Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

رستم محمود

غالبا، ستشكل عملية استهداف البرلماني التركي رئيس "حزب التعاون/الابتكار"، أوزتورك يلماز، تحولا في الحياة السياسية التركية. فليماز الذي تلقى 3 طعنات من آلة حادة في مكتبه الأسبوع الفائت، سارع إلى اتهام من اسماهم "رجال إردوغان"، وذلك عبر بث مباشر من المستشفى، حيث يتلقى العلاج. 

ستشكل العملية تحولا نوعيا في الحياة السياسية التركية. لأنها تدل، وبوضوح تام، فيما لو أثبتت التحقيقات الموضوعية وقوف إردوغان أو مقربين منه وراء العملية، كيف أن الأخير صار مستعدا لواحد من خيارين: الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو الاستعداد لقلب الطاولة وتحطيم كل شيء، فيما لو تبين أن النتيجة ستكون العكس. 

فالخسارة تعني تبدلا جذريا في مصيره الشخصي، ومعه كامل طيف السلطة والقوة في البلاد، بعد مراكمة أموال وقوة طوال عقدين ماضيين، بأساليب شديدة المخاطرة ومن خلال أقبية غير مُعلنة.

يمكن اعتبار حدث استهداف السياسي التركي أوزتورك في مكتبه، بشكل علني ومن قِبل مهاجم مسلح وسط مدينة مكتظة (اعتقلته السلطات بعد الاعتداء)، دلالة واضحة على ذلك المستوى من الاستقطاب، لأسباب عدة.

فهذه من الحوادث النادرة التي يُستهدف فيها سياسي أو شخصية مدنية من غير أعضاء التنظيمات الكردية أو أبناء الأقليات الأهلية في البلاد. فليماز هو دبلوماسي سابق، وسياسي منحدر من حزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي"، وزعيم لحزب تركي حديث من طبقة "يمين الوسط". أي أنه من العصب التكويني والنخب السياسية "المتسيدة" في الدولة التركية، التي ما كان لأية سلطة تركية حاكمة أن تستهدفها جنائياً في أي وقت كان، طوال التاريخ السياسي التركي. وحدوث هذا الأمر راهناً، دلالة على تجاوز الكثير من الخطوط التي كانت تبدو حمراء. 

كذلك لأن الجريمة نُفذت "بكامل الأريحية". إذ توجه الفاعل مباشرة إلى مكتب الضحية، وأثناء النهار، وسط مدينة سياحية مزدحمة. أصاب الضحية بعدة طعنات غير مميتة، ودون أي مسعى لتغليف الجريمة، حتى أن المعتدي لم يخف ملامح وجهه.

في دائرة كاملة تقول وتُثبت أن المعتدي يتسند إلى شبكة تنظيمية واسعة ومستقرة، أدارت الحدث وكأنه جزء من استراتيجية كبرى ستنفذها في المستقبلين القريب والبعيد، وحسب الحاجة. إلى جانب الاعتقاد من قِبل الفاعل بأن المؤسسات الأمنية والقضائية التي ستشرف على متابعة الملف، ستكون متعاطفة ومتفهمة لفعلته، كما فعلت في مرات لا تُحصى حينما اُستهدف ساسة ومثقفون وقادة رأي أكراد وغيرهم من أبناء الأقليات في تركيا.

بالإضافة إلى ذلك، وبدلالة الفضاء الكلي للجريمة، من حيث كون الضحية من أهم الخصوم السياسيين المُعلنين لإردوغان، بعد اتهامه لهذا الأخير بالتواطؤ مع تنظيم داعش الإرهابي أثناء عملية احتلاله لمدينة الموصل، حينما كان الضحية قنصلاً عاماً لتركيا هناك، وتم احتجازه مع العشرات من أفراد القنصلية من قِبل التنظيم في مقره القنصلي، بالرغم من استنجاده أكثر من مرة بالحكومة وأجهزة الاستخبارات، التي ما استجابت قط؛ فاتهم يلماز الرئيس التركي بالتواطؤ مع تنظيم داعش، لاستغلال الأمر سياسياً فيما بعد. 

بهذا المعنى، فإن الحادثة هي محاولة متقصدة لإزاحة الخصوم المباشرين للرئيس، بالذات من أعضاء الجهازين الحكومي والسلطوي، انطلاقاً من الأكثر إثارة للحرج، أياً كانت الأثمان.

في النتيجة، الحادثة تُظهر محصلة ما ركنت إليه السلطة الحاكمة للبلاد بعد عشرين عاماً من الحُكم. السلطة قضمت بالتقادم مختلف مراكز والرموز والمؤسسات والاعتبارات، التي من المفترض أن تكون مستقلة عن بعضها ومتوازنة فيما بينها، وبذلك صارت تملك استعداداً مادياً ونفسياً لفعل أي شيئ، وحتى أبعد الحدود، فقط للحفاظ على سلطتها هذه، لأن فقدانها يعني خسارة مكتسباتها، بشكل أقرب ما يكون لانقلاب. 

فطوال الشهور الماضية، تغيرت تماماً نوعية الخطاب الذي صار إردوغان والمحيطين يتناولون به قادة وقوى المعارضة التركية، إذ باتوا يعتبرون المعارضين متآمرين على البلد، متحالفين مع الإرهابيين وخاضعين لأوامر الدول والقوى العالمية المعادية لتركيا. وصارت منابر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية الموالية والمرتبطة بالسلطة الحاكمة مجرد جبهات لتخوين مجموع هؤلاء، حتى أن طبقة واسعة من الموالين لإردوغان وحزب العدالة والتنمية صاروا يعتبرونهم "الشر المطلق"، وتالياً مستعدين لتفهم وتبرير كل ما سيتعرضون له.

على المنوال نفسه، مجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما في ذلك أعضاء من طبقة كبار ضباط الجيش والشرطة، صاروا موالين تماماً لإردوغان، أكثر من ارتباطهم بمؤسساتهم ووظائفهم العمومية، وغالباً جزء من شبكة المصالح التي تربطهم بالرئيس ونخبة حزب العدالة والتنمية، باتوا مستعدين تماماً لفعل ما قد يناقض شروط وأطر مؤسساتهم، في حال رغب إردوغان بذلك. 

المؤسسات القضائية والنقابية واتحادات رجال الأعمال والصناعيين والتجار ليست أقل من ذلك، فغالبها الأعم بات موالٍ وتربطه مصالح ذاتية مباشرة مع إردوغان ونظامه السلطوي، مثل كل ما في تركيا، المنقسمة إلى حيزين متقابلين، متخاصمين ومختلفين في كل شيء. 

لكن القسم الموالي لإردوغان من هذه المؤسسات والجهات والتنظيمات، مستعد لفعل الأشياء بأبعد مدياتها، فقط للحفاظ على مواقعه ومصالحه المرتبطة ببقاء هذه السلطة بالذات.

فما فعله إردوغان طوال السنوات الماضية، غيّر جذرياً من طبيعة "اللعبة السياسية" في تركيا، محطما، عبر أي ملامح للديمقراطية عبر حكمه الشخصي والعائلي والحزبي المديد المركزي. 

كذلك لأن مستويات الأفعال التي ارتكبها إردوغان ومختلف الجهات الموالية له، وتم السكوت عنها وتجاوزها بآليات هذه السلطة وعبر نفوذها، هي انتهاكات يستحيل على أي سلطة مقبلة تجاهلها، لاسيما في حال تولي سلطة جديدة مناهضة لإردوغان جذرياً، مستعدة لفتح الملفات وإعادة طرح الأسئلة الكبرى عن مرحلته المديدة. هذا الهاجس الذي يدفع إردوغان ومواليه لأن يتحسسوا رقابهم بيد، وتكون اليد الأخرى على الزناد.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير
الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير

حازم الأمين

كان عام هزيمة الشعوب والمجتمعات العربية، وانتصار الأنظمة المتسلطة والفاسدة وغير الشرعية. لا نقول ذلك من باب ندب المصير والبكاء على ما صرنا إليه، ولا نقوله لأن صدمة أصابتنا جراء ما آلت إليه أوضاعنا، انما كمقدمة لاستعراض نكبات العام 2022 بوصفها نتيجة غير مفاجئة، لكنها فعلاً غير نهائية وتخفي وقائع أخرى.

الهزيمة هي امتداد لسلسلة من إخفاقات باشرت اشتغالها منذ أعوام، إلا أنها في العام 2022 بلغت ذروتها. في مصر أنهى نظام عبد الفتاح السيسي كل بقايا ثورة يناير، وفي سوريا كانت الهزيمة النهائية للثورة، وتونس صارت جمهورية قيس سعيد، وتمكن حزب الله في لبنان من التحول إلى قوة وحيدة ومعيقة لأي تغيير أو إصلاح. الوضع في اليمن معلق بانقسام وبحرب أهلية، وفي العراق استعادت طهران المبادرة، ولها اليوم فيه الحكومة والحشد الشعبي والفصائل الولائية!

لكن النظام العربي مختنق بـ"انتصاراته"، ذاك أن استعراضاً موازياً لأوضاعه يكشف استعصاء يفوق ما كان يعيشه في لحظة اندلاع ما أطلقنا عليه "الربيع العربي". فالنظام السوري عالق بين نفوذ أسياده الروس والإيرانيين، ومحاصر بعقوبات وبفشل هائل على كل المستويات، ومصر على أبواب انهيار مالي واقتصادي بدأت بشائره عبر سياسة تعويم العملة الوطنية وما أحدثه التعويم من كوارث معيشية، وإذا كان قيس سعيد قد انقض على تونس وعلى دستورها مستثمراً بموبقات حركة النهضة التي كانت سبقته إلى السلطة، فإن جواب التونسيين على تغوله على بلدهم جاء قبل أيام عبر نسبة اقتراع في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز التسعة في المئة، وهو ما يقوض شرعية سلطته. لبنان والعراق هما حصة طهران في هذا الاختناق. لبنان على أبواب المجاعة في ظل سلطة حزب الله، والعراق بلغ فيه الفساد مستويات كشفت عن حجم الفشل.

اذاً، فَشِل الربيع العربي، لكن خصومه في وضع أسوأ من أوضاعهم التي سبقته! والغريب أن الأنظمة التي تتوهم أنها التقطت أنفاسها، استأنفت في التعامل مع هذا الواقع، ما كانت بدأته قبل العام 2011. النظام في سوريا صار أكثر دموية من نفسه، وحزب الله يعتقد أن لحظات اهتزاز سلطته هي وليدة مساحات في النظام كان تركها لشركاء في النظام لم يحسنوا إدارتها، وها هو اليوم يسعى لأن يكون القوة الوحيدة المقررة في مستقبل لبنان، وإذا كنا لم نشهد بعد رد قيس سعيد على سحب التونسيين التوكيل الذي اعطوه إياه في الانتخابات الرئاسية، فيجب ان لا نتوقع خيراً منه. أما مصر، فكل مؤشراتها اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل العام 2011 بدءاً من الوضع الاقتصادي ووصولاً إلى الحريات وحقوق الانسان. 

لكن في ضوء هذا الانسداد، ماذا يمكن أن نتوقع للعام 2023؟

لن تسقط أنظمة، ولن يستعيد أحد عافيته! هذا ليس أسوأ السيناريوهات، على رغم الأكلاف الباهظة الناجمة عنه. فأسوأها هي أن يستعيد النظام في سوريا عافيته، وأن تصبح تونس على شاكلة قيس سعيد، وأن ينجح السيسي في إقناع العالم بضرورة استمراره خنق الحريات في مصر. الأثمان باهظة فعلاً، لكن الخيارات ضيقة، وبديل الاهتراء هو تطويب الاستبداد بوصفه قدراً لا مناص منه. وأمام هذه الخيارات، وبما أننا أمام مفاضلة بين سوء وسوء، ما علينا إلا أن ننتظر تحلل الأنظمة، بديلاً من انتظار استقرار القتل والاستبداد. 

في مقابل هزيمة الثورات، ثمة فشلاً هائلاً لـ"المنتصرين"، هذه المعادلة مأساوية إلا أنها تجعل من مجتمعاتنا ومن تجاربنا مجالاً للتفكير ولمحاولات مختلفة في التعامل مع الانسداد. من هُزموا من المفترض أن يجروا مراجعة قاسية لتجربتهم، ومن "انتصروا" لن يكتب الاستقرار لأنظمتهم، ولن يستعيدوا مواقعهم بوصفهم جزءاً طبيعياً من العالم. 
قد يكون الاهتراء بطيئاً، لكنه حين يتحول إلى تفكك، فلن تجدي معه إسالة مزيد من الدماء. 

ثمة لحظة دولية تجعل من الاهتراء وضعاً لا بد من التعامل معه، لكن إدارة الاهتراء ستكون مكلفة وسيجد العالم نفسه مجبراً على ضبط هذا الاختلال. النظام في سوريا تحول إلى مصدر للمخدرات إلى كل العالم، وجمهورية قيس سعيد هي مخزن لاجئين محتملين ولا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن أوروبا، والفساد اللبناني المرعي من قبل سلطة حزب الله بدأ يصيب النظام المالي في العالم. البقاء بعيداً عن هذا الاهتراء مستحيلاً، وترك هذا الإقليم لكي يدير كوارثه لن يفضي إلا إلى مزيد من الكوابيس.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).