Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المونديال يسرق الأضواء اليوم من أخبار الحرب الروسية على أوكرانيا وغيرها من الصراعات . أرشيفية - تعبيرية
المونديال يسرق الأضواء اليوم من أخبار الحرب الروسية على أوكرانيا وغيرها من الصراعات . أرشيفية - تعبيرية

كوليت بهنا

منذ انطلاقها العالمي الأول سنة 1930 في الأورغواي، شهدت رياضة كرة القدم تطورات جذرية وقفزات نوعية شملت أدق التفاصيل المتعلقة بها. وحظيت دورات كأس العالم المتتالية المتعارف عليها بـ(المونديال) خلال نحو قرن من الزمن، بوافر من المكتسبات الخارقة التي ساهمت في جعلها اللعبة الرياضية الأولى على مستوى العالم، معشوقة الكبار والصغار، الرسميين وغير الرسميين، والدجاجة التي تبيض ذهباً لجميع المعنيين بها والمستثمرين لها.

عدد من ضربات الحظ واكبت مسيرة هذه اللعبة ومنحتها استمراريتها وشعبيتها ونجاحها، كان من أبرزها التطورات التقنية التي شهدها العالم في القرن العشرين، قرن المعجزات. منها اختراع التلفاز وتطور كاميرات التصوير لمراقبة اللعبة أو لتسجيلها أو النقل التلفزيوني الذي وفر مشاهدة جماهيرية أكبر، وفتح معه باب الإعلان التجاري الذي صنع ثروات خيالية. ومن ثم البث الحي المباشر الذي تلاه، ودخول العالم عصر الستالايت والفضائيات، وصولاً إلى عصر الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي اللذين أكسبا اللعبة فائضاً من قفزات النجاح الخارقة. 

لكنها، وبالرغم من كل هذه الأمجاد التي تمتعت بها، لم تحظ حتى نحو عقدين من الزمن بكثير من اكتراث أو اهتمام العديد من المثقفين العرب الذين غلبت على معظمهم الأهواء اليسارية. فسيّسوا كل مايتعلق بها وأنفوا من الضجيج الذي تثيره المباريات في كل مونديال، واعتبروها (طوشة) عالمية واستثماراً استغلالياً فاقعاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرأسمالية المتوحشة والهيمنة الإمبريالية وقوى الاستكبار العالمي.  

كما كتبوا وحللوا وفندوا بعض تمظهراتها برؤى طغت عليها السلبية، وغلبت على جلساتهم ونقاشاتهم في المقاهي مشاعر نفور غير مقنعة في حججها، أو على الأقل الاستخفاف بأهميتها، وإبداء التعالي عليها لشعبويتها، واعتبار من يمتدحها أو يعتبرها حدثاً ممتعاً، خارج عن المألوف الذي يفترض بالمثقف الجدية والاهتمام بشؤون ثقافية وفكرية ذات جدوى حقيقية، أوعلى الأقل الاهتمام بألعاب رياضية تتعلق بالذكاء والفكر وتنمية المقدرات الذهنية مثل الشطرنج ومايشبهها. 

دامت هذه القطيعة لعدد من السنوات، إلى أن انتشرت النسخة المترجمة للعربية من  كتاب (كرة القدم بين الشمس والظل) لمؤلفه الصحفي والروائي والناقد ادواردو غاليانو من الأورغواي. الذي قدم توصيفات دقيقة لكل التفاصيل المتعلقة بكرة القدم وتاريخها وتطورها وغيره، صاغها بلغة سردية أدبية وممتعة، جعلت من هذا الكتاب مرجعاً كروياً هاماً لعشاق اللعبة عبر العالم. 

سرعان ماتناقله المثقفون وتأثروا بمحتواه وناقشوه باعتباره صادرا عن أديب قدير، ومصدر ثقافي عالمي موثوق. ورويداً رويداً، تبينوا أن حب اللعب لاينتقص من وقارهم الثقافي بشيء، فسقطت الأقنعة التي اختبأ خلفها العديد منهم، وظهرت خلف الكراهية المعلنة، مشاعر حب عميق لهذه اللعبة، وإعجابهم وتمتعهم بالمباريات واللاعبين والفرق المفضلة لديهم، وإن إنحاز معظمهم إلى فرق أميركا اللاتينية، بوصفها تنتمي إلى دول نامية يحق لشعوبها الفقيرة أن تتمتع بالمجد ولو عن طريق الكرة.  

