Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة
رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة

محمد المحمود

لا علاقة لي بكرة القدم؛ لا من قريب ولا من بعيد. لم أتابع في حياتي مباراة واحدة؛ لا مهمة ولا غير مهمة؛ لا محلية ولا عالمية؛ وذلك أنها بكل صخبها الذي يُصِمّ الآذانَ؛ لم تَسْتثر اهتمامي ـ ولو بأدنى درجة من درجات الاستثارة ـ في يوم من الأيام.

قد يمرّ بي ـ عَرَضاً ـ مشهدٌ لِسِبَاق السيارات؛ فأتابعه لدقيقتين أو ثلاث، وقد يمرّ بي أحيانا مشهدٌ لِرياضة القفز، أو التزحلق على الجليد، أو حمل الأثقال؛ فأتابعه لخمس دقائق أو حتى عشر دقائق. ولكن، وفي كل مراحل عمري، لم يستسغ مزاجي متابعة كرة القدم، ولا منح أحداثها وأخبارها شيئا من نوافل الاهتمام.

هذا يعني ـ من جُملة ما يَعني ـ أن جهلي بكرة القدم، بقوانينها وبتنظيماتها وبأنديتها وبلاعبيها وبتاريخها، يكاد يكون جهلا تاما، بل هو الجهل التام. ورغم انعدام الاهتمام، ورغم ما أورثه هذا من جهل تام بها، إلا أن ثمة ما يُثيرني ـ أشدَّ الإثارة ـ في "ما وراء المشهد الكروي"، وتحديدا: في الاهتمام الجماهيري العميق والواسع بها لدى الأغلبية الساحقة من الناس، على اختلاف اهتماماتهم ومواقعهم وثقافاتهم، إلى درجة يتحوّل فيها هذا الاهتمام ـ عند كثيرين ـ إلى ما يشبه حالة عشق وهيام يُلْهِيهم عن فرائض المَهام.

طبعا، لا مفارقة هنا بين كون هذه الرياضة لا تستثيرني إطلاقا، وبين كون المشهد التفاعلي الجماهيري معها يستثيرني جدا. بل أعتقد أن عدم اهتمامي بها إطلاقا، هو بذاته ما يجعلني أندهش جدا من هذا الاهتمام الجماهيري المبالغ فيه حسب تقديري الخاص. فأنا هنا أرى "اللاَّطبيعي" فيما يراه غيري "طبيعيا"، أرى "غير مفهوم" فيما يراه غيري "مفهوما"، وربما لو كنت متابعا لهذه الرياضة، ومتفاعلا معها؛ لكان المشهد ـ في نظري ـ طبيعيا جدا، بحيث لا يُثير أي تساؤل، ولا يستحق التعليق عليه بحال.

عموما، ليس موضوع هذا المقال مقاربة ظاهرة الاهتمام الجماهيري اللاّطبيعي بكرة القدم (فهذا موضوع كتبت عنه عِدَّة حوارات في تويتر)، وإنما موضوعي هنا هو مشهد "الاتحاد الوجداني" بين كل الشعوب العربية؛ كما تجلى في الفرح بفوز منتخب المغرب على منتخب البرتغال. وإذا كنتُ كالعادة، لم أشَاهِد المباراة، فإنني قد شاهدتُ ـ مُنْدَهشا ومُتَحيّرا ـ رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة، وكأن كلَّ فَردٍ/ كلَّ فَرِحٍ من هؤلاء قد حقّق بنفسه ولنفسه أعظمَ إنجاز، وبلغ أقصى الأماني والأحلام.

ماذا يعني أن كل "عربي" في عالم العرب الواسع الممتد من المحيط غربا إلى الخليج شرقا، يشعرـ وبفرح غامر يصل حدّ البكاء أحيانا ـ أنه قد انتصر انتصارا حقيقيا في منافسة حاسمة؛ لمجرد أن منتخب المغرب فاز في مباراة رياضية عابرة؟ ما هو حَدّ الانتماء الذي شكّل بطانة هذا الشعور الطاغي؟ هل يستشعر الإنسان العربيُّ مستوى عاليا من الاتحاد الذي يربطه بشركاء اللغة، والتاريخ، والإرث الحضاري، وشركاء الدين في أغلب الأحوال؟ وإذا كان هذا الشعور يسكن الأعماق، وينفجر كالبركان في اللحظات الحاسمة؛ فلماذا يحضر في الرياضة ويضمر كثيرا في السياسية؟

في مقال الأسبوع الماضي، تحدّثتُ عن ثلاثة محاور وَهْميّة/ مُزَيَّفة، تُشَكِّل مرتكزات رؤية الإسلام السياسي، وكان منها محور: الوحدة الأممية، وهي الوحدة التي يزعم هذا النوع من الإسلام المؤدلج تَحقَّقها في الماضي، ويتطلع لتحقيقها في المستقبل. بينما هي/ الوحدة الأممية لم تتحقّق في يوم من الأيام. فالتاريخ يحكي أن العرب/ المسلمين منذ نشأتهم الأولى، ثم ظهورهم على مسرح التاريخ بالإسلام، لم يتحدوا إلا نادرا، وفي سنوات معدودة، استثنائية ظرفية عابرة، بينما بقية أيامهم على العكس منها، إذ كانوا فصائل مُتقاتلة، ودويلات مُتناحرة، وحتى إمبراطورياتهم المُتعاقبة التي يُفَاخِرون بها كثيرا، لم تكن إلا فضاءَ حروب أهلية، حروب متناسلة متواصلة؛ لا تهدأ إلا ريثما تنبعث من جديد.

إن هذا هو تاريخ العرب السياسي الذي كان مُقَسّما وصراعيا على الدوام. ولكن، مقابل هذا التاريخ، أو ـ بعبارة أدق ـ يَستقرّ في أعماق هذا التاريخ الصراعي التناحري تاريخٌ آخر، تاريخ ثقافي وَحْدودي، تاريخ كان ينمو باستمرار، ويتوحّد باستمرار، ويتوجّه ـ بمجموعه ـ إلى مستهدفات ثقافية، ودينية، وربما سياسية حالمة/ طوباوية، واحدة في أغلب الأحيان.

عندما كان سيف الدولة الحمداني في "حَلَب" مُنافسا/ مُخَاصِما لكافور الأخشيدي في "مصر"، كان المتنبي ينتقل من بلاط الأول إلى بلاط الثاني، وتصدح قصائده هنا وهناك، وتفهم الجماهير عنه هنا وهناك بلا فرق، وتترد في بغداد وما وراءها شرقا أصاء شوارده التي ينام عنها ملء جفونه؛ حتى تصل حركة التشرد التمردي به إلى عضد الدولة في شيراز/ جنوب إيران، فينشد قصائده التي سيردّدها بلاطُ المعز لدين الله الفاطمي في تونس (قبل انتقاله لمصر)، وسيتمنّى المُعِزّ لشاعره الخاص/ ابن هانئ الأندلسي أن يضارع المتنبي؛ لولا أن اخترمته المنون. وأيضا، عندما كتب الإمام مالك "الموطأ" في المدينة الحجازية المقدسة، كان رواجه الأعظم في الأندلس والمغرب، لا في جزيرة العرب وما جاورها. وعندما كتب سيبويه، الفارسي الأصل، العراقي الموطن، أعظمَ كتابٍ في النحو العربي، أي في لغة عرب الصحراء، كان هذا الكتاب محلَّ عناية نُحاة المغرب والأندلس شرحا وتعليقا وتدريسا. وينتقل اللغوي والأديب الكبير/ أبو علي القالي من العراق إلى الأندلس؛ فيخاطب تلاميذه/ جمهوره الجديد، وكأنه لا يزال يخاطب جماهيره في بغداد. ويُنْشد ابنُ زيدون نونيته الباكية في الأندلس، فتدمع لها العيون في بغداد ومكة ودمشق والقاهرة، بل لا تزال إلى اليوم من أغاني تلاميذ المدارس في المشرق العربي كله...إلخ.

هكذا تترحّل الكَلمات؛ وكأن الجميع في دولة واحدة، متصلة في التاريخ والجغرافيا والسياسية، بينما هم في دول متصارعة على امتداد التاريخ العربي/ الإسلامي الطويل، دول مُتحوّلة مُتقلّبة؛ بحيث لم يكن بعضها ينشأ إلا على أنقاض بعضها الآخر، في حالة افتراس دارويني دائم يُعِيد تدوير ملاحم العرب الأولى: البسوس وداحس والغبراء.

هنا يحق لنا أن نسأل ونتساءل: ما الثابت وما المُتحوّل عربيا؟ ما الذي يؤكد "وحدة العرب"، وما الذي ينفيها في الوقت نفسه؟ المعتصم، والمتوكل، والمأمون، وعبيدالله بن طاهر، وعضد الدولة، ونظام الملك، وكافور الأخشيدي، والمُعزّ، والحاكم بأمر الله، وعبد الرحمن الناصر، وابن تاشفين...إلخ، كانوا مظاهر عابرة على السطح/ المتحوّل؛ في مقابل الثابت: "إحياء" الغزالي، و"تهذيب" ابن عبد البر، و"موطأ" مالك، و"رسالة" الشافعي، و"مِلَل" البغدادي، و"تاريخ" الطبري، و"حيوان" الجاحظ، و"كامل" المبرد، و"عمدة" ابن رشيق، و"مَثَل" ابن الأثير، و"ألفية ابن مالك"، و"مغني" ابن هشام، و"مُزْهر" السيوطي، و"زُهر" الحصري، ودواوين الأعشى، والنابغة، وزهير، ولبيد، والفرزدق، وجرير، والأخطل، وبشار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، والمعري، وابن زيدون، وابن دراج، وابن هانئ، ولسان الدين بن الخطيب، وابن شهيد؟     

وفي الأخير، هل هذا "التوحّد العربي" الذي ظهر جليا في مشهد الفرح الجماهيري العربي بفوز منتخب المغرب يُعَبِّر عن حقيقة "الثابت الثقافي" الممتد أفقيا/ جغرافيا وعموديا/ تاريخيا، والذي يَجِد مُسْتَقرَّه في ثابتِ اللغة الواحدة؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا الفرز الثنائي بين السياسي والثقافي، في التاريخ كما في الراهن؟

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

مواضيع ذات صلة

وليد الركراكي متحدثا عن أشرف حكيمي: كان يرفض الخروج كلما حاولنا إخراجه
"المدرب وليد الركراكي وضع أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل"

عبد الرحيم التوراني

سيسدل الستار غدا الأحد على فعاليات كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الحالية التي احتضنتها دولة قطر (من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).   

وطبعا ستكون الكأس للمنتخب الأفضل والموفق، من سيحالفه الحظ. نعم، فللحظ نصيب وارد مهما تضاءلت نسبته في هذه الرياضة الشعبية التي تم تطويرها باستمرار وعلى مدى يقارب قرنا من الزمن، منذ انطلاق أول دورة للمونديال قبل 92 عاما، في واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية، دولة الأوروغواي سنة 1930، إلى أن أصبحت كرة القدم اليوم تخضع لضوابط علمية ولقواعد وقوانين محددة تتجه صوب مواكبة اجتهادات العصر واختراعاته التكنولوجية، وتساير استثماراته التجارية أيضا.  

 لكن أعدادا من الجماهير، تعد بالملايين من محبي وعشاق كرة القدم ومن متابعي أطوار المونديال، لن يهتموا كثيرا بصافرة النهاية في المبارة التي ستجمع غدا المنتخبين الفرنسي بنظيره الأرجنتيني لمعرفة المتوج منهما، بعد أن أجمعوا على اسم الفائز مسبقا، وهو هنا متعدد بأسماء مختلفة وعناوين موحدة، تختصر في قطر والمغرب وفلسطين والبلدان العربية وأفريقيا وشعوب الجنوب ومن يساندها عبر أرجاء المعمور.  

استطاعت قطر كسب الرهان عن جدارة واستحقاق، بنجاحها الباهر والمذهل في تنظيم النسخة الثانية والعشرين للمونديال. إن هناك إجماعا كبيرا، قلما توفر لبلد منظم، على أن ما حدث في قطر إنجاز غير مسبوق ونجاح كبير واستثنائي توفق في تحدي كل الحواجز والمعوقات والحملات الواسعة التي رعتها جهات معينة دعت إلى المقاطعة، حيث تم تسجيل أرقام قياسية عالمية في إحصائيات مشاهدي مباريات المونديال على الشاشات، لم تحقق في الدورات السابقة.  

بالنسبة لفلسطين، فقد تم رفع أعلامها وشعاراتها في عموم شوارع وساحات البلد المنظم، ناهيك عن المدرجات وفوق أرضية الملاعب، بتلقائية وعفوية انتصرت على أعتى واضعي استراتيجيات ومنفذي برامج الدعاية والترويج، وعلى خبراء العلاقات العامة، بدرجة آلمت كثيرا إسرائيل، وأزعجت مؤيديها من دعاة التطبيع، خاصة بعد عجز مبعوثي ومراسلي الإعلام الإسرائيلي إلى المونديال في انتزاع تصريحات إيجابية من الجماهير العربية، أو الحصول على كلمة طيبة عن إسرائيل يمكن توظيفها في خدمة مسار تطبيع أنظمة عربية مع إسرائيل.  

لا شك أن منتخب المغرب حقق إنجازا استثنائيا وتاريخيا غير مسبوق، بانتصاره على منتخبات كبيرة كانت مرشحة للظفر بالكأس، من بلجيكا وإسبانيا إلى البرتغال، ووصوله إلى خانة المربع الذهبي ضمن الصفوة الكبار في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما لم يتأت لأي بلد عربي أو أفريقي من قبل. إذ اعتبر تقدم المغرب في المسابقة وإنجازه مكسبا عظيما للقارة الإفريقية التي تأهل باسمها، ثم للعرب بتنوعهم الحضاري، وللمسلمين وبقية شعوب الجنوب.  

دون أن ننسى استهلال المونديال بفوز رائع لمنتخب السعودية على منتخب الأرجنتين بنجمهم الأسطوري ليونيل ميسي، وفوز مشرف لمنتخب تونس على فرنسا، بطلة العالم للنسخة السابقة (2018)، والفوز الكاميروني المبهج على منتخب السحرة البرازيل.  

في دورة قطر اصطبغت جماهير المونديال بألوان المغرب ورايته الحمراء، وتغنت باسم أبطاله من اللاعبين، وأنشدت أهازيج وشعارات جماهير الكرة في المغرب، حتى أن العرب والأفارقة وجدوا أنفسهم أحيانا، في غمرة توحدهم والتحامهم الإيجابي، يزايدون على بعضهم في حبهم وتشجيعاتهم للمنتخب المغربي في هذا المونديال المثير للغاية، والذي انتقل فيه الجمهور من اللاعب رقم 12 كما يقال عادة، إلى اللاعب رقم واحد.  

علما أن المنتخب المغربي مكون في غالبية أفراده من لاعبين ولدوا ونشأوا بديار المهجر الأوروبي، من عائلات فقيرة وأسر مهاجرة كادحة، في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من أقطار القارة العجوز، لكن لما وضع هؤلاء الفتية أمام الاختيار، استفتوا قلوبهم والدماء التي تسري في عروقهم، فاختاروا أصلهم ومَحْتَدَهُم، أي بلد انتماء الأهل والجذور: المغرب، رغم كل الإغراءات التي قدمت لتحفيز كثير منهم من أجل أخذ القرار المعاكس. وبذلك ساهموا بوضوح وقوة في تأكيد الدور الذي صارت تلعبه كرة القدم اليوم في "تكريس وتحديد الانتماءات ورسم الهويات"، على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، حيث يجري استحضار دور المشترك في الدين واللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وهو دور عميق وبالغ الأهمية، له تداعياته الملموسة غير الخفية على المجالات الاقتصادية والسياحية والسياسية، ما يرقى بكرة القدم من مجرد لعبة رياضية إلى منبر ومنصة شعبية تعبر فيها الجماهير عن طموحاتها وأمانيها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان وفي نيل الحرية والتقدم والسلام.  

ما جرى في مونديال قطر يمكن اعتباره بمثابة "ربيع عربي وأفريقي"، يتجاوز "الربيع العربي" المفترى عليه، أو المجهض والمخيب للآمال، الذي عاشته المنطقة قبل عقد من الأعوام، لنعيش اليوم ربيعا جديدا مكللا بالقيم الجديدة لكرة القدم المعبأة بنسائم الأفراح وبرغبة جامحة في إثباث الهوية والذات والوجود. "حراك" رياضي سلمي رددت فيه جماهير الكرة العربية والأفريقية بلسان واحد "إننا هنا.. وأن الساعة دقت لتغيير العقلية، للإنهاء مع سجلات الفشل والنقص والدونية، وإلغاء فكرة الاكتفاء بلعب دور مكمل يؤثث احتفالات الكبار، بغاية الاستشفاء من عقدة الإطار الأوروبي والأميركي، والقطيعة مع عدم الثقة في أبناء البلد بالاستمرار في سياسة التعويل الدائم على "الآخر المتفوق".  

هي الأفكار التي ما فتئ المدرب المغربي وليد الركراكي يرددها في مؤتمراته الصحفية ويعلنها في تصريحاته قبل وبعد المباريات، منذ وطأت قدماه أرض الدوحة.   

بكلمات بسيطة وضع الركراكي أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل، يتجاوز غرف تبديل ملابس اللاعبين ومدرجات وملاعب الكرة. حتى أن بعض الكتاب انساقوا بجد في الخوض في تحليل ظاهرة كرة القدم خلال نسخة هذا المونديال، "ظاهرة وليد الركراكي"، ووجدنا بعضهم يقارن المدرب المغربي بالزعيم القومي جمال عبد الناصر في سعيه من أجل وحدة الأقطار والشعوب العربية. آخرون لقبوا مدرب أسود الأطلس بالفيلسوف وبالخبير النفسي. أما الجماهير المغربية فتمنت لو كان يقود حكومة بلادهم رجل بمواصفات وليد الركراكي وحماسته وقد أصبحت كلماته على كل شفة ولسان، خصوصا منها تعبير "النية"، وعبارة "سِيرْ.. سِيييرْ"، التي اعتادت جماهير الكرة في المغرب ترديدها، لكن أصبح لها اليوم معنى ودلالة أقوى لما التقطها ووظفها وليد الركراكي. وترجمتها الفصيحة: (سِرْ إلى الأمام.. انطلق وتقدم)...  

لذلك ولا شك، أنه لو جرى استفتاء شعبي نزيه لاختيار رجل السنة في المغرب، وفي البلاد العربية وأفريقيا، فسوف يكون هو وليد الركراكي، وقد انتشرت فيديوهات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين من الكاميرون والكونغو ونيجيريا ومصر والعراق والجزائر ولبنان وفلسطين وغيرهم من مشجعي الفريق المغربي، كلهم قالوا بالحرف: "نحن مغاربة" و"قلبنا ينبض بالمغربي". وقد شاهدنا كيف ارتدى منتخب السينغال في المدرجات مع مدربه الوطني إليو سيسي، قميص المنتخب المغربي، بل إن العرب والأفارقة كلهم اصطفوا خلف المنتخب المغربي. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بتلك النبوءة الموعودة بالغد المشرق الجميل، غد صافية سماؤه، ومن أديمها تلوح تباشير الأمل في تحقيق قيم التضامن والوحدة المنشودين.

 لقد سال كثيرٌ من الحبر حتى الآن، وأنهار من التعليقات والتحليلات والتفسيرات، صبّت كلها في بحار المغامرة المغربية في مونديال قطر، علت أمواجها لمستويات وامتدادات لم يكن ممكنا قبل كأس العالم تصديقها.   

 فورة من الأحلام الجميلة، ومن المحبة والتعاطف والأخوة والفخر، دثرت الجسد العربي والأفريقي، لكن عمر الحلم دائما قصير مثل لمعة ضوء بارقة في ليلة مظلمة، ويأتي بعدها صحو المواجهة مع الواقع العنيد. فسريعا ما سينجلي الوهم الكبير الذي صنعته كرة مستديرة، جوفاء لا يملؤها غير الهواء، لا، بل إن الكوابيس تأبى إلا أن تكون شاخصة وسط رفرفة الحلم الوردي لتنغص لذته. ولسنا من الواقفين فوق رُبوات التشاؤم، أو من مُسرِّبي ثقافة التيئيس، إلا أن ما حدث في الدوحة من ممارسات توصف بالفضائح، كان أبطالها شخصيات رياضية من قيادة الجامعة الملكية لكرة القدم، لم يترددوا في المتاجرة بتذاكر دخول مباريات المغرب في المونديال، التي منحت لهم لتوزيعها على الجمهور المغربي بالمجان، لكن هؤلاء "الأبطال" حولوا تلك التذاكر إلى السوق السوداء بأثمنة عالية جدا، ومن بين هؤلاء المنغصين أعضاء في البرلمان المغربي، إذ يعرف البرلمان الحالي عضوية عدد من رؤساء أندية كرة القدم المنتمين في أغلبهم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، اللذين يقودان الحكومة الحالية مع حزب الاستقلال، ما يجعل  الطموحات التي عقدت على المدرب وليد الركراكي والمنتخب المغربي مهددة بالانكسار وبتبديد الرصيد المحصل. فلا إصلاح من دون مصلحين حقيقيين، لذلك لا غرابة في المحاولات التي تحركت من أجل سرقة ما حققه شباب المنتخب من أبناء الشعب المغربي، ونسبه إلى جهات ومؤسسات وأشخاص آخرين، مثل رئيس فيدرالية الكرة فوزي لقجع، القيادي في حزب "البام"، الذي يشغل في الآن ذاته مهمة الوزير المنتدب لوزارة المالية والاقتصاد في حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته بسخط واستياء شعبي واسع، في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية والصعبة وغلاء الأسعار الذي تعاني منها الطبقات الشعبية والأسر الفقيرة في المغرب.  

 يسوقنا الأمر إلى تفادي التطلع صوب الشيء الكثير من "انتصارات المغرب في مونديال قطر"، التي تحققت على يد وليد الركراكي مع أعضاء المنتخب، بعد أن أبانوا على مستوى عالٍ في المهارة والموهبة والتنافسية داخل المستطيل الأخضر مع منتخبات القوى العظمى في العالم، وكذا على مستوى الصور والرموز الإيجابية التي قدموها على الواجهات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والتي حظيت بمزيد من التنويه والتقدير واستحوذت على إعجاب العالم.  

 إن الأمر ليس "وليد" الصدفة، بل هو "وليد" الركراكي، وياسين بونو، ومنير المحمدي، ورومان سايس، ونصير المزراوي، وحكيم زيّاش، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، ويحيى عطية الله، وسليم املاح، ونايف اكرد، وعز الدين أوناحي، وسفيان بوفال، ويوسف النصيري، ويحيى جبران، وزكرياء أبو خلال، وباقي رفاقهم الشجعان الأفذاذ، من عبَّرُوا جهرا بصوت واحد من خلال أدائهم المشرف والبطولي، على أن المستحيل ليس من مفرادات قاموسهم. وكأني بالقائد التاريخي العسكري الإمبراطور نابليون بونابرت كان يقصد وليد الركركي عندما قال: "إن الرجل الذي عقد النية على الفوز لا ينطق كلمة مستحيل". وهو القائل أيضا: "لا توجد كلمة مستحيل إلا في قاموس الضعفاء". وما قام به منتخب المغرب برهن على "أننا" لسنا ضعفاء، وأنه لم تكن تنقصنا سوى "النية"، أي الإرادة والقصد والعزم. فكيف ومتى سيتم استثمار هذا النجاح الرياضي بشكل إيجابي، والشروع في تصحيح الأمور من خلال العمل الجدي والجاد.   

 لا أحد يريد لما يصحو من الحلم أن يجد الإحباط بالباب.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).