Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير
الرئيس السيسي انتقد مرارا ثورة 25 يناير

حازم الأمين

كان عام هزيمة الشعوب والمجتمعات العربية، وانتصار الأنظمة المتسلطة والفاسدة وغير الشرعية. لا نقول ذلك من باب ندب المصير والبكاء على ما صرنا إليه، ولا نقوله لأن صدمة أصابتنا جراء ما آلت إليه أوضاعنا، انما كمقدمة لاستعراض نكبات العام 2022 بوصفها نتيجة غير مفاجئة، لكنها فعلاً غير نهائية وتخفي وقائع أخرى.

الهزيمة هي امتداد لسلسلة من إخفاقات باشرت اشتغالها منذ أعوام، إلا أنها في العام 2022 بلغت ذروتها. في مصر أنهى نظام عبد الفتاح السيسي كل بقايا ثورة يناير، وفي سوريا كانت الهزيمة النهائية للثورة، وتونس صارت جمهورية قيس سعيد، وتمكن حزب الله في لبنان من التحول إلى قوة وحيدة ومعيقة لأي تغيير أو إصلاح. الوضع في اليمن معلق بانقسام وبحرب أهلية، وفي العراق استعادت طهران المبادرة، ولها اليوم فيه الحكومة والحشد الشعبي والفصائل الولائية!

لكن النظام العربي مختنق بـ"انتصاراته"، ذاك أن استعراضاً موازياً لأوضاعه يكشف استعصاء يفوق ما كان يعيشه في لحظة اندلاع ما أطلقنا عليه "الربيع العربي". فالنظام السوري عالق بين نفوذ أسياده الروس والإيرانيين، ومحاصر بعقوبات وبفشل هائل على كل المستويات، ومصر على أبواب انهيار مالي واقتصادي بدأت بشائره عبر سياسة تعويم العملة الوطنية وما أحدثه التعويم من كوارث معيشية، وإذا كان قيس سعيد قد انقض على تونس وعلى دستورها مستثمراً بموبقات حركة النهضة التي كانت سبقته إلى السلطة، فإن جواب التونسيين على تغوله على بلدهم جاء قبل أيام عبر نسبة اقتراع في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز التسعة في المئة، وهو ما يقوض شرعية سلطته. لبنان والعراق هما حصة طهران في هذا الاختناق. لبنان على أبواب المجاعة في ظل سلطة حزب الله، والعراق بلغ فيه الفساد مستويات كشفت عن حجم الفشل.

اذاً، فَشِل الربيع العربي، لكن خصومه في وضع أسوأ من أوضاعهم التي سبقته! والغريب أن الأنظمة التي تتوهم أنها التقطت أنفاسها، استأنفت في التعامل مع هذا الواقع، ما كانت بدأته قبل العام 2011. النظام في سوريا صار أكثر دموية من نفسه، وحزب الله يعتقد أن لحظات اهتزاز سلطته هي وليدة مساحات في النظام كان تركها لشركاء في النظام لم يحسنوا إدارتها، وها هو اليوم يسعى لأن يكون القوة الوحيدة المقررة في مستقبل لبنان، وإذا كنا لم نشهد بعد رد قيس سعيد على سحب التونسيين التوكيل الذي اعطوه إياه في الانتخابات الرئاسية، فيجب ان لا نتوقع خيراً منه. أما مصر، فكل مؤشراتها اليوم هي أسوأ مما كانت عليه قبل العام 2011 بدءاً من الوضع الاقتصادي ووصولاً إلى الحريات وحقوق الانسان. 

لكن في ضوء هذا الانسداد، ماذا يمكن أن نتوقع للعام 2023؟

لن تسقط أنظمة، ولن يستعيد أحد عافيته! هذا ليس أسوأ السيناريوهات، على رغم الأكلاف الباهظة الناجمة عنه. فأسوأها هي أن يستعيد النظام في سوريا عافيته، وأن تصبح تونس على شاكلة قيس سعيد، وأن ينجح السيسي في إقناع العالم بضرورة استمراره خنق الحريات في مصر. الأثمان باهظة فعلاً، لكن الخيارات ضيقة، وبديل الاهتراء هو تطويب الاستبداد بوصفه قدراً لا مناص منه. وأمام هذه الخيارات، وبما أننا أمام مفاضلة بين سوء وسوء، ما علينا إلا أن ننتظر تحلل الأنظمة، بديلاً من انتظار استقرار القتل والاستبداد. 

في مقابل هزيمة الثورات، ثمة فشلاً هائلاً لـ"المنتصرين"، هذه المعادلة مأساوية إلا أنها تجعل من مجتمعاتنا ومن تجاربنا مجالاً للتفكير ولمحاولات مختلفة في التعامل مع الانسداد. من هُزموا من المفترض أن يجروا مراجعة قاسية لتجربتهم، ومن "انتصروا" لن يكتب الاستقرار لأنظمتهم، ولن يستعيدوا مواقعهم بوصفهم جزءاً طبيعياً من العالم. 
قد يكون الاهتراء بطيئاً، لكنه حين يتحول إلى تفكك، فلن تجدي معه إسالة مزيد من الدماء. 

ثمة لحظة دولية تجعل من الاهتراء وضعاً لا بد من التعامل معه، لكن إدارة الاهتراء ستكون مكلفة وسيجد العالم نفسه مجبراً على ضبط هذا الاختلال. النظام في سوريا تحول إلى مصدر للمخدرات إلى كل العالم، وجمهورية قيس سعيد هي مخزن لاجئين محتملين ولا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن أوروبا، والفساد اللبناني المرعي من قبل سلطة حزب الله بدأ يصيب النظام المالي في العالم. البقاء بعيداً عن هذا الاهتراء مستحيلاً، وترك هذا الإقليم لكي يدير كوارثه لن يفضي إلا إلى مزيد من الكوابيس.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مشهد اللاعبين مبابي وحكيمي شكل ذروة على هذا الصعيد
كيليان مبابي وأشرف حكيمي

حازم الأمين

شهدت نهاية المباريات بين منتخبي المغرب وفرنسا في مونديال قطر لحظات عاطفية نادرة ليست امتداداً للنقاشات المشحونة التي سبقت المباريات والتي رافقت مسيرة صعود المنتخب المغربي خلال محطات مونديال 2022، كما أنها شكلت افتراقاً عن توقعات أن ترافق المباريات وتعقبها أعمال شغب في المدن الفرنسية، لا سيما في مناطق انتشار وإقامة الجالية المغربية في فرنسا، والتي يتجاوز عددها المليون.

فقد حضر في نهاية المباريات ما يمكن وصفه بالعلاقات شديدة التعقيد بين المغاربة والفرنسيين، ولعل أكثر ما مثل هذا الالتباس، هو مشهد النجم الفرنسي كليان مبابي معانقاً زميله في نادي "باري سان جرمان" اللاعب المغربي أشرف حكيمي، فيما بدا أنه أكثر من طقس رياضي تبادل خلاله اللاعبان قمصانهما. وحيال هذا المشهد يمكن للمرء أن يستعرض تاريخاً من العلاقات المعقدة بين المغاربة والفرنسيين، وهي علاقات أعقد وأعمق من أن تفسرها احتقانات السياسة والعلاقات البينية، وحتى اضطرابات اللجوء ومعضلات الهوية.

للهوية الأوروبية لفرنسا عمق أفريقي لشمال أفريقيا دور فيه، وفرنكفونية المغرب بدورها ليست مجرد قيمة ثقافية، إنما هي جوهر حياتي ويومي. لكن مشهد مبابي وحكيمي مثل أكثر من هذا الالتباس، فالمغرب في فرنسا ليس احتمال احتقان يعقب فوز المنتخب، انما وقائع أثقل أملاها وجود أكثر من مليون مغربي في فرنسا، وجيل مهاجر رابع خلفت فيه فرنسا أكثر من احتمال. بعض الاحتمالات تنطوي على اضطرابات، لكن بعضها الآخر اندماجي وإغنائي.

السياسة هي أسوأ ما في هذه العلاقات. السياسة بما هي علاقات استعمارية (قرون الاحتلال الفرنسي لشمال أفريقيا)، وبما هي ضغوط المهاجرين غير الشرعيين، وآخرها الأزمة الناجمة عن رفض دول شمال أفريقيا القرار الفرنسي بإعادة لاجئين غير شرعيين إلى بلادهم، وبما هي علاقات مضطربة بين أجهزة الأمن والمخابرات، بدءاً من اغتيال المخابرات المغربية المعارض المغربي المهدي ببن بركة في فرنسا، ووصولاً إلى ما كشفته تحقيقات بيغاسوس عن اختراق الأمن المغربي لهاتف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

لكن في مقابل كل هذا السياق من العلاقات المتقلبة وغير المستقرة، ثمة وقائع عميقة من النادر أن يتم استحضارها أثناء تناول العلاقات بين المغاربة والفرنسيين. مشهد اللاعبين مبابي وحكيمي شكل ذروة على هذا الصعيد، فالحضور المغربي، لا بل المغاربي في فرنسا، جرى اختصاره في العقود الفائتة بعشرات من المتشددين نفذوا عمليات إرهابية، وأشيح النظر عن ظواهر اندماجية وعن علاقات إيجابية، لا تقتصر على مبابي وحكيمي وزين الدين زيدان وكريم بنزيما، وليست الرياضة هي الميدان الوحيد على هذا الصعيد.

وإذا كان للإسلام السياسي ولفروعه التكفيرية دور في تظهير العلاقات المتوترة بين أوروبا وبين مهاجريها المسلمين، فإن اليمين الأوروبي ليس مقصراً على هذا الصعيد، فما رافق مسيرة صعود المنتخب المغربي من أحكام تنميطية في جزء من الإعلام الغربي شكل مساهمة في هذا الشرخ، وأن تقارن محطة تلفزيونية ألمانية عامة بين لاعبي المنتخب المغربي عندما رفعوا أصابعهم احتفالاً بتسجيلهم هدفاً، وبين عناصر "داعش" حين يقدمون على نفس الحركة، فهذا ينطوي على قابلية جاهزة للحكم "الثقافي". وفي هذا السياق أيضاً وصفت صحيفة ألمانية أيضاً رفع أحد اللاعبين المغاربة العلم الفلسطيني، بأنها فعلة "لاسامية"، وهذا أيضاً مؤشر إلى استعدادات "أوروبية" تتعاظم هذه الأيام، في ظل صعود اليمين إلى شيطنة الشرق ومغاربييه.

وهنا علينا أن نعيد النقاش حول "داعش" الأوروبية إلى بدايته، ذاك أن تعقب سير عناصر التنظيم الأوروبيين كشف عن صدورهم من ثقافات غربية مثلما صدروا عن هويات أهلهم. ولدوا في أوروبا ونشأوا فيها، وجرى تجنيدهم في ظل فشل أنظمة الدمج والتعليم، في وقت كانت علاقتهم بثقافاتهم الإسلامية مستجدة وغير ثابتة ومستقرة. جاءوا إلى "داعش" من فرق موسيقية غربية ومن جامعات ومن أندية رياضية، ومن تعثر علاقاتهم بجيل المهاجرين الذي سبقهم. وجاءوا أيضاً من هوية سابقة على ولادتهم.

النهاية "العاطفية" للمباريات لا تشبه نتيجتها، وهي لا تشبه أيضاً النهايات التي ترافق المباريات بين المنتخبات، فاللقاء بين فرنسا والمغرب ينطوي على أكثر من تنافس رياضي، وهي ليست فقط بين مُستعمرٍ سابق ومُستعمراً، هي بين مزدوجي الهوية ومزدوجي الثقافة ومزدوجي الإقامة. وهي أيضاً بين أندية فرنسية وأوروبية زودت المنتخبين باللاعبين وبالمهارات، وخلطت الهويات على ضفتي البحر المتوسط. وبهذا المعنى تصبح نتيجة المباريات هامشية وتختلط فيها مهارات اللاعبين بتلك الولاءات غير البديهية التي حاول المساجلون اختصارها بها.

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).