Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

من احتفالات لاعبي المغرب بالإنجاز الكبير
من احتفالات لاعبي المغرب بالإنجاز الكبير

د. عماد بوظو

حقّق رجال منتخب المغرب لكرة القدم أو أسود الأطلس كما يحبون أن يُطلق عليهم انتصارات غير مسبوقة أوصلتهم إلى مرتبة أحد أفضل أربع فرق في العالم، وأمامهم فرصة حقيقية للتقدّم أكثر في المباريتين المتبقيّتين، وعند متابعة أداء هذا الفريق طوال أيام كأس العالم يتبين أن نتائجه لم تكن مفاجأة أو معجزة كما تُردّد بعض وسائل الإعلام، فقد تمكّن من إخراج 3 فرق من البطولة كانت مُرشحة للكأس وهي بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، ما يشير إلى أن الفريق يتمتع بمستوى عالمي حقيقي عبّر عنه المدرب وليد الركراكي "إن ما حققناه لم يكن صدفة بل كان ثمرة عمل جاد لقد كان لدينا أصعب مسار في البطولة"، أي أن سبب "المفاجأة" أن أبناء المنطقة لم يكونوا يعرفون الكثير عن الفريق المغربي قبل البطولة وبدأوا بالبحث عنه بعد الانتصارات التي حققها. 

وعندها اكتشفوا أن المغرب بدأ منذ عام 2016 مشروعاً وطنياً لتطوير كرة القدم تضمّن تدريب وتنمية مواهب اللاعبين الهواة والمحترفين على أسس علمية والنهوض بالأندية من النواحي الإدارية والتمويلية، وربما لعب ذلك دوراً في وجود عدد كبير من اللاعبين المحترفين في كبريات الفرق العالمية وفي وجود أندية المغرب في أغلب نهائيات البطولات الإقليمية خلال السنوات الماضية، ثم خضع الفريق الذي تم اختياره إلى معسكر إعداد أشرف عليه مدربون محترفون وإداريون أكفّاء، وحدث كل ذلك بدون ضجيج أو استعراض إعلامي. 

ومن الطبيعي أن تعمّ الفرحة بانتصارات فريق المغرب كافّة شعوب المنطقة، ولكن بعض الإسلاميين والعروبيين أرادوا ولأسباب غير مفهومة اعتبار هذه النتائج انتصاراً لهم رغم أنهم يختلفون تماماً مع المغرب في جميع توجّهاته الاستراتيجية وسياساته التي لعبت دوراً رئيسياً في تحقيق إنجازات لم تقتصر على كرة القدم، بل تجاوزتها إلى الكثير من المجالات الأخرى. 

فالمغرب حسم أمره منذ زمن بأنه حليف استراتيجي لدول الغرب، بدايةً من العلاقة التاريخية الخاصة التي تجمعه مع الولايات المتحدة والتي أخذت شكل شراكة استراتيجية أدّت إلى توقيع اتفاقية للتبادل الحر دخلت حيز التنفيذ عام 2006، مما جعل المغرب أقرب حلفاء أميركا في القارة الإفريقية والدول الإسلامية، ولذلك أيّدت الولايات المتحدة المغرب في المحافل الدولية وكان آخرها الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء، وتنظر الولايات المتحدة إلى المغرب بأنه يمكن أن يُقدم نموذجاً ناجحاً للإصلاح الديمقراطي المُترافق مع الازدهار الاقتصادي لبقية دول المنطقة. 