وتبين بعد حين، أن ذاك الترفع الثقافي لم يكن حقيقياً، يدّعيه واحدهم ويتظاهر به خشية اتهامه من الآخرين بانخراطه الشعبوي العالمي في (عالم الولدنة) التي كان ينعت بها معجبو اللعبة. واعترف أمامي بعض الأصدقاء أنهم كانوا خلال فترة مباريات أي مونديال، يتقدمون بإجازات مرضية للبقاء في المنزل والتفرغ للمتابعة سراً، أو يتذرعون أمام رفاقهم بانشغالات وهمية أو عائلية، ليتمكنوا من التسرب من الجلسات أو النشاطات الثقافية والهرولة نحو المنزل ومتابعة متعة المباريات. 

ومنذ مايقارب ثلاث دورات سابقة للمونديال، ثبت انقلاب حالهم وأحوالهم، وبات معظم المثقفين اليوم يتصدرون المشهد الكروي، وتطغي منشوراتهم وصورهم وتحزباتهم لبعض الفرق على معظم منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والاهتمامات الأخرى. فتجدهم مع نهاية كل مباراة يحللون بدقة متناهية أسباب الفوز والخسارة وأداء الفريقين والضربات وكل تفصيل يخصها، ويستخدمون مفردات ومصطلحات كروية محترفة تصاغ بلغة رفيعة تقارب الأدب، ويؤكدون مرة بعد أخرى انخراطهم العميق بهذه اللعبة وغرامهم بسحرها كمعشوقة أبدية للجميع.  

ومن ناحية أخرى، شهدت هذه اللعبة ضربة حظ إضافية في السنوات الأخيرة، تتعلق بالجنس اللطيف اللواتي كن يأنفنها بدورهن ويعتبرنها لعبة مزعجة تثير الضوضاء والفوضى، رغم أنها كانت تشكل فرصة تفرغ زمني لمدة شهر تستغله النساء لأمور تخصهن. لكن الحال تغير بدوره، وبات الاهتمام الأنثوي بهذه اللعبة ملفتاً. ليس من حيث انخراط العديد من الشابات في فرق نسوية والمشاركة في مباريات محلية أو اقليمية أو عالمية أو مشاركتهن في التحكيم الدولي فقط، بل في الحماس العام خلال أيام المونديال وارتداء (ت_شيرت) ميسي أو رونالدو أو غيره،  وتلوين الوجه والشعر بألوان أعلام الفرق المفضلة، ووضع هذه الأعلام على سياراتهم وشرفاتهم وصور حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي. والتطور الأبرز يتجلى بالمشاركة النسائية الفيزيائية في الملاعب، وهو مالوحظ بشكل ملفت في مونديال قطر الجاري، إن على صعيد نسبة عدد المشجعات من خارج البلاد، أو عدد المشجعات من نساء وفتيات دول الخليج بذاتها، وبشكل خاص حسناوات السعودية اللواتي يشاركن بحماس كخطوة مضافة تعبر عن سياسة الانفتاح الإيجابية التي تشهدها السعودية.  

كأس العالم، الذي تجمد خلال أيامه الشيقة كل النشاطات والفعاليات الأخرى، وسيكون من سوء حظ أي فعالية يتصادف توقيتها مع أيام المونديال لأن منظميها باتوا يعلمون مسبقاً أن الحضور سيكون باهتاً. وسيكون أيضاً من سوء حظ أحدهم أن يموت في مثل هذه الأوقات، إذ باتت الغالبية تقدم واجب العزاء للضرورة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، وتشهد مجالس العزاء حضوراً شحيحا ًيكاد ينحصر بأهل الفقيد وبعض المقربين من الخجولين أو قلة نادرة من غير المكترثين باللعبة.  

المونديال، الذي يتسلل عبره بعض الساسة ويستغلون انشغال العالم به لتمرير بعض طموحاتهم العسكرية والسياسية، كما غطى عالميا على الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، يسرق الأضواء اليوم من أخبار الحرب الروسية على أوكرانيا وغيرها من الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط والعالم، لأنه وقت سحر الكرة وانغماس العالم بالبهجة، التي يعتبرها عشاق اللعب حقا طبيعيا لهم كهدنة مؤقتة يستحقون الاستراحة خلاها، قبل أن يعودوا إلى كوارث العالم التي لاتنتهي ولاتتوقف.    

من أجمل ما جاء في كتاب أدواردو غاليانو هذا الاقتباس:" للكرة نذالتها أيضاً، فهي لاتدخل أحياناً إلى المرمى، لأنها تبدل رأيها وهي في الجو، وتنحرف عن مسارها. ذلك أنها ساخرة جداً، فهي لاتطيق أن يعاملوها ركلاً بالأقدام، ولا أن يضربوها انتقاماً. إنها تطالب بأن يداعبوها برقة، أن يقبلوها، وأن يسمحوا لها بالنوم على الصدور أو الأقدام، وهي متكبرة، وربما مغترة بنفسها، ولاتعوزها المبررات لتكون ذلك، فهي تعرف جيداً أن البهجة تملأ أرواحاً كثيرة حين ترتفع بطريقة ظريفة، وأن أرواحاً كثيرة تختنق بالضيق حين تسقط بطريقة سيئة".

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر
استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر

سناء العاجي الحنفي

لماذا نطالب لاعب كرة القدم بأن يكون قدوة للأجيال القادمة في تصرفاته وسلوكه واختياراته الحياتية؟ لماذا نحاكمه ليس على لعبه وتمريراته وتمكنه من تخصصه، لكن على تفاصيل حياتية أخرى لها علاقة بكل شيء.. إلا بكرة القدم؟ المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون لاعب كرة قدم جيدا. فقط! حياته الشخصية، زواجه، سهراته، صداقاته، اهتماماته، هي أمور تخصه. 

لذلك، فلم يكن مفهوما الهجوم على بعض لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم بعد عودتهم من قطر، والكم الهائل من "خبراء تدبير السمعة على مواقع التواصل"، ممن أسدوا لهم النصح في طريقة تدبير صورتهم العامة. خدمة مجانية متعثرة، لم يطلبها أساسا أصحاب الشأن! 

البعض الآخر تساءل عن مستوى وعيهم الثقافي وانخراطهم السياسي. الحقيقة أن المواقف الإنسانية والمواطناتية التي يعبر عنها عدد كبير كبير من لاعبي المنتخب، لا تحتاج لختم منا أو اعتراف. هي هنا حاضرة تعبر عن نفسها بنفسها. أتذكر الآن زميلا كتب ما مضمونه أن وليد الركراكي، مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم، يخاطب قلوبنا وعقولنا أفضل بكثير من رئيس حكومتنا وأفضل بكثير من أغلب السياسيين والحقوقيين و"المناضلين". 

مدرب كرة قدم تجد في كل جملة يقولها، فكرة قوية وناضجة تصلح درسَ مهنية أحيانا... ودرس حياة في أحيان أخرى كثيرة. لكن، ورغم كل هذا، فالأصل في الحكاية أن وليد الركراكي استثناء جميل يستحق التنويه، لكن الفكرة الأصل أن المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون... لاعب كرة جيد أولا وقبل كل شيء. ومدربا جيدا أولا وقبل كل شيء. ليس مطلوبا منه أن يقوم بخَطابَة سياسية و\أو أخلاقية ولا أن يكون قدوة للشباب... وإن فعل، فتلك ستكون إضافة جميلة لا أكثر. 

لنعد الآن للصورة الجميلة لما بعد المونديال: الاستقبال المبهر للمنتخب الوطني في العاصمة الرباط، وصور الحب التي ملأت قنواتنا وصفحاتنا لأيام لا نريد أن نغادرها ولا نريدها أن تغادرنا. كمغاربة، ربما لم نشعر بهكذا فرح ممتد ومتواصل ومشترك منذ عقود طويلة... 

ثم كانت صورة الأمهات مع الأبطال ومع ملك البلاد!

في البداية، كنتُ ممن تساءلوا: لماذا يستقبل الملك محمد السادس لاعبي المنتخب المغربي مع أمهاتهم دون الآباء؟ أليس من العدل أن يكون الوالدان معا حاضرين؟ ثم، أين الزوجات؟ خصوصا إذا كنا نريد أن نحمل رسالة عن الحداثة يكون فيها البطل حاضرا مع رفيقة دربه!

لكني بسرعة غيرت رأيي... ليس لأن الأمهات مقدسات ولا لأن الجنة تحت أقدامهن، فبعض الأمهات وجدن أنفسهن أمهات بالصدفة وبالتقاليد، فيما يُشَكّلن قنبلة موقوتة في حق بناتهن وأبنائهن. لكني غيرت رأيي لعدة أسباب أولها أن اللاعبين أنفسهم صنعوا هذا الاحتفاء بالأمهات في قطر، وبشكل عفوي بسيط... ومشحون بالحب الصادق. صورة سفيان بوفال وهو يرقص مع والدته في قلب الملعب انتشرت في العالم بأسره وتحولت لرمز جميل. تماما كما صورة أشرف حكيمي وأمه تقبله كما قد تقبل أم طفلا صغيرا، هو الذي أصبح رجلا وبطلا عالميا..

الاستقبال الملكي لم يكن إلا امتدادا لسلوك عفوي قام به اللاعبون أنفسهم في قطر. سلوك نقلته وسائل الإعلام العالمية... كما أن الواقع المغربي يقول إن الأم تتحمل جزءا كبيرا من المسؤوليات عبر ما يسمى في علم الاجتماع بـ "العبء الذهني"، والذي يحيل على التقسيم غير العادل للمسؤوليات المنزلية والأسرية. 

هذا "العبء الذهني" يجعل معظم الأمهات، في شهادات للكثير منهن، تتكفلن بمواكبة أحلام الصغار: ترافقنهم للملاعب، تبدعن في أشكال ادخار بسيطة لشراء الأحذية الرياضية التي لا يملكن دائما ثمنها، تنتظرن لساعات أمام الملاعب بانتظار انتهاء الحصص التدريبية (حتى وهن، ربما، لا تفقهن في كرة القدم شيئا). معظم هؤلاء الأمهات آتيات من واقع اجتماعي مقهور، سواء تعلق الأمر بأمهات المغرب أو بأمهات المهجر (شهادات بوفال وحكيمي صريحة في هذا الاتجاه). يكافحن يوميا من أجل مواكبة أحلام الصغار في الدراسة و\أو الرياضة. فلماذا لا يحظين بهذا التكريم؟ ولماذا نرى في هذا حطا من قيمة الأب (هو على الأقل حاضر بشكل حصري في أسماء الأبناء، وهو أيضا ولي الأمر القانوني قبل أن يصل الابن\الابنة لسن الرشد، حتى لو كانت الأم هي من تتحمل معظم المسؤوليات).  

كما أن تلك الصورة العفوية للأمهات كانت جميلة مبهرة. تصرفن على سجيتهن محتفيات بأبنائهن وبالتكريم الملكي. جسدن صورة المغرب المتعدد بمختلف أشكال اللباس والحضور فيه، من الأم العصرية بالقفطان العصري أو باللباس الرسمي العصري، إلى الأم التقليدية التي تضع غطاء الرأس ثم تخلعه بعفوية ودون تفكير، إلى المرأة الريفية البسيطة بلباس منطقتها، إلى المحجبة، وحتى المنقبة (بالمناسبة، للذين يعتبرون الجينز أو التنورة القصيرة ملابس دخيلة على ثقافتنا المغربية، ماذا عن النقاب؟ ومنذ متى كان "جزءا من ثقافتنا"؟). 

باختصار، لم تكن صورة مفبركة لوسائل الإعلام كما قد نتابع لدى عدد من مشاهير مواقف التواصل: كانت صورة أصْلية أصِيلة تمثل البساطة والتنوع المغربيين. بساطة ليست نابعة من الفقر، فمعظم هؤلاء اللاعبين أغنياء اليوم ومن المؤكد أن أسرهم تستفيد من إمكانياتهم المادية. هي بساطة متأصلة ونابعة من "تامغرابيت" التي لم تتأثر بـ "الفانيشستا" وعوالم التصنع الممتدة من الانستغرام للفايسبوك والتيكتوك. 

هؤلاء الأبطال، وبالإضافة لإنجازهم الرياضي، صنعوا إنجازا أهم من ذلك بكثير: لقد أعادوا توثيق رباطنا بشيء كان قد ضاع من بعضنا تدريجيا: الإحساس الجميل بـ "التامغاربيت" الأصيلة وبالقيم الإيجابية للارتباط بالوطن، الحب، العفوية، الأصالة الصادقة وغير المتصنعة، وبالقدرة على الحلم وعلى تجاوز خطابات الانهزام التي ترسخت في أعماق الكثيرين منا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).