Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة
رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة

محمد المحمود

لا علاقة لي بكرة القدم؛ لا من قريب ولا من بعيد. لم أتابع في حياتي مباراة واحدة؛ لا مهمة ولا غير مهمة؛ لا محلية ولا عالمية؛ وذلك أنها بكل صخبها الذي يُصِمّ الآذانَ؛ لم تَسْتثر اهتمامي ـ ولو بأدنى درجة من درجات الاستثارة ـ في يوم من الأيام.

قد يمرّ بي ـ عَرَضاً ـ مشهدٌ لِسِبَاق السيارات؛ فأتابعه لدقيقتين أو ثلاث، وقد يمرّ بي أحيانا مشهدٌ لِرياضة القفز، أو التزحلق على الجليد، أو حمل الأثقال؛ فأتابعه لخمس دقائق أو حتى عشر دقائق. ولكن، وفي كل مراحل عمري، لم يستسغ مزاجي متابعة كرة القدم، ولا منح أحداثها وأخبارها شيئا من نوافل الاهتمام.

هذا يعني ـ من جُملة ما يَعني ـ أن جهلي بكرة القدم، بقوانينها وبتنظيماتها وبأنديتها وبلاعبيها وبتاريخها، يكاد يكون جهلا تاما، بل هو الجهل التام. ورغم انعدام الاهتمام، ورغم ما أورثه هذا من جهل تام بها، إلا أن ثمة ما يُثيرني ـ أشدَّ الإثارة ـ في "ما وراء المشهد الكروي"، وتحديدا: في الاهتمام الجماهيري العميق والواسع بها لدى الأغلبية الساحقة من الناس، على اختلاف اهتماماتهم ومواقعهم وثقافاتهم، إلى درجة يتحوّل فيها هذا الاهتمام ـ عند كثيرين ـ إلى ما يشبه حالة عشق وهيام يُلْهِيهم عن فرائض المَهام.

طبعا، لا مفارقة هنا بين كون هذه الرياضة لا تستثيرني إطلاقا، وبين كون المشهد التفاعلي الجماهيري معها يستثيرني جدا. بل أعتقد أن عدم اهتمامي بها إطلاقا، هو بذاته ما يجعلني أندهش جدا من هذا الاهتمام الجماهيري المبالغ فيه حسب تقديري الخاص. فأنا هنا أرى "اللاَّطبيعي" فيما يراه غيري "طبيعيا"، أرى "غير مفهوم" فيما يراه غيري "مفهوما"، وربما لو كنت متابعا لهذه الرياضة، ومتفاعلا معها؛ لكان المشهد ـ في نظري ـ طبيعيا جدا، بحيث لا يُثير أي تساؤل، ولا يستحق التعليق عليه بحال.

عموما، ليس موضوع هذا المقال مقاربة ظاهرة الاهتمام الجماهيري اللاّطبيعي بكرة القدم (فهذا موضوع كتبت عنه عِدَّة حوارات في تويتر)، وإنما موضوعي هنا هو مشهد "الاتحاد الوجداني" بين كل الشعوب العربية؛ كما تجلى في الفرح بفوز منتخب المغرب على منتخب البرتغال. وإذا كنتُ كالعادة، لم أشَاهِد المباراة، فإنني قد شاهدتُ ـ مُنْدَهشا ومُتَحيّرا ـ رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة، وكأن كلَّ فَردٍ/ كلَّ فَرِحٍ من هؤلاء قد حقّق بنفسه ولنفسه أعظمَ إنجاز، وبلغ أقصى الأماني والأحلام.

ماذا يعني أن كل "عربي" في عالم العرب الواسع الممتد من المحيط غربا إلى الخليج شرقا، يشعرـ وبفرح غامر يصل حدّ البكاء أحيانا ـ أنه قد انتصر انتصارا حقيقيا في منافسة حاسمة؛ لمجرد أن منتخب المغرب فاز في مباراة رياضية عابرة؟ ما هو حَدّ الانتماء الذي شكّل بطانة هذا الشعور الطاغي؟ هل يستشعر الإنسان العربيُّ مستوى عاليا من الاتحاد الذي يربطه بشركاء اللغة، والتاريخ، والإرث الحضاري، وشركاء الدين في أغلب الأحوال؟ وإذا كان هذا الشعور يسكن الأعماق، وينفجر كالبركان في اللحظات الحاسمة؛ فلماذا يحضر في الرياضة ويضمر كثيرا في السياسية؟

في مقال الأسبوع الماضي، تحدّثتُ عن ثلاثة محاور وَهْميّة/ مُزَيَّفة، تُشَكِّل مرتكزات رؤية الإسلام السياسي، وكان منها محور: الوحدة الأممية، وهي الوحدة التي يزعم هذا النوع من الإسلام المؤدلج تَحقَّقها في الماضي، ويتطلع لتحقيقها في المستقبل. بينما هي/ الوحدة الأممية لم تتحقّق في يوم من الأيام. فالتاريخ يحكي أن العرب/ المسلمين منذ نشأتهم الأولى، ثم ظهورهم على مسرح التاريخ بالإسلام، لم يتحدوا إلا نادرا، وفي سنوات معدودة، استثنائية ظرفية عابرة، بينما بقية أيامهم على العكس منها، إذ كانوا فصائل مُتقاتلة، ودويلات مُتناحرة، وحتى إمبراطورياتهم المُتعاقبة التي يُفَاخِرون بها كثيرا، لم تكن إلا فضاءَ حروب أهلية، حروب متناسلة متواصلة؛ لا تهدأ إلا ريثما تنبعث من جديد.

إن هذا هو تاريخ العرب السياسي الذي كان مُقَسّما وصراعيا على الدوام. ولكن، مقابل هذا التاريخ، أو ـ بعبارة أدق ـ يَستقرّ في أعماق هذا التاريخ الصراعي التناحري تاريخٌ آخر، تاريخ ثقافي وَحْدودي، تاريخ كان ينمو باستمرار، ويتوحّد باستمرار، ويتوجّه ـ بمجموعه ـ إلى مستهدفات ثقافية، ودينية، وربما سياسية حالمة/ طوباوية، واحدة في أغلب الأحيان.

عندما كان سيف الدولة الحمداني في "حَلَب" مُنافسا/ مُخَاصِما لكافور الأخشيدي في "مصر"، كان المتنبي ينتقل من بلاط الأول إلى بلاط الثاني، وتصدح قصائده هنا وهناك، وتفهم الجماهير عنه هنا وهناك بلا فرق، وتترد في بغداد وما وراءها شرقا أصاء شوارده التي ينام عنها ملء جفونه؛ حتى تصل حركة التشرد التمردي به إلى عضد الدولة في شيراز/ جنوب إيران، فينشد قصائده التي سيردّدها بلاطُ المعز لدين الله الفاطمي في تونس (قبل انتقاله لمصر)، وسيتمنّى المُعِزّ لشاعره الخاص/ ابن هانئ الأندلسي أن يضارع المتنبي؛ لولا أن اخترمته المنون. وأيضا، عندما كتب الإمام مالك "الموطأ" في المدينة الحجازية المقدسة، كان رواجه الأعظم في الأندلس والمغرب، لا في جزيرة العرب وما جاورها. وعندما كتب سيبويه، الفارسي الأصل، العراقي الموطن، أعظمَ كتابٍ في النحو العربي، أي في لغة عرب الصحراء، كان هذا الكتاب محلَّ عناية نُحاة المغرب والأندلس شرحا وتعليقا وتدريسا. وينتقل اللغوي والأديب الكبير/ أبو علي القالي من العراق إلى الأندلس؛ فيخاطب تلاميذه/ جمهوره الجديد، وكأنه لا يزال يخاطب جماهيره في بغداد. ويُنْشد ابنُ زيدون نونيته الباكية في الأندلس، فتدمع لها العيون في بغداد ومكة ودمشق والقاهرة، بل لا تزال إلى اليوم من أغاني تلاميذ المدارس في المشرق العربي كله...إلخ.

هكذا تترحّل الكَلمات؛ وكأن الجميع في دولة واحدة، متصلة في التاريخ والجغرافيا والسياسية، بينما هم في دول متصارعة على امتداد التاريخ العربي/ الإسلامي الطويل، دول مُتحوّلة مُتقلّبة؛ بحيث لم يكن بعضها ينشأ إلا على أنقاض بعضها الآخر، في حالة افتراس دارويني دائم يُعِيد تدوير ملاحم العرب الأولى: البسوس وداحس والغبراء.

هنا يحق لنا أن نسأل ونتساءل: ما الثابت وما المُتحوّل عربيا؟ ما الذي يؤكد "وحدة العرب"، وما الذي ينفيها في الوقت نفسه؟ المعتصم، والمتوكل، والمأمون، وعبيدالله بن طاهر، وعضد الدولة، ونظام الملك، وكافور الأخشيدي، والمُعزّ، والحاكم بأمر الله، وعبد الرحمن الناصر، وابن تاشفين...إلخ، كانوا مظاهر عابرة على السطح/ المتحوّل؛ في مقابل الثابت: "إحياء" الغزالي، و"تهذيب" ابن عبد البر، و"موطأ" مالك، و"رسالة" الشافعي، و"مِلَل" البغدادي، و"تاريخ" الطبري، و"حيوان" الجاحظ، و"كامل" المبرد، و"عمدة" ابن رشيق، و"مَثَل" ابن الأثير، و"ألفية ابن مالك"، و"مغني" ابن هشام، و"مُزْهر" السيوطي، و"زُهر" الحصري، ودواوين الأعشى، والنابغة، وزهير، ولبيد، والفرزدق، وجرير، والأخطل، وبشار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، والمعري، وابن زيدون، وابن دراج، وابن هانئ، ولسان الدين بن الخطيب، وابن شهيد؟     

وفي الأخير، هل هذا "التوحّد العربي" الذي ظهر جليا في مشهد الفرح الجماهيري العربي بفوز منتخب المغرب يُعَبِّر عن حقيقة "الثابت الثقافي" الممتد أفقيا/ جغرافيا وعموديا/ تاريخيا، والذي يَجِد مُسْتَقرَّه في ثابتِ اللغة الواحدة؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا الفرز الثنائي بين السياسي والثقافي، في التاريخ كما في الراهن؟

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

مواضيع ذات صلة

لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته
لا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة لما اكتفى بنشر تحليلاته

عبد الرحيم التوراني

في السنوات الأخيرة من حياته عانى الشاعر والكاتب والمترجم والرياضي والإعلامي المغربي أحمد صبري من قدر كبير من الجحود واللامبالاة. ولعل أشد صنوف الظلم مرارة، التي وصفها قديما شاعرنا العربي طرفة بن العبد في معلقته الخالدة، هي تلك التي تصب من قناة "ذوي القربى".

لقد عاش أحمد صبري (1939-2022) أعواما قاسية طريح الفراش، زاد من شدة وطأتها عدم القدرة على الحركة بشكل قويم وفقدانه الذاكرة. ولم يجد غير قرينته السيدة الفاضلة إلهام هاجر، سليلة بيت عز وشرف وكرم، حفيدة المقاوم الحاج عمر الهواري، أحد أقطاب النضال الوطني والتقدمي في مدينة الدار البيضاء منذ الخمسينيات إلى السبعينيات الماضية، وابنة عمومة الشاعر الكبير الراحل محمد علي الهواري (1942-2002) .

أما الرفاق في الحزب، الذي كان صبري من مؤسسيه منذ أول النداء (1959)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في منتصف سبعينيات القرن الذي مضى)، ومعهم مسؤولو صحافة الاتحاد، وكان صبري من أعمدتها الراسخة، بدءا من يومية "التحرير"، و"المحرر"، و"الرائد"، و"الأهداف"، إلى يومية "الاتحاد الاشتراكي"، فقد غابوا تباعا وتواروا، ولم يكلفوا أنفسهم أمر عيادته مريضا، أو مؤازرة أسرته نفسيا قبل ماديا، لذلك لا عجب إذا سارَ على خُطاهُم الآخرون وحذوا حذوهم، أصحاب الجمعيات والهيئات التي كان لأحمد صبري الفضل الكبير عليها في التأسيس والدعم والإشعاع، من اتحاد الكتاب، وجمعية الصحافة الرياضية، وودادية مدربي كرة القدم، إلى نقابة المسرحيين والفنانين. واختفى جل أصدقائه وتلامذته في تلك الأطر الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية... وأغلبهم أداروا له ظهر المجن، إلا من رحم ربي، فاجتمعوا على الحجود والنسيان واللامبالاة، حتى أصبح يليق بأحمد صبري قول الشاعر الكبير محمود درويش: "تنسى كأنك لم تكن.../ تُنْسَى كمصرع طائرٍ.. ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى، كحبّ عابرٍ/ وكوردةٍ في الليل.... تُنْسَى/ كأنك لم تكن شخصاً، ولا نصّاً... وتُنْسَى.../ كأنِّكَ لم تكن خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى.../ تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ".

لكن من مكر الصدف أن يتحد النسيان مع الجحود ويضبطان ساعة موعد رحيله وتوديعه الوداع الأخير، فلم يمش وراء جنازته سوى قلة قليلة من أفراد عائلته وخلّاصِه من أولاد درب غلف، الحي البيضاوي العتيق، الذي رأى فيه صبري النور ونشأ وأقام به زمنا قبل أن ينتقل إلى أحياء بلفدير والمنار وسيدي معروف الرابع، ثم أخيرا إلى الضاحية الشمالية لمدينة المحمدية قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات إلا قليلا.

في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء 9 ديسمبر 2022 سيلفظ أحمد صبري آخر أنفاسه ويغادر الحياة. مراسيم التشييع كانت في الغد، الأربعاء 10 ديسمبر، التاريخ المصادف لليوم العالمي لحقوق الإنسان، والراحل في جل ما تولى به في عمله المهني والاجتماعي، والثقافي والفني والرياضي.. اصطف دائما إلى جانب المدافعين عن صون وضمان كرامة وحقوق الإنسان في المغرب وأينما وجد وكان. لكن الناس يومها لم يأبهوا كثيرا بهذا الاحتفال الأممي بقدر ما استولى على اهتمامهم وعقولهم حدث المونديال المنظم لأول مرة في شرق المتوسط، بإمارة قطر. بل الأكثر من كل هذا، أن ذلك اليوم صادف التاريخ الذي واجه فيه المنتخب الوطني المغربي نظيره البرتغالي في دور ربع نهائيات كأس العالم. ولم يكن حدثا عابرا أو عاديا، بقدر ما شكّل سابقة لم يسجل مثلها من قبل أي فريق عربي أو أفريقي. لذلك تُرِك جثمان الفقيد مسجى أمام باب مقبرة "الرحمة" ساعات في انتظار صافرة نهاية المباراة التاريخية. بعدها ظهر محافظ المقبرة مغمورا بفرح الانتصار، مرتديا القميص الأحمر للمنتخب المغربي، وليشرع متأخرا في تنفيذ ما يلزم إداريا بأمر الدفن. تم هذا تحت جنح الظلام. (وهو ما حدث لأكثر من جنازة في ذلك اليوم المشهود بربوع المملكة، حسب ما راج من أخبار).

بخصوص الانتصار المغربي المبهر على الفريق البرتغالي، على رأسهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، والتأهل إلى نصف نهاية المونديال، أو المربع الذهبي، فلا شك أنه لو كان معنا صبري على قيد الحياة، وهو في كامل حيويته، لما اكتفى بنشر تحليلاته التي كان يستمتع بها القراء أيما استمتاع، وتأخذ بألبابهم، اعتبارا لأسلوبها الأدبي الشيق والرائع، وإعجابا بمدى قدرة كاتبها وموسوعيته ومهارته في التقاط واقتناص ما لا يدركه المتتبعون للمباراة، وما لا تستطيع نباهتهم ملامسته من مشاهد وأطوار طريفة، إذ كان صبري ينشر مقالاته وتحليلاته عن مباريات الكرة بلغة راقية مسبوكة، وتناول فصيح ورائع، كأننا أمام ناقد يحلل قصيدة شعر. كيف لا وهو الأديب الشاعر، ولا ريب أنه كان سيتحفنا بقصيدة يتغنى بها حول الإنجاز/ الإعجاز الذي حققه منتخب المغرب بنجومه ومدربه الشاب. فلا أحد يجادل في أن السي أحمد صبري مدرب كرة القدم وأحد خبرائها التقنيين، هو من مؤسسي القصيدة الحديثة وأعلامها الكبار في المغرب. كيف ننسى واحدا من أجمل دواوين الشعر المغربية، وقد صدر بعنوان "أهداني خوخة ومات"، عنوان يلامس غرائبية غير معهودة، شرحه صاحب الديوان ذات مرة بأنه يعود لحادثة واقعية، عندما التقى الشاعر بالمقاوم محمد بنحمو الفّاخرى، من أعلام المقاومة المسلحة والنضال الوطني في حي درب غلف، فأهدى صبري فاكهة خوخ. لم يمر وقت طويل حتى وصل خبر اعتقال الفّاخري وتلفيق تهمة له بالتآمر على النظام وينفذ فيه بسرعة حكم الإعدام. وكان الفّاخري أول من أعدم مع ثلاثة آخرين من رفاقه بعد جلاء فرنسا، وجميعهم شباب قاوموا الاستعمار وكافحوا من أجل نيل الاستقلال والتحرير. ولأن صبري شأنه في ذلك شأن شبيبة ذلك الزمان، كان من أبناء درب غلف والدار البيضاء المعجبين بإقدام وبطولة المقاوم الفّاخري، لذلك حمل ديوانه (المنشور في 1967) ذلك العنوان التاريخي، وصادف نشر الديوان أيضا عملية اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة في باريس في نهاية سنة 1965، فاشتمل على جملة قصائد كلها تحكي عن نضال بن بركة وكفاحه الوطني والقومي والأممي، وعن الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية ونضال الشعوب الإفريقية من أجل الحرية، إضافة إلى قصائد من الشعر الذاتي، هو من سيكتب لاحقا قصائد تم تلحينها وغناؤها من قبل مطربين مغاربة، لكن أمله لم يتحقق في أن تغني من شعره سيدة الطرب العربي أم كلثوم، كما وعدته عندما التقاها، بسبب رحيلها.

وقد كتب أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في تقديمه للأعمال الشعرية لأحمد صبري التي صدرت بعنوان "في مواجهة الأزلية": "جاءت قصائده كلها تحميس للمناضلين، في المغرب وغيره، وتسفيه لقوى التسلط والقمع، ورثاء لضحاياه، دون أن تخلو، رغم قسوة المرحلة، من عواطف أبدية يأتي الحب على رأسها".

كان أحمد صبري أديبا وكاتبا ومترجما، وعاشقا لكرة القدم مثل الأرغواياني إدواردو غليانو، وكان رياضيا مارس كرة القدم وعمل مدربا لبعض أنديتها في المغرب والخليج، وتخصص في الصحافة الرياضية. وكان شاعرا مثل الروسي يفتشنكو الذي كان حارس للمرمى، التي حرسها أيضا الفرنسي ألبير كامو. لكن صبري اختار مركز الهجوم والتهديف مثل الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ.

وكان صبري يتنقل كنحلة بسيارته "الفولسفاغن" الخضراء، لا تسع برنامجه اليومي ساعات النهار والمساء، من ملاعب الكرة ومكاتب الجريدة وقسم التعليم إلى ندوات اتحاد الكتاب واجتماعات الهيئات التي كان يعمل بها أو يشرف عليها، ومنها عضويته منتخبا ممثلا لسكان بلدية المعاريف، إلى جلسات الرياضيين والفنانين المسرحيين والموسيقيين... وقد حول طاولة مقهى "الطائف"، التي كان يملكها لاعب المنتخب المغربي عزيز بو دربالة، إلى طاولة للكتابة، هناك واظب على اللجوء إليها عند منتصف النهار ليكتب مقالاته، وقصائده أيضا، وسط ضجة الزبائن وصخبهم.

هل اختار أحمد صبري يوم فرح مغربي عربي أممي لينتصر على كل ما لحقه من إهمال ونسيان وتجاهل، رافضا أن نبكيه بغير دموع تذرف من مآقي الفرح وأعين الحزن في آن؟ هو الذي أصر دوما على التغريد خارج السرب، وظل نافرا من محاولات الاحتواء والتدجين والتنازل، مشاغبا متمردا، متخندقا في إباء وسط متاريس خارج مساحة التراجع والانهزام.

سماه صديقه الشاعر إدريس الملياني بـ"حَكَمُ الشعر وهدّافُ الشعراء وحارسُ مَرمَى القصيدة".. وأضاف: "إن الشاعر أحمد صبري شخص مبدع وطريف ونص ممتع وأليف. وهو نصا وشخصا، يثير من حوله دهشة أليفة وألفة مدهشة".

وفي تدوينة مكتوبة بمرارة نازفة، توجز مجمل الحكاية، نعاه المناضل والأديب عبد الرحمن الغندور:0
"رحل الأخ والصديق أحمد صبري، مات الذي قتله الجحود والنكران قبل أن يقتله الموت.. مات الذي لم تنصفه الصحافة والصحافيون، وقد كان من مؤسسيها، وأسبق من كثير من أدعيائها الملتصقين بها، حتى اغتاله في جريدة حزبه من تتلمذوا على يديه.. مات الذي خانه الشعراء والكتاب ومؤسساتهم، وقد أبدع شعرا حين كان الكثيرون يتهجون الكلمات والقوافي.. مات الذي تنكر له أدعياء النضال في حزبه العتيد، وقد كان أسبقهم إلى المعارك والتضحيات في زمن المحارق.. مات الذي خذله الرياضيون وقد كان أحد روادهم، لعبا وتدريبا وتوثيقا وصحافة.. مات أحمد صبري في ركنه المنسي، ليتذكره فقط الأوفياء من أهل النضال والشعر والصحافة والرياضة.

مات صاحب ديوان "أهداني خوخة ومات" وقد أهداه الكثيرون، صناديق من خوخ النسيان والجحود والنكران، من السياسيين والصحافيين والكتاب والشعراء والرياضيين".

لم ينل أحمد صبري حقه، ولم يلق الاهتمام والتكريم اللازم، لا من الحزب الذي رفع رايته على امتداد نصف قرن وأكثر، ولا من مؤسساته الإعلامية، ولا من اتحاد الكتاب ونقابة الصحافة وجامعة الكرة، وباقي الإطارات التي خدمها وساهم فيها بتفان وإخلاص. لما صادفته بشارع مصطفى المعاني، حكى لي أحمد صبري تفاصيل واقعة الإهانة التي تلقاها من (عين. خاء). لن أنس كيف بكى صاحب "الأنشودة الحزينة" يومها من شدة التأثر لما حدث معه، في هذا الصدد يؤكد كثيرون أن الحادثة كانت سببا قويا في اعتلال الرجل وشلله.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).