أما أوروبا، فهي الشريك الأكبر والأقرب إلى المغرب حيث يستحوذ الاتحاد الأوروبي على 70 في المائة من مبادلات المغرب الخارجية وتُرجم ذلك في اتفاقات جعلت المغرب الشريك الأول لأوروبا في جنوب المتوسط والمستفيد الأول من المساعدات الأوروبية، كما أصبح للمغرب وضع "متقدم" في علاقته مع الاتحاد الأوروبي وهي سابقة في تاريخ هذا الاتحاد وتعني اقتصادياً اندماج تدريجي وكامل للمغرب في السوق الداخلي للاتحاد الأوروبي ومنحه فرصاً تجارية واستثمارية كبيرة مع حرية تنقّل البضائع والعمال ورؤوس الأموال وتقديم الخدمات بالإضافة إلى ربط المغرب بشبكات النقل والطاقة الأوروبية. 

وضمن نفس هذه التوجّهات هناك العلاقات المغربية الإسرائيلية التي تستند إلى تداخل تاريخي يعود إلى مئات السنين، انعكس اليوم في وجود مئات آلاف اليهود المغاربة في إسرائيل، كما يعود التواصل السياسي بين البلدين إلى ثمانينات القرن الماضي عبر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها للمغرب، واستمرت بعدها اللقاءات بين البلدين حتى توّجت عام 2020 في قيام علاقات دبلوماسية كاملة ترافقت مع زيارات دورية مكثّفة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وعسكرية أدّت إلى إبرام اتفاقيات ومشاريع مشتركة وتبادل تجاري وتنشيط السياحة، كان منها اتفاقيات ذات أهمية خاصة للمغرب مثل تطوير نُظم الري والتكنولوجيا الزراعية والمعدات الطبية والطاقة الشمسية والذي يشير إلى بداية شراكة اقتصادية تتطور يوماً بعد يوم بثبات.  

وتطلّبت العلاقة المغربية الخاصة مع دول الغرب العمل على دعم الديمقراطية والارتقاء بحقوق الإنسان وإصلاح القضاء ودعم المجتمع المدني وضمان النزاهة والشفافية وسيادة القانون ومكافحة الفساد، وتظاهر ذلك في عمليات إصلاح ديمقراطي بدأت مُبكراً في منتصف تسعينات القرن الماضي وأدت إلى توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي عبر نظام برلماني شاركت فيه أحزاب المعارضة الرئيسية من يسارية وإسلامية والتي تولّت تشكيل الحكومات وشاركت في تحمّل مسؤولية القرارات التي تتّخذها لأكثر من عقدين. 

ثم تراجع تدريجياً حجم هذه الأحزاب وبرزت في الانتخابات الأخيرة أحزاب ليبرالية ومحافظة، بحيث أنه في عهد الملك الحالي محمد السادس جرت في المغرب 5 انتخابات برلمانية أكدت على أن التعدّدية السياسية قد أصبحت خياراً ثابتاً يمكن التأكّد من نجاحه في نسبة المشاركة العالية في الانتخابات والتي تعكس وجود درجة من الثقة الشعبية بمصداقيتها بخلاف الانتخابات الشكليّة التي تجري في أغلب دول الإقليم. 

كما ساعد وجود أحزاب حقيقية وهامش مقبول من حرية الصحافة على مراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها عند اللزوم رغم أنه لابد من الاعتراف بأن الطريق لايزال طويلاً نحو الديمقراطية العريقة الموجودة في دول الغرب، كما يبدو أن هناك عاملاً آخر لعب دوراً في خصوصية التجربة المغربية وهي أنه باستثناء الملك لا يتقلّد أي شخص من العائلة المالكة منصب سيادي أو سياسي ويكاد يقتصر دور أفراد العائلة على منظمات حماية التراث والبيئة والجمعيات الخيرية، بينما حتى في "جمهوريات" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستلم أقرباء الحكّام مناصب حساسة في أجهزة الدولة الأمنية والاقتصادية.  

