Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

وصف تبون زيارة ماكرون إلى الجزائر بـ"الناجحة"
هل انتهى شهر العسل مع الجزائر؟

عبد الرحيم التوراني

في الصيف الأخير، وبعد زيارته "الناجحة" إلى الجزائر، التقى الرئيس إيمانويل ماكرون على هامش مهرجان موسيقي بفرنسا، بمجموعة من الشباب ضمنهم مغاربة، وأمام كاميرات الهاتف التي أشهروها في وجهه تلقى سؤال واحد منهم:

-  السيد الرئيس.. متى ستزور المغرب؟  

لم تظهر على السيد ماكرون أية مفاجأة بالسؤال المباغت، لذلك لم يفكر كثيرا حين أجاب مؤكدا:

-  في أكتوبر المقبل.. في نهاية أكتوبر سأزور المملكة...

ربما كانت إجابة سريعة ومرتجلة من الرئيس للتخلص بلباقة، لكنها كشفت عما يساور ماكرون ويدور في رأسه من أفكار بصدد تنفيذ سعيه نحو تحقيق نصر أكيد، يكون من شأنه طي صفحة التوترات التي طفحت وسممت العلاقات الفرنسية - المغربية.

لكن الزيارات الرسمية بين الدول، التي يتبادلها القادة والرؤساء والمسؤولون الحكوميون، لا تحدث مطلقا بمثل هذا الأسلوب العفوي والتصريح العابر المصبوغ بكثير من الارتجال، إذ لا بد من خطوات دبلوماسية تسبق الحدث، في هذه الحالة بين قصر الإليزيه في باريس والقصر الملكي بالرباط، ترتيبات تتوج بالاتفاق على أدق تفاصيل الزيارة الرسمية من أجل ضمان نجاحها. هكذا تجري الأمور والمفاوضات خلف الكواليس أولا قبل رفع الستار.

ولم يمر تصريح الرئيس الفرنسي حول عزمه زيارة المغرب، من دون انتقادات في الصحافة والمجالس الخاصة ومواقع التواصل. تعليقات انتقدت الأسلوب الذي تعامل به الرئيس مع المسألة، لا سيما وأن العلاقات بين فرنسا والمغرب تشهد منذ مدة تأزما وتوترا كبيرين. بل أكثر من ذلك، فحسب المتتبعين، فإن ماكرون لم يكلف نفسه عناء التواصل مع العاهل المغربي الذي كان وقتها على مقربة منه، مقيما بالأراضي الفرنسية.

كان جليا أن استياء ماكرون تجاه المغرب غير خفي، خصوصا بعد توجيه باريس الاتهام إلى الرباط بكونها وراء عملية تجسس كبرى عبر اختراق هواتف مسؤولين فرنسيين سامين آخرين، في مقدمتهم الرئيس ماكرون نفسه، وذلك بواسطة تطبيق برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس".

لذلك لم تتحقق الرحلة الماكرونية إلى الديار المغربية، كما صرح هو وتمنى في الوقت الذي حدده (أكتوبر 2022)، كما لم يعلق على تصريحه ذاك أي مصدر رسمي مغربي أو فرنسي وثيق. لكن الأمر تطلب مهلة ووقتا لازمين للشروع في رسم مبادرات عملية تفضي إلى التهدئة.

وبناء على بعض المعلومات المسربة، حول مكالمة هاتفية بين محمد السادس وإيمانويل ماكرون في الأسابيع القليلة الماضية، ستقوم وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، بزيارة إلى المغرب، يومي الخميس والجمعة المقبلين (16 و17 ديسمبر 2022). وذلك في إطار التمهيد للزيارة الرئاسية المرتقبة إلى الرباط.

على رأس مواضيع المحادثات التي ستجريها الوزيرة الفرنسية مع نظيرها المغربي ناصر بوريطة، ستتم مناقشة جملة من المواضيع الخاصة بالعلاقات الثنائية الفرنسية- المغربية، في مقدمتها القضايا ذات الصلة المباشرة بالأزمة التي نشأت منذ أشهر بين البلدين، والتي على خلفيتها جرى تصعيد التوتر بشكل كبير وبصفة غير متوقعة. بهدف العمل على وضع حد للأزمة الدبلوماسية العالقة بين البلدين. وإن كانت الوزيرة الفرنسية صرحت أنها قادمة لمناقشة كافة مواضيع العلاقات الثنائية، ومنها مسألة التأشيرات، فإنها لم تشر إلى موضوع قضية الصحراء الغربية، التي تجعل منها الرباط قضية القضايا بالنسبة للشعب المغربي. وقد أشار الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة ذكرى "ثورة الملك والشعب" (20 أغسطس 2022) إلى أن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو الأساس الذي من خلاله يتعامل المغرب مع باقي الشركاء والأصدقاء.

لكن السؤال والمقارنة قد تحضر حول ماذا يجمع ويفرق بين الزيارة الأولى التي قام بها ماكرون في شهر أغسطس من هذا العام إلى الجزائر، التي صادفت الذكرى الستين لإعلان استقلال الجزائر عام 1962، واجتماعه خلالها بالرئيس عبد المجيد تبون والقادة الجزائريين، والزيارة المرتقبة في مستهل العام المقبل (يناير 2023) إلى المغرب، ولقائه بالملك محمد السادس والمسؤولين الحكوميين في الرباط؟ 

لقد أحيطت زيارة ماكرون إلى الجزائر بهالة إعلامية كبيرة ومثيرة، رافقه خلالها وفد كبير اقترب عدده من حوالي المائة شخصية، بينهم عدد من الوزراء، كما تنوع برنامج الزيارة، واشتمل على لقاءات مع شخصيات ثقافية وفنية ورياضية، وزيارة إلى استوديو متخصص في موسيقى الراي بمدينة وهران المتاخمة للحدود الجزائرية- المغربية.

كما أن الزيارة الجزائرية لماكرون، أتت ضمن توتر عميق مع الرباط، وخلفت قلقا مغربيا بصدد تخلي فرنسا عن شراكتها التقليدية مع المغرب لفائدة الجزائر، التي لديها الطاقة المبحوث عنها أكثر في زمن الحرب الروسية – الأوكرانية، بالرغم من كون ماكرون سارع إلى نفي أن يكون موضوع الغاز بين مواضيع مباحثاته في الجزائر، (من يصدق!).

 ولذلك شرعت منابر إعلامية في المغرب، بعضها معروف بقربه من السلطات، في مهاجمة وانتقاد السياسة الفرنسية "الخاطئة" تجاه قضايا المنطقة المغاربية، ليتم التصعيد نحو انتقاد استمرار اعتماد تعليم اللغة الفرنسية في المغرب، بدل اعتماد اللغة الانجليزية التي هي "لغة العلم والتطور والحداثة الحقيقية". 

فهل انتهى شهر العسل مع الجزائر؟ وجاء وقت استرضاء الرباط التي يبدو أنه لن تقنعها الزيادة في عدد التأشيرات لاستقبال المواطنين المغاربة في فرنسا، أكثر مما يعنيها الاعتراف بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية، ونبذ الغموض عن الموقف الفرنسي إزاء نزاع الصحراء الغربية. الموقف الذي يعد أبرز الأسباب المباشرة وراء الأزمة بين المغرب وفرنسا، فالدولة الفرنسية لا يغيب عنها الإدراك بأن القضية الوطنية الأولى لدى المغاربة هي قضية الصحراء الغربية.

لذلك، قد لا يفكر المغاربة في زيارة احتفالية مماثلة لزيارة ماكرون إلى الجزائر، بقدر ما سيكون طموحهم هو أن تكون زيارة الرئيس الفرنسي شبيهة بزيارة رئيس الحكومة الاسبانية بيدو سانشيز في أبريل الماضي، والتي اعترف فيها صراحة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية. ولا يجب إهمال الدور الذي قامت به فرنسا على مدى أعوام، في إسناد الموقف المغربي في قضية الصحراء، خصوصا في الأمم المتحدة، لقد كانت فرنسا في طليعة الداعمين للمغرب في هذه الأزمة الإقليمية.

قد تؤدي هذه الزيارة- إذا ما تمت- إلى تهدئة التوتر بين فرنسا والمغرب، لكن ما يشغل بال إيمانويل ماكرون هو مدى إمكانية نجاحه في ضرب رف من العصافير بحجرة واحدة:

- تحقيق المصالحة التاريخية مع الجزائر، وإعادة إرساء وتمتين أسس الصداقة الاستراتيجية الفرنسية - المغربية، واستعادة تونس إلى الحضن الفرنسي، باعتبار باريس هي "الراعي" الأول لها.

معادلة جد معقدة، وحلولها غير مؤكدة...

إيمانويل ماكرون يقر أيضا بأنها صعبة، لكنه في الآن ذاته يراها في متناول اليد...

- كيف؟  
هو نفسه لا يملك الجواب الصادق! لكنه من أنصار "لا يوجد شيء في السياسة مستحيل".  

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر
استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر

سناء العاجي الحنفي

لماذا نطالب لاعب كرة القدم بأن يكون قدوة للأجيال القادمة في تصرفاته وسلوكه واختياراته الحياتية؟ لماذا نحاكمه ليس على لعبه وتمريراته وتمكنه من تخصصه، لكن على تفاصيل حياتية أخرى لها علاقة بكل شيء.. إلا بكرة القدم؟ المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون لاعب كرة قدم جيدا. فقط! حياته الشخصية، زواجه، سهراته، صداقاته، اهتماماته، هي أمور تخصه. 

لذلك، فلم يكن مفهوما الهجوم على بعض لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم بعد عودتهم من قطر، والكم الهائل من "خبراء تدبير السمعة على مواقع التواصل"، ممن أسدوا لهم النصح في طريقة تدبير صورتهم العامة. خدمة مجانية متعثرة، لم يطلبها أساسا أصحاب الشأن! 

البعض الآخر تساءل عن مستوى وعيهم الثقافي وانخراطهم السياسي. الحقيقة أن المواقف الإنسانية والمواطناتية التي يعبر عنها عدد كبير كبير من لاعبي المنتخب، لا تحتاج لختم منا أو اعتراف. هي هنا حاضرة تعبر عن نفسها بنفسها. أتذكر الآن زميلا كتب ما مضمونه أن وليد الركراكي، مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم، يخاطب قلوبنا وعقولنا أفضل بكثير من رئيس حكومتنا وأفضل بكثير من أغلب السياسيين والحقوقيين و"المناضلين". 

مدرب كرة قدم تجد في كل جملة يقولها، فكرة قوية وناضجة تصلح درسَ مهنية أحيانا... ودرس حياة في أحيان أخرى كثيرة. لكن، ورغم كل هذا، فالأصل في الحكاية أن وليد الركراكي استثناء جميل يستحق التنويه، لكن الفكرة الأصل أن المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون... لاعب كرة جيد أولا وقبل كل شيء. ومدربا جيدا أولا وقبل كل شيء. ليس مطلوبا منه أن يقوم بخَطابَة سياسية و\أو أخلاقية ولا أن يكون قدوة للشباب... وإن فعل، فتلك ستكون إضافة جميلة لا أكثر. 

لنعد الآن للصورة الجميلة لما بعد المونديال: الاستقبال المبهر للمنتخب الوطني في العاصمة الرباط، وصور الحب التي ملأت قنواتنا وصفحاتنا لأيام لا نريد أن نغادرها ولا نريدها أن تغادرنا. كمغاربة، ربما لم نشعر بهكذا فرح ممتد ومتواصل ومشترك منذ عقود طويلة... 

ثم كانت صورة الأمهات مع الأبطال ومع ملك البلاد!

في البداية، كنتُ ممن تساءلوا: لماذا يستقبل الملك محمد السادس لاعبي المنتخب المغربي مع أمهاتهم دون الآباء؟ أليس من العدل أن يكون الوالدان معا حاضرين؟ ثم، أين الزوجات؟ خصوصا إذا كنا نريد أن نحمل رسالة عن الحداثة يكون فيها البطل حاضرا مع رفيقة دربه!

لكني بسرعة غيرت رأيي... ليس لأن الأمهات مقدسات ولا لأن الجنة تحت أقدامهن، فبعض الأمهات وجدن أنفسهن أمهات بالصدفة وبالتقاليد، فيما يُشَكّلن قنبلة موقوتة في حق بناتهن وأبنائهن. لكني غيرت رأيي لعدة أسباب أولها أن اللاعبين أنفسهم صنعوا هذا الاحتفاء بالأمهات في قطر، وبشكل عفوي بسيط... ومشحون بالحب الصادق. صورة سفيان بوفال وهو يرقص مع والدته في قلب الملعب انتشرت في العالم بأسره وتحولت لرمز جميل. تماما كما صورة أشرف حكيمي وأمه تقبله كما قد تقبل أم طفلا صغيرا، هو الذي أصبح رجلا وبطلا عالميا..

الاستقبال الملكي لم يكن إلا امتدادا لسلوك عفوي قام به اللاعبون أنفسهم في قطر. سلوك نقلته وسائل الإعلام العالمية... كما أن الواقع المغربي يقول إن الأم تتحمل جزءا كبيرا من المسؤوليات عبر ما يسمى في علم الاجتماع بـ "العبء الذهني"، والذي يحيل على التقسيم غير العادل للمسؤوليات المنزلية والأسرية. 

هذا "العبء الذهني" يجعل معظم الأمهات، في شهادات للكثير منهن، تتكفلن بمواكبة أحلام الصغار: ترافقنهم للملاعب، تبدعن في أشكال ادخار بسيطة لشراء الأحذية الرياضية التي لا يملكن دائما ثمنها، تنتظرن لساعات أمام الملاعب بانتظار انتهاء الحصص التدريبية (حتى وهن، ربما، لا تفقهن في كرة القدم شيئا). معظم هؤلاء الأمهات آتيات من واقع اجتماعي مقهور، سواء تعلق الأمر بأمهات المغرب أو بأمهات المهجر (شهادات بوفال وحكيمي صريحة في هذا الاتجاه). يكافحن يوميا من أجل مواكبة أحلام الصغار في الدراسة و\أو الرياضة. فلماذا لا يحظين بهذا التكريم؟ ولماذا نرى في هذا حطا من قيمة الأب (هو على الأقل حاضر بشكل حصري في أسماء الأبناء، وهو أيضا ولي الأمر القانوني قبل أن يصل الابن\الابنة لسن الرشد، حتى لو كانت الأم هي من تتحمل معظم المسؤوليات).  

كما أن تلك الصورة العفوية للأمهات كانت جميلة مبهرة. تصرفن على سجيتهن محتفيات بأبنائهن وبالتكريم الملكي. جسدن صورة المغرب المتعدد بمختلف أشكال اللباس والحضور فيه، من الأم العصرية بالقفطان العصري أو باللباس الرسمي العصري، إلى الأم التقليدية التي تضع غطاء الرأس ثم تخلعه بعفوية ودون تفكير، إلى المرأة الريفية البسيطة بلباس منطقتها، إلى المحجبة، وحتى المنقبة (بالمناسبة، للذين يعتبرون الجينز أو التنورة القصيرة ملابس دخيلة على ثقافتنا المغربية، ماذا عن النقاب؟ ومنذ متى كان "جزءا من ثقافتنا"؟). 

باختصار، لم تكن صورة مفبركة لوسائل الإعلام كما قد نتابع لدى عدد من مشاهير مواقف التواصل: كانت صورة أصْلية أصِيلة تمثل البساطة والتنوع المغربيين. بساطة ليست نابعة من الفقر، فمعظم هؤلاء اللاعبين أغنياء اليوم ومن المؤكد أن أسرهم تستفيد من إمكانياتهم المادية. هي بساطة متأصلة ونابعة من "تامغرابيت" التي لم تتأثر بـ "الفانيشستا" وعوالم التصنع الممتدة من الانستغرام للفايسبوك والتيكتوك. 

هؤلاء الأبطال، وبالإضافة لإنجازهم الرياضي، صنعوا إنجازا أهم من ذلك بكثير: لقد أعادوا توثيق رباطنا بشيء كان قد ضاع من بعضنا تدريجيا: الإحساس الجميل بـ "التامغاربيت" الأصيلة وبالقيم الإيجابية للارتباط بالوطن، الحب، العفوية، الأصالة الصادقة وغير المتصنعة، وبالقدرة على الحلم وعلى تجاوز خطابات الانهزام التي ترسخت في أعماق الكثيرين منا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).