس العالم لكرة القدم، أوقف صحافي أربعة مشجعين مغاربة، فاستجابوا لكاميرته مبتسمين هاتفين، ملوحين بالعلم الوطني الأحمر ذي النجمة الخماسية الخضراء، وتواجد بينهم من يتزنر بألوان الراية الأمازيغية. واضح أنهم كانوا فخورين بالنتائج الإيجابية لمنتخبهم الوطني في البطولة العالمية. لكن اللقطة لم يكتب لها الاكتمال، بعد أن كشف الصحافي عن هويته، قائلا بلغة انجليزية:
 - أنا إسرائيلي.. أنا من إسرائيل..
تساءل أحد الشبان، يريد أن يتأكد جيدا مما التقطته أذناه: 
-  ماذا...؟

على الفور رد الصحافي، محاولا التصدي لاستغرابهم الاستنكاري: - ما بالكم؟!.. 
مضيفا: - نحن في سلام معكم... (في إشارة إلى التطبيع المغربي مع إسرائيل منذ عامين).

هنا أدار الشباب المغاربة ظهورهم، وولوا مدبرين، رافضين التعامل مع إسرائيلي..
وكانت إجابتهم صياحا: - لا لإسرائيل.. نعم لفلسطين... 

بقي الصحافي ينادي وهم يبتعدون عنه: - نحن في سلام.. حكومتكم طبعت معنا...!
لكنهم لم يكثرثوا مطلقا له، ومضوا يتابعون احتفالهم التلقائي في الشارع.
وعندما تعرف صحفي آخر على جنسية مشجعين من لبنان كلّمهم بلغة عربية واضحة: 
- أوه.. أنتم من لبنان.. أنا من إسرائيل..
فتلقى الرد التالي: - "إنها تسمى فلسطين.. لا توجد إسرائيل". وابتعدوا أيضا عنه.

هو نفس مضمون وصيغة ردود الفعل التي لقيها أكثر من صحفي إسرائيلي، ضمن ستين إعلامي ومحلل كروي توجهوا لحضور كأس العالم، منذ وصولهم إلى مونديال قطر، أتتهم من قبل جماهير الكرة المنتمين إلى جنسيات عربية مختلفة، من تونس والمغرب والجزائر والأردن وسوريا ولبنان والسعودية ومصر والسودان وقطر، ومن إيران أيضا. فالغالبية العظمى من هؤلاء المشجعين مع الفلسطينيين. 

في هذا السياق تم تداول قصص عديدة، نشرت بالمواقع الإسرائيلية، منها قصة مشجّع سعودي صرخ بغضب في وجه مراسل إسرائيلي تقدم لحصول تصريح منه، قائلاً له: "ليس مرحَّباً بك هنا. ليس هناك إسرائيل. هناك فلسطين وبس (فقط)". ما أدى بالصحفيين الإسرائيليين إلى تفادي استجواب المشجعين العرب، تلافيا للإحراج، علما أن بعض المشجعين الآخرين من غير العرب والمسلمين، كان لهم نفس رد الفعل تقريبا مع إعلاميين إسرائليين، ومن بينهم مشجعين برازيليين متعاطفين مع القضية الفلسطينية، كما يوثق فيديو لذلك. وتكرر مشهد مراسلي أجهزة الإعلام الإسرائيلية أثناء قيامهم بمقابلات تلفزيونية مباشرة خلال البث الحي، وظهروا وهم محاصرين بمشجعين عرب يلوحون بهتافات وأعلام فلسطين. 

لم يقتصر الأمر على وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تغطي الحدث، بل شمل أيضا المشجعين الإسرائيليين. بهذا الصدد علق مراسل قناة إسرائيلية بالقول: "كانت هناك لحظات صعبة. إن إقامة المونديال في دولة إسلامية جلب معه عددا لا بأس به من الصراعات والتوترات". 
***

بالرغم من كونها لا تعترف رسميا بإسرائيل، فقد سمحت دولة قطر المنظمة للمونديال بقيام رحلات جوية مباشرة من مطار بن غوريون إلى مطار حمد، أقلت ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف مشجعا، ووافقت كذلك على استقبال وسائل إعلام إسرائيلية بموجب أنظمة وقوانين الفيفا. لكننا لم نشاهد أي مشجع منهم تجرأ على رفع علم إسرائيل، كما كان يحدث في دورات سابقة للمونديال، بل إن العلم الفلسطيني، كان إلى جانب أعلام المنتخبات المشاركة، هو الحاضر بقوة، مرفرفا عاليا في مدرجات الملاعب وفي الساحات والشوارع فوق أكتاف المشجعين العرب وبين أياديهم، وهم ينشدون الأهازيج ويرددون الهتافات والشعارات الفلسطينية، حتى قيل إن المونديال الذي تجري أطواره اليوم في قطر يستحق عن جدارة لقب "مونديال فلسطين"، وقيل أيضا إن فلسطين هي البلد الثالث والثلاثين المشارك في كأس العالم.

وفي المغرب انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، صورة لاعب المنتخب المغربي المدافع الصلب جواد الياميق (المحترف بالدوري الاسباني)، عقب المباراة التي جمعت منتخب المغرب بمنتخب كندا، حاملا علم فلسطين مهديا الانتصار والتأهل للدور الثاني إلى الشعب الفلسطيني. 
*** 
أمام هذه "العدوانية" السافرة، يتأكد أنّ الإسرائيليين "غير مرغوب فيهم في قطر"، قالها رئيس اتحاد الكرة الإسرئيلي، الذي أوضح أنه فضل إخفاء هويته الإسرائيلية لما سأله سائق تاكسي في الدوحة. ومثله فعل صحافي لما اعترف أنه أخبر شرطيا من قطر بأنه برتغالي وليس من إسرائيل. وتحدث آخر من إحدى القنوات الإسرائلية عن "نظرات الكُره إلينا في الشارع، عرّفنا بأنفسنا على أننا من "إسرائيل"، لكن عندما رأينا أن ذلك يؤدي دائماً إلى مواجهة صعبة مع العرب، وصولاً إلى الشتائم الصارخة، بلغة يمكن فهمها، قررنا تعريف أنفسنا بأننا صحافيون من الإكوادور".

لقد كانت ولا شك مفاجأة صادمة للمشجعين والإعلاميين الإسرائيلين على السواء، الذين لم يتوقعوا كل هذا القدر الكبير من منسوب الكراهية والرفض تجاههم، خصوصا بعد توقيع "اتفاقيات أبراهام" التي أمضتها حتى الآن ست حكومات عربية.

وبعدما تكرر انسحاب عدد من الرياضيين العرب من مواجهة إسرائيليين في منافسات رياضية فردية، يركز قادة إسرائيل على رياضة كرة القدم، لما تحظى به من انتشار في العالم وفي البلاد العربية، على أساس أنه يمكن من بوابة هذه اللعبة الرياضية الشعبية الولوج لترسيخ التطبيع مع شعوب وجماهير البلاد العربية، وليست هناك مناسبة أفضل أو أحسن من فرصة المونديال الذي يقام لأول مرة على أرض عربية. علما أنه  هناك محاولات جرت في هذا الإطار باءت بالفشل مع اتحاد الكرة في الإمارات. ولم يتحقق حتى الآن ما اتفق عليه منذ عامين رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم فوزي لقجع مع الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، أي "تقوية الروابط من خلال كرة القدم... والتفكير معًا وتنسيق المباريات بين المنتخبين المغربي والإسرائيلي، وبين الأندية فيما بينها".

وكانت مدينة سلا المتاخمة للعاصمة المغربية احتضنت في الأشهر الماضية من هذه العام مباراة في كرة السلة بين منتخبي المغرب وإسرائيل للسيدات، وسط إجراءات أمنية مشددة وحضور جماهيري ضعيف، واعتبرت أول مواجهة رياضية منذ توقيع التطبيع بين الرباط وإسرائيل في ديسمبر 2020 بين المغرب وإسرائيل.  

لكن الجماهير الرياضية في المغرب تحب استذكار ما حدث في سبتمبر عام 2019، عندما واجه نادي الرجاء البيضاوي نادي هلال القدس الفلسطيني على ملعب محمد الخامس بالدار البيضاء، في إطار بطولة كأس العرب للأندية، والاستقبال التاريخي الذي قامت به الجماهير الرياضية في الدار البيضاء للفريق الفلسطيني، منه أغنية بعنوان: "رجاوي فلسطيني"، وقد سمعت من جديد على مدرجات مونديال قطر أثناء مقابلات المنتخب المغربي. 

لكن يبدو أن التطبيع الرياضي طريق غير سالكة، بعد أن كشف مونديال قطر بوضوح أن "اتفاقيات أبراهام" الموقعة بين إسرئيل ودول عربية إنما هي تطبيع أنظمة، ولا صلة له بالشعوب المعنية، التي لم يتم استفتاؤها في القبول أو الرفض. ففي المغرب منعت القوات الأمنية خروج أي تظاهرة شعبية تعبر عن موقف رافض للتطبيع مع إسرائيل وداعم للشعب الفلسطيني.

إنهم "لا يحبوننا في قطر، وكما يبدو، في عموم الشرق الأوسط"، علق مراسل قناة إسرائيلية، وكاد يعيد طرح السؤال الأمريكي الذي أطلقه ذات يوم الرئيس جورج بوش: "لماذا يكرهوننا؟"، لكنه ربما تذكر وصول حكومة إئتلاف يمينية من أحزاب عنصرية متطرفة بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وأن الوصول إلى "اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين" ما زال سرابا خادعا، في ظل الظلم والعنصرية المسلطة على الشعب الفلسطيني.

لم تعد العبارة الماركسية المحورة مفيدة، والقائلة بأن "كرة القدم أفيون الشعوب"، بواسطتها يجري تخدير الجماهير والسيطرة على الشعوب من قبل الأنظمة المتسلطة، بعد أن أقحمت الفيفا السياسة في اللعبة وكانت من قبل تدعو إلى عدم خلط الرياضة بالسياسة، فأصبحت اليوم تدعم أوكرانيا ضد روسيا. لذلك لا لوم على جماهير مدرجات ملاعب كرة القدم التي تحولت إلى منابر مفتوحة للتعبير عما تحس وتفكر به الجماهير إزاء القضايا السياسية والاجتماعية وغيرها.

ولعل دعاة التطبيع بكل أشكاله، ومنه التطبيع الرياضي، يعيدون التفكير في حقائق الواقع ورهاناته المصيرية، أم أن ما حدث ويحدث حاليا في قطر هو مجرد حالات معزولة لجماهير غير واعية، رؤوسها منفوخة بالهواء مثل الكرة التي يتفرجون على تقاذفها بين أرجل اللاعبين لركنها في الشباك؟! ويا لها من لعبة عبثية!
لن نستعجل القول بأن"اتفاقات أبراهام" هزمت بركلات مونديال فلسطين؟!، بل سنفضل "إن غدا لناظره قريب".

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا
جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا

محمد المحمود

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).