وانعكست مُجمل هذه العوامل في تحسّن الوضع الاقتصادي للمغرب رغم فقره بموارد الطاقة، فقد قال البنك الدولي في تقريره عام 2022 "المغرب لا يزال يقدّم مؤشرات مالية أفضل من معظم الأسواق الصاعدة والاقتصاديات النامية"، كما أشار التقرير إلى أن التضخّم في المغرب أقل من البلدان المجاورة، وقد يُساعد على مزيد من تحسّن الوضع الاقتصادي تعافي السياحة بسرعة في المغرب والتي عادت خلال الصيف الحالي إلى أرقام ما قبل كورونا والحرب في أوكرانيا. 

كما يشهد المغرب نمواً متسارعاً في الصناعة ومنها صناعة السيارات التي يعمل فيها حالياً أكثر من 150 ألف شخص، ولا يُنافس المغرب في هذا المجال سوى دولة جنوب إفريقيا، بل تفوّق المغرب عام 2018 على جنوب إفريقيا وأصبح أكبر مصدّر إفريقي لسيارات الركّاب بحجم تجاوز عشرة مليارات دولار، كما تطوّرت خلال أقل من عقدين صناعة أجزاء الطائرات في المغرب لتشكّل قصة نجاح أخرى حتى أن المدير العام لشركة إيرباص العالمية قال "ليست هناك طائرة تحلّق في السماء لم يصنع المغرب أحد أجزائها"، وكذلك تحتل المغرب المرتبة الثانية في إفريقيا في صناعة الأدوية وتؤمن 75 في المائة من حاجة السوق الداخلية. 

إذاً لقد اختار المغرب لنفسه طريقاً مُميزاً يقوم على لغة المصالح المتبادلة وعلى أولوية توفير حياة كريمة لأبنائه بخلاف عالم الشعارات التي يعيش عليها الإسلاميون والقوميين الذين يحاولون اليوم سرقة انتصارات المغرب الكُروية، وربما من الأفضل لحكومات الإقليم الاطلاع والاستفادة من تجربة المغرب الناجحة ليس فقط في مجال كرة القدم بل في الخيارات السياسية والاقتصادية التي اعتمدها والتي تبدو مختلفة تماماً عن توجهات أغلب أنظمة الحكم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

مواضيع ذات صلة

الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير
الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير

حازم الأمين

كان عام هزيمة الشعوب والمجتمعات العربية، وانتصار الأنظمة المتسلطة والفاسدة وغير الشرعية. لا نقول ذلك من باب ندب المصير والبكاء على ما صرنا إليه، ولا نقوله لأن صدمة أصابتنا جراء ما آلت إليه أوضاعنا، انما كمقدمة لاستعراض نكبات العام 2022 بوصفها نتيجة غير مفاجئة، لكنها فعلاً غير نهائية وتخفي وقائع أخرى.

الهزيمة هي امتداد لسلسلة من إخفاقات باشرت اشتغالها منذ أعوام، إلا أنها في العام 2022 بلغت ذروتها. في مصر أنهى نظام عبد الفتاح السيسي كل بقايا ثورة يناير، وفي سوريا كانت الهزيمة النهائية للثورة، وتونس صارت جمهورية قيس سعيد، وتمكن حزب الله في لبنان من التحول إلى قوة وحيدة ومعيقة لأي تغيير أو إصلاح. الوضع في اليمن معلق بانقسام وبحرب أهلية، وفي العراق استعادت طهران المبادرة، ولها اليوم فيه الحكومة والحشد الشعبي والفصائل الولائية!

لكن النظام العربي مختنق بـ"انتصاراته"، ذاك أن استعراضاً موازياً لأوضاعه يكشف استعصاء يفوق ما كان يعيشه في لحظة اندلاع ما أطلقنا عليه "الربيع العربي". فالنظام السوري عالق بين نفوذ أسياده الروس والإيرانيين، ومحاصر بعقوبات وبفشل هائل على كل المستويات، ومصر على أبواب انهيار مالي واقتصادي بدأت بشائره عبر سياسة تعويم العملة الوطنية وما أحدثه التعويم من كوارث معيشية، وإذا كان قيس سعيد قد انقض على تونس وعلى دستورها مستثمراً بموبقات حركة النهضة التي كانت سبقته إلى السلطة، فإن جواب التونسيين على تغوله على بلدهم جاء قبل أيام عبر نسبة اقتراع في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز التسعة في المئة، وهو ما يقوض شرعية سلطته. لبنان والعراق هما حصة طهران في هذا الاختناق. لبنان على أبواب المجاعة في ظل سلطة حزب الله، والعراق بلغ فيه الفساد مستويات كشفت عن حجم الفشل.

اذاً، فَشِل الربيع العربي، لكن خصومه في وضع أسوأ من أوضاعهم التي سبقته! والغريب أن الأنظمة التي تتوهم أنها التقطت أنفاسها، استأنفت في التعامل مع هذا الواقع، ما كانت بدأته قبل العام 2011. النظام في سوريا صار أكثر دموية من نفسه، وحزب الله يعتقد أن لحظات اهتزاز سلطته هي وليدة مساحات في النظام كان تركها لشركاء في النظام لم يحسنوا إدارتها، وها هو اليوم يسعى لأن يكون القوة الوحيدة المقررة في مستقبل لبنان، وإذا كنا لم نشهد بعد رد قيس سعيد على سحب التونسيين التوكيل الذي اعطوه إياه في الانتخابات الرئاسية، فيجب ان لا نتوقع خيراً منه. أما مصر، فكل مؤشراتها اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل العام 2011 بدءاً من الوضع الاقتصادي ووصولاً إلى الحريات وحقوق الانسان. 

لكن في ضوء هذا الانسداد، ماذا يمكن أن نتوقع للعام 2023؟

لن تسقط أنظمة، ولن يستعيد أحد عافيته! هذا ليس أسوأ السيناريوهات، على رغم الأكلاف الباهظة الناجمة عنه. فأسوأها هي أن يستعيد النظام في سوريا عافيته، وأن تصبح تونس على شاكلة قيس سعيد، وأن ينجح السيسي في إقناع العالم بضرورة استمراره خنق الحريات في مصر. الأثمان باهظة فعلاً، لكن الخيارات ضيقة، وبديل الاهتراء هو تطويب الاستبداد بوصفه قدراً لا مناص منه. وأمام هذه الخيارات، وبما أننا أمام مفاضلة بين سوء وسوء، ما علينا إلا أن ننتظر تحلل الأنظمة، بديلاً من انتظار استقرار القتل والاستبداد. 

في مقابل هزيمة الثورات، ثمة فشلاً هائلاً لـ"المنتصرين"، هذه المعادلة مأساوية إلا أنها تجعل من مجتمعاتنا ومن تجاربنا مجالاً للتفكير ولمحاولات مختلفة في التعامل مع الانسداد. من هُزموا من المفترض أن يجروا مراجعة قاسية لتجربتهم، ومن "انتصروا" لن يكتب الاستقرار لأنظمتهم، ولن يستعيدوا مواقعهم بوصفهم جزءاً طبيعياً من العالم. 
قد يكون الاهتراء بطيئاً، لكنه حين يتحول إلى تفكك، فلن تجدي معه إسالة مزيد من الدماء. 

ثمة لحظة دولية تجعل من الاهتراء وضعاً لا بد من التعامل معه، لكن إدارة الاهتراء ستكون مكلفة وسيجد العالم نفسه مجبراً على ضبط هذا الاختلال. النظام في سوريا تحول إلى مصدر للمخدرات إلى كل العالم، وجمهورية قيس سعيد هي مخزن لاجئين محتملين ولا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن أوروبا، والفساد اللبناني المرعي من قبل سلطة حزب الله بدأ يصيب النظام المالي في العالم. البقاء بعيداً عن هذا الاهتراء مستحيلاً، وترك هذا الإقليم لكي يدير كوارثه لن يفضي إلا إلى مزيد من الكوابيس.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).