Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر
استقبال ملكي بالمغرب لأسود الأطلس وأمهاتهم بعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر

سناء العاجي الحنفي

لماذا نطالب لاعب كرة القدم بأن يكون قدوة للأجيال القادمة في تصرفاته وسلوكه واختياراته الحياتية؟ لماذا نحاكمه ليس على لعبه وتمريراته وتمكنه من تخصصه، لكن على تفاصيل حياتية أخرى لها علاقة بكل شيء.. إلا بكرة القدم؟ المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون لاعب كرة قدم جيدا. فقط! حياته الشخصية، زواجه، سهراته، صداقاته، اهتماماته، هي أمور تخصه. 

لذلك، فلم يكن مفهوما الهجوم على بعض لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم بعد عودتهم من قطر، والكم الهائل من "خبراء تدبير السمعة على مواقع التواصل"، ممن أسدوا لهم النصح في طريقة تدبير صورتهم العامة. خدمة مجانية متعثرة، لم يطلبها أساسا أصحاب الشأن! 

البعض الآخر تساءل عن مستوى وعيهم الثقافي وانخراطهم السياسي. الحقيقة أن المواقف الإنسانية والمواطناتية التي يعبر عنها عدد كبير كبير من لاعبي المنتخب، لا تحتاج لختم منا أو اعتراف. هي هنا حاضرة تعبر عن نفسها بنفسها. أتذكر الآن زميلا كتب ما مضمونه أن وليد الركراكي، مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم، يخاطب قلوبنا وعقولنا أفضل بكثير من رئيس حكومتنا وأفضل بكثير من أغلب السياسيين والحقوقيين و"المناضلين". 

مدرب كرة قدم تجد في كل جملة يقولها، فكرة قوية وناضجة تصلح درسَ مهنية أحيانا... ودرس حياة في أحيان أخرى كثيرة. لكن، ورغم كل هذا، فالأصل في الحكاية أن وليد الركراكي استثناء جميل يستحق التنويه، لكن الفكرة الأصل أن المطلوب من لاعب كرة القدم أن يكون... لاعب كرة جيد أولا وقبل كل شيء. ومدربا جيدا أولا وقبل كل شيء. ليس مطلوبا منه أن يقوم بخَطابَة سياسية و\أو أخلاقية ولا أن يكون قدوة للشباب... وإن فعل، فتلك ستكون إضافة جميلة لا أكثر. 

لنعد الآن للصورة الجميلة لما بعد المونديال: الاستقبال المبهر للمنتخب الوطني في العاصمة الرباط، وصور الحب التي ملأت قنواتنا وصفحاتنا لأيام لا نريد أن نغادرها ولا نريدها أن تغادرنا. كمغاربة، ربما لم نشعر بهكذا فرح ممتد ومتواصل ومشترك منذ عقود طويلة... 

ثم كانت صورة الأمهات مع الأبطال ومع ملك البلاد!

في البداية، كنتُ ممن تساءلوا: لماذا يستقبل الملك محمد السادس لاعبي المنتخب المغربي مع أمهاتهم دون الآباء؟ أليس من العدل أن يكون الوالدان معا حاضرين؟ ثم، أين الزوجات؟ خصوصا إذا كنا نريد أن نحمل رسالة عن الحداثة يكون فيها البطل حاضرا مع رفيقة دربه!

لكني بسرعة غيرت رأيي... ليس لأن الأمهات مقدسات ولا لأن الجنة تحت أقدامهن، فبعض الأمهات وجدن أنفسهن أمهات بالصدفة وبالتقاليد، فيما يُشَكّلن قنبلة موقوتة في حق بناتهن وأبنائهن. لكني غيرت رأيي لعدة أسباب أولها أن اللاعبين أنفسهم صنعوا هذا الاحتفاء بالأمهات في قطر، وبشكل عفوي بسيط... ومشحون بالحب الصادق. صورة سفيان بوفال وهو يرقص مع والدته في قلب الملعب انتشرت في العالم بأسره وتحولت لرمز جميل. تماما كما صورة أشرف حكيمي وأمه تقبله كما قد تقبل أم طفلا صغيرا، هو الذي أصبح رجلا وبطلا عالميا..

الاستقبال الملكي لم يكن إلا امتدادا لسلوك عفوي قام به اللاعبون أنفسهم في قطر. سلوك نقلته وسائل الإعلام العالمية... كما أن الواقع المغربي يقول إن الأم تتحمل جزءا كبيرا من المسؤوليات عبر ما يسمى في علم الاجتماع بـ "العبء الذهني"، والذي يحيل على التقسيم غير العادل للمسؤوليات المنزلية والأسرية. 

هذا "العبء الذهني" يجعل معظم الأمهات، في شهادات للكثير منهن، تتكفلن بمواكبة أحلام الصغار: ترافقنهم للملاعب، تبدعن في أشكال ادخار بسيطة لشراء الأحذية الرياضية التي لا يملكن دائما ثمنها، تنتظرن لساعات أمام الملاعب بانتظار انتهاء الحصص التدريبية (حتى وهن، ربما، لا تفقهن في كرة القدم شيئا). معظم هؤلاء الأمهات آتيات من واقع اجتماعي مقهور، سواء تعلق الأمر بأمهات المغرب أو بأمهات المهجر (شهادات بوفال وحكيمي صريحة في هذا الاتجاه). يكافحن يوميا من أجل مواكبة أحلام الصغار في الدراسة و\أو الرياضة. فلماذا لا يحظين بهذا التكريم؟ ولماذا نرى في هذا حطا من قيمة الأب (هو على الأقل حاضر بشكل حصري في أسماء الأبناء، وهو أيضا ولي الأمر القانوني قبل أن يصل الابن\الابنة لسن الرشد، حتى لو كانت الأم هي من تتحمل معظم المسؤوليات).  

كما أن تلك الصورة العفوية للأمهات كانت جميلة مبهرة. تصرفن على سجيتهن محتفيات بأبنائهن وبالتكريم الملكي. جسدن صورة المغرب المتعدد بمختلف أشكال اللباس والحضور فيه، من الأم العصرية بالقفطان العصري أو باللباس الرسمي العصري، إلى الأم التقليدية التي تضع غطاء الرأس ثم تخلعه بعفوية ودون تفكير، إلى المرأة الريفية البسيطة بلباس منطقتها، إلى المحجبة، وