Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

زادت محاولات الهجرة انطلاقا من وسط البحر الأبيض المتوسط بنحو 85 في المائة
لماذا يخاطر العرب بالهجرة على قوارب الموت؟

نضال منصور

في أول عهد حكومة الدكتور عمر الرزاز في الأردن اجتاح هاشتاغ "هاجر يا قتيبة" شبكات التواصل الاجتماعي. والقصة بدأت بسؤال وجهه الشاب قتيبة البشابشة لرئيس الوزراء - آنذاك – الرزاز يسأله إن كانت الأوضاع ستتحسن في البلاد، أم يبحث عن مكان يهاجر إليه، فنصحه الرئيس الرزاز بالعدول عن فكرة الهجرة، في حين أن غالبية مستخدمي السوشيل ميديا طالبوه بالرحيل والهجرة. 

تذكرت هذه القصة الطريفة، التي تحمل مؤشرات على واقع الحال، وأنا أطالع نتائج استطلاع "الباروميتر العربي" عن الهجرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولم تصدمني المؤشرات الخطيرة التي تُظهر أن خمس سكان العالم العربي يفكرون بالهجرة. 

في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم نصحني صديق - رجل أعمال أردني – ويحمل الجنسية الكندية أن أقدم أوراقي للسفارة الكندية طلبا للهجرة، وكانت في ذلك الوقت سهلة جدا، وكنت في أوائل الثلاثينيات من عمري، ووعدني هذا الصديق بتقديم كل التسهيلات، والضمانات البنكية التي أحتاجها للحصول على الجنسية بأسرع وقت، ولكنني وبإصرار رفضت حتى التفكير بالأمر، وكنت بحماسي الثوري أعتبر هذه الخطوة خيانة لنفسي، ومبادئي، ووطني، وكنت أعتقد أن واجبي التغيير في عالمنا العربي، وليس الهروب، هذا عدا عن نظرتي - آنذاك - أن الغرب يمثل "الإمبريالية" التي كانت سببا في البلاء الذي نعيشه في أوطاننا. 

استمع صديقي لمرافعتي، وصبر على انفعالاتي، واتهاماتي له، وأجابني: لا تفعل ذلك من أجلك، احصل على الجنسية الكندية من أجل أبنائك، من أجل أن تضمن لهم أن يتعلموا في جامعة "ميغيل"، وأن يحصلوا على خدمات صحية مميزة، وأن لا يشعروا بالخوف من المستقبل حين يكبرون. تجاهلت كلامه، وكلما لاحت الذكريات، وكلما مررت بأزمة، أو حملة استهدفتني، شعرت بالغصة، والندم. 

تحتاج قصة الهجرة إلى الغرب إلى قراءة متأنية، وبحث في أسبابها، وتداعياتها. ومرعب أن ترى أن هناك من يخاطرون بحياتهم، ويمتطون "قوارب الموت" هربا من بلدانهم، وأملا أن يصلوا إلى ضفاف دول تفتح لهم بوابة آمنة للمستقبل. 

الأرقام التي قدمها "الباروميتر العربي" تُشير إلى أن 48 بالمئة من الأردنيين يفكرون بالهجرة، وهي النسبة الأعلى في العالم العربي، وأدنى النسب في مصر وتصل إلى 13 بالمئة، ويؤكد المؤشر أن الظروف الاقتصادية تتقدم الأسباب للبحث عن الهجرة، لكنه لا يستبعد المشاكل الأمنية، والفساد، وفرص التعليم، والوضع السياسي من قائمة الدوافع للهجرة. 

والمؤلم في هذه المعطيات الرقمية أن الكثير من الشباب في العالم العربي مستعد للهجرة حتى بأوراق غير رسمية، متجاهلين المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها، والأرقام والنسب ليست قليلة، وفي بلد مثل المغرب تصل إلى 53 بالمئة، وتونس 41 بالمئة، والعراق 39 بالمئة. 

وفي التفاصيل ما يبعث على الاستغراب، فالأغلبية التي تريد، وتبحث عن الهجرة هم الحاصلون على الشهادات الجامعية، وهذا يعني أنهم يحملون مؤهلات للمنافسة، والدخول إلى سوق العمل، غير أن الواقع الاقتصادي الطارد يجعل أحلامهم صعبة، خاصة في ظل غياب العدالة الاجتماعية، وتقدم "الواسطة" على الكفاءة في العثور على فرص العمل. 

لو سألت البسطاء في عالمنا العربي لماذا يفكرون بالهجرة، ستتدفق إجاباتهم بسرعة، فهم يعيشون المعاناة يوميا، على الرغم من أن العالم العربي غني بالموارد، ويُفترض أن يوظف هذه الموارد البشرية لصناعة نهضة اقتصادية، والنموذج الصيني يقدم رؤية حول ما يمكن أن تصنعه القوى البشرية للنمو، والتقدم، والمنافسة. 

أكثر هاجس يؤرق الشباب، ويدفعهم للتفكير بالهجرة، عدا الأسباب الاقتصادية الفجة، والصادمة لهم، القلق من غياب الاستقرار السياسي، والأمني، الذي يضعهم على أهبة الاستعداد لحمل حقائبهم والرحيل، فالحروب تستعر من حولهم، والصراعات الداخلية تنفجر، بغض النظر إن سُمي ذلك "ربيعا عربيا" أو "خريفا"، والسلطة السياسية مستبدة، ولا ترحم، وتُكشر عن أنيابها غالبا، والمواطنون، والمواطنات ضحايا لغياب مفاهيم المواطنة، وسيادة القانون. 

من المحيط إلى الخليج، وحتى في الدول الخليجية الثرية لا يأمن الناس لمستقبلهم، ويستنزفهم يوميا البحث عن عمل لائق، وتعليم يضمن لأبنائهم وبناتهم الولوج لعالم المستقبل، وخدمات صحية، ونقل عام، يحميهم من العوز حين يتقاعدون، ويشيخون. 

كل يوم يضرب عالمنا إعصار سياسي، فيوم نكون تحت وطأة إرهاب التطرف الديني، ويحتلنا "الداعشيون"، ويصدرون ثقافة الموت، ويوم آخر نعيش احتلالا مباشرا، أو احتلالا بالوكالة، وترتفع أعلام الطوائف، وأعلام من يحكمون باسمهم. 

متواليات من الصراعات، والأزمات لا تنتهي، ويطبق الحصار، ولا أعني فقط الاقتصادي، والسياسي، وإنما يمتد لينتهك الحريات الشخصية، وتُفصل القيم، والمبادئ، والأخلاق على مقاس من يحكمون، أو من ينوبون عنهم، أو من يسيطرون بغوغائية، وشعبوية على الشارع، فيصبح ما تقوله، وما تفكر به، وما تلبسه محكوم لمنطق الفكر السائد حتى وإن كنت لا تطيقه. 

حين شاعت منصات التواصل الاجتماعي، واختصرت ثورة الاتصالات العالم ليصبح قرية صغيرة نتجول بها حينما نريد، ونرى ما نريد، زادت الأصوات التي تريد أن تركب قاربا لتقطع المحيط، وتصل إلى ضفة أخرى، فقد شاهدوا ما كانوا بحاجة أن يروه، تعرفوا على عوالم تحترم كرامة الإنسان، وتحصنه من الخوف من المستقبل، وتوفر له متطلبات الحياة، وأولها الخبز، والحرية. 

هنا لا أكيل المدح للغرب الذي أعرف مشكلاته، ومعاييره المزدوجة، ولكن على كل علاته لا يُقارن بأوطان تعيش خارج التاريخ، ولهذا أضع المقارنات، والمقاربات، لا أمدحهم بل أهجو، وأرثي حالنا، وأقول صراحة لماذا يهجر الناس أوطانهم؟ 

كثير من العائلات، وخاصة الشباب والشابات يفكرون عندما يقررون الإنجاب أن يهيئوا كل الظروف للإنجاب في أميركا، أو كندا، أو دولة أجنبية، حتى يتمتع طفلهم القادم بالامتيازات، والحماية التي يحصل عليها المواطنون. وتذكرت فيلم "عسل أسود" بطولة أحمد حلمي، ويحمل اسم "مصري" بالفيلم، حين يطلب من المضيفة عودة الطائرة بعد إقلاعها لأنه مريض يرفض الكابتن الاستجابة لطلبه، وحين يُخرج جواز سفره الأميركي تعود الطائرة أدراجها فورا. 

32.8 بالمئة نسبة الفقر العربي وفق الخط الدولي، أي ما يعادل 114 مليون مواطن يعيشون حالة الفقر في 14 دولة، والبطالة تقترب من 25 بالمئة، و26 بالمئة نسبة الحرمان من الخدمات الصحية، و25 بالمئة نسبة الحرمان من التعليم، و39 بالمئة مستوى الحرمان المعيشي، حسب تقديرات اللجنة الاقتصادية الاجتماعية "إسكوا"، ويأتي بعد ذلك من يسألك؛ لماذا يهاجر الشباب العربي، ولماذا يحجزون تذكرة ذهاب دون عودة لبلدانهم؟!

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا
جماهير عربية شجعت الأرجنتين ضد فرنسا

محمد المحمود

لا أخفي أني تعمّدت أن يكون العنوان مُثِيرا/ مُسْتفزّا؛ مُتَساوِقا مع مستوى الإثارة الرياضية هذه الأيام. ومع أني لا أحفل ـ لا قليلا ولا كثيرا ـ بهذه الرياضة، ولا أعْنَى بِمَن كَسب ولا بمن خسر؛ إلا أنني مَعْنِيٌّ جِدّاً بالدلالات الـ"مَا وراء رياضية"، أي بالدلالات الأيديويوجية والسياسية والثقافية، المرتبطة بسلوكيات المُشَجِّعين الرياضيين، أو حتى بسلوكيات أولئك الداخلين ـ عَرَضَا ـ في التعليق على مسار المباريات والاشتغال بتكييف مظاهر التشجيع الرياضي وتوظيفها؛ لهموم أخرى؛ لا تتعلّق بهذه الرياضة، لا من قريب ولا من بعيد.  

في المباراة النهائية أمس بين فرنسا والأرجنتين، حَدثَ ما توقّعتُه تماما. وتوقّعي هنا هو توقّع ثقافي/ معرفي؛ وليس رياضيا؛ لجهلي التام بالرياضة الكروية. لقد توقّعتُ أن يَنحاز المُشجّعون العربُ في هذه المباراة انحيازا واضحا، بل وحماسيا، لمنتخب الأرجنتين. وصدق توقّعي! وبالتأكيد؛ لم يصدق إلا لأن هذا "الانحياز الجماهيري العربي" مَبْنِيٌّ على موقف غير رياضي بالأساس؛ إذ لو كان موقفا رياضيا خالصا ما استطعت التنبؤ به، فللموقف الرياضي الخالص مسار فني مَحْض، هو بالضرورة غير المسار الأيديويوجي والسياسي والثقافي.    

إذن، فَرِحَ مُشَجعو العالم الثالث فَرَحاً غامِرا بانتصار الأرجنتين؛ بعدما هتفوا طويلا، وبحماس بالغ، في انتظار هذه النتيجة التي جعلتهم يستشعرونها نَصْرا مُؤزَّراً مُتجاوِزا لِحَيثِيّات النصر الرياضي. ويعترف كثير من هؤلاء المُبْتهِجين صراحة بأن حماسهم لانتصار الأرجنتين صادر عن موقف غير رياضي، موقف يُبَرّره ـ حسب ما يقولون صراحة ـ: ماضي فرنسا الاستعماري، وحاضرها العنصري (فيما يزعمون !!!)، وهيمنة الغرب الذي تُعَدُّ فرنسا جزءا أساسيا/ أصيلا منه...إلخ، فهذا ـ وِفْقَ تبريرهم المُعْلَن ـ هو ما جعلهم يستشعرون لذة وإثارة في مشهد الانكسار الفرنسي، حتى ولو كان ذلك في "عالم الألعاب"؛ بعد أن تَعذّر عليهم أن يروه في "عالم العِلْمِ والعمل الجاد"! 

لكن، هل صحيح أن هذه المُبَرِّرات المذكورة آنفا هي بالذات ما جعل مُشَجّعي العالم العربي (والذين هم جزء أصيل من العالم الثالث) ينحازون ضد الفرنسيين لحساب الأرجنتين؟ هل صحيح أن "الاستعمار" و"العنصرية" و"الهيمنة" هي الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز أم هي فقط الدوافع المعلنة التي يجري بوساطتها التّستّر على الدوافع الخفية التي يخجل مُشجّعو العالم العربي من ذكرها؛ لأنها هي الحقيقة المُرّة التي لا تزال تُشَكِّل لهم عُقْدة نفسية جمعية تنتظم مجملَ مسار علاقاتهم مع الآخرين، الآخرين المتقدّمين تحديدا؟! 

ابتداء؛ لِنُبَيِّن تَهافتَ هذه المُبَرِّرَات الثلاث التي يُصَرِّحُ بها المُنحازون ضد فرنسا/ ضد الغرب. فأولا، مقولة "الاستعمار" لا معنى لها في سياق ادعاء أن الأرجنتين ليست دولة استعمارية، إذ هي بذاتها ظاهرة استعمارية مكتملة الأركان، فالسكان الأصليون في حدود 1% فقط، بينما البيض الأوربيون (= المُسْتَعْمِرون) في حدود 97%، ومعروف تاريخ المذابح/ الإبادات الجماعية للسكان الأصليين التي رافقت الهجرات الأوربية الأولى إلى أمريكا الجنوبية/ الأرجنتين. فالأرجنتين كدولة، هي نجاح الاستعمار بامتياز، وبالكامل، أي تحققّه واقعا، اليوم، ومستقبلا؛ ودنما أي أمل بـ"الاستقلال" غدا.    

أما مقولة "العنصرية" الفرنسية/ الغربية، فيدلّ على تهافتها حقيقة أن الأوربيين البيض يُشَكّلون نسبة 97% من سكان الأرجنتين اليوم، أي أن بقية الأعراق في الأرجنتين أقل من 3%، بينما الأجانب المهاجرون يُشكِّلون في فرنسا اليوم ما نسبته 19% من سكان ، أي حوالي 12 مليون نسمة. ومؤكد أن لهذه الأرقام الموضوعية/ المحايدة دلالة بالغة في تحديد درجة الانفتاح على الآخر، وبالتالي، درجة الاتصاف بالعنصرية. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ وهو الأهم والأشد حسما ـ الاعتبار بكيفية اشتغال منظومة الحقوق والحريات في فرنسا، مقارنة بكيفية اشتغالها في الأرجنتين؛ عرفنا ـ إنْ كان حقا يَهُمّنا أن نعرف ! ـ مَن الأحق بأن يُوْصَم بعار العنصرية من البلدين: فرنسا أم الأرجنتين ؟   

وتبقى مقولة "الهيمنة"، التي هي هنا ذَمٌّ أشْبَه بالمديح، تهمة عبثية ساخرة. والمعنى أن الهيمنة الغربية هنا (والفرنسية جزء منها) ليست قسرا وقهرا وإذلالا، بل هي تقدّم باذخ، وثراء متراكم، شامل لكل الحقول المعرفية والعملية، ومُتَصاعِد في مدى زمني متطاول، بحيث يفرض نفسه ـ طوعا ـ بقوة إغراء النموذج على الجميع، حتى على ألدِّ أعدائه الذين يجدون أنفسهم مُضْطرّين إلى تمثّله، مع الخضوع لشروط هذا التَّمثّل الموضوعية بطبيعة الحال. 

إذن، كل هذه المُبَرِّرَات المُتَهافِتة، المعلن عنها صراحة/ ادعاءً، ليست هي المبررات/ الدوافع الحقيقية لهذا الانحياز الجماهيري العربي ضد فرنسا في تنافسها مع الأرجنتين. ما يعني أن ثمة دوافع أخرى، يجري التكتّم عليها خجلا وخوفا، وهي ستصبح أشد وضوحا وسطوعا، بل وافتضاحا، في حال الإجابة على الأسئلة التالية: ما الذي يجمع العربَ مع الأرجنتين ؟ وما الذي يُفَرِّق بين العرب وبين الفرنسيين ؟ وما الذي يُفَرق بين الفرنسيين وبين الأرجنتين؟  

لن تجد الإجابة الشافية على هذه الأسئلة المُرْبِكة/ المُحْرِجة إلا في سياق مقاربة ثنائية "التقدم" و"التخلف"، التقدم بأوسع معانيه، والتخلف بأوسع معانيه أيضا. فالأرجنتين لم تُقَدِّم طِوال تاريخها الممتد لما يناهز قرنين أيَّ إسهام حضاري في أي مجال مُعْتَبر من مجالات الإسهام الحضاري، بل لم تتقدم في مجالها الخاص ولو بأدنى مستوى من مستويات التقدم الحقيقي. ثم إن منظومة الحقوق والحريات؛ وما ينتظمهما من قوانين وأعراف وثقافة جمعية، فضلا عن جدلية العسكري والمَدني والديني، بما في ذلك الانقلابات العسكرية...إلخ معالم واقعة التخلّف الراسخة، كل ذلك يُشْبه كثيرا ما هو موجود في معظم أنحاء العالم العربي.    

وعلى العكس من حال الأرجنتين، تقف فرنسا في مفاصل كثيرة من تاريخها كرأس حربة لمسيرة التقدم الإنساني. إنها منارة من منارات التقدّم؛ رغم كل صور التعثّر؛ ورغم كل الاستثناءات العابرة. وهي/ فرنسا في مسيرة استنارتها وتقدّمها وإسهامها الحضاري المتواصل، كانت بالنسبة للعرب ذلك الآخر المتقدم الذي يُقَاس عليه مستوى فشل وتخلّف وانحطاط الأنا، كانت هي التي ـ دونما قصد، بل بحكم الأمر الواقع ـ تنكأ الجرحَ النرجسي العربي باستمرار، وتمضي ـ ومن ورائها عموم الغرب المتقدم ـ في تعميق هذا الجرح وفي إبقائه مفتوحا على الألم، بل وعلى الرعب خوف التلاشي والانقراض.  

هكذا، وكما قال المتنبي: "وشبه الشيء مُنْجَذِبٌ إليه"، يجد المُتخلِّفون أنفسهم في صف واحد ضد الآخر المتقدم، الذي لم يتقدم عليهم فحسب، وإنما هو نموذجهم المعياري للتقدم، إذ ليس للتقدم من هوية دون وضعه على قائمة النمذجة علانية أو سرا، أقصد النمذجة التي تستتبع بالضرورة نمذجة الوعي، ومن وراء ذلك، نمذجة الأعراف والتقاليد ومنظومة القيم الأساسية التي تضع الخطوط العريضة للسلوك الإنساني.    

كُلنا سمع بحركةَ عدم الانحياز منتصف القرن الماضي، وكيف كانت أمريكا الجنوبية/ اللاتينية جزءا أصيلا منها. وكلنا يعرف كيف حاول بعض المثقفين العرب الاقتداء بـ"لاهوت التحرير" في أمريكا الجنوبية، في الوقت الذي كان هجومهم الضدّي مهووسا بهجاء الغرب، والتبشير بانتهاء دوره، بل وبزواله على سبيل التفكك والانهيار، وكل ذلك كان يجري لحساب نموذج آخر مقترَح، نموذج متخلف في نهاية المطاف: لاتيني، شيوعي، اشتراكي...إلخ، المهم ألا يكون نموذجا تقدميا بحق/ نموذجا غربيا ليبراليا.     

إن الاصطفاف العالم ثالثي/ العربي الظاهر في صورة الفرح العارم بانتصار الأرجنتين على فرنسا، ليس بدعا، ليس غريبا، وبالتالي، ليس مفاجئا، بل هو في سياق مطّرد مع مقدماته الثقافية/ الأيديويوجية: الأكبر من رياضية، إنه ـ مثلا ـ ليس إلا صورة للاصطفاف العربي الجماهيري مع روسيا ضد أوكرانيا/ ضد الغرب. إنه صوت "الوعي الضدّي" الذي ينتظم وعيَ العرب المجروحين نرجسيا منذ قرنين؛ ولا يزالون. فهم ـ تحت هيمنة هذا الوعي الضدي ـ مستعدّون للاصطفاف مع أي أحد، أي أحد؛ أيّاً كان، ومهما كان؛ شرط أن يكون في مسار ضدي: في موقف صراعي مع الغرب. 

إن الإنسان يقف ـ مُتَحيِّزا ـ مع مَن يظنه شبيها/ مماثلا له. يحدث هذا بوعي؛ وبلا وعي أحيانا. هكذا تُخْبِرُنا نظريات التّحيّز. فالمعلمون مثلا، يجدون أنفسه متحيزين لبعضهم تلقائيا في حال كان الحديث عن التلاميذ من جهة، أو عن الإدارة التعليمية والاشراف التربوي من جهة أخرى. وأيضا، أصحاب المَحلات التجارية يتحدّثون عن عَنَت الزبائن، بينما الزبائن يتحدثون عن استغلال أصحاب المحلات وجشعهم. وفي حال تحوّل الزبون إلى صاحب مَحل؛ فإنه سيتحدّث تلقائيا كتاجر، وسَيَكفّ عن الحديث كمستهلك. وهكذا دواليك. ما يعني أن الارتياح النفسي الذي يستشعره المُتخلّف إزاء المتخلف، وما يتبع ذلك من سلوكيات، له ما يُبَرِّره في أصل تركيبة السلوك الإنساني المتحيّز بطبعه لنظرائه. فهو نوع من التحالف الخفي مع مَن يتشابه معه في الظروف (ما يعني توقّع تشابه الدوافع، ومن ثم تشابه الأفعال) ضدَّ من يراه مُخْتَلفا عنه، فكيف بمن يراه نقيضا له في أعلى مستوى وجوده، بل و في معنى وجوده أحيانا؟! 

إن خطورة هذا "الموقف الضدي" الذي تجلىّ ظاهرا في مشهد تشجيع رياضي، يتجاوز حقيقةً هذا الموقف الجزئي الهامشي، بل الموقف التافه؛ ليكون دلالة على خيارات حاسِمة: حضارية مصيرية. وما لم يَبْرأ العربُ مِن جُرحهم النرجسي العميق النازف منذ أمد بعيد؛ فيتجاوزا المواقف الضدية المرضية؛ وصولا لتفعيل التواصل الإيجابي، التواصل المُتَحلل من العُقد، مع العوالم التي تُمَثِّل أعلى مستويات التقدم الإنساني؛ فلن يتقدموا إلا كما تتقدّم الأرجنتين وأشباه الأرجنتين!            

أما الغرب، الغرب المُتَقَدِّم حقيقة، فمع كل عيوبه، سيبقى مُنْشِدا ـ بلسان الحال ـ قَوْلَ الشاعر العربي القديم/ البُحْتري:  
إذا مَحَـاسني اللاّتي أُدِلُّ بهـا     كَانَت ذُنُوبي فَقُلْ لِي: كَيفَ أعتذرُ 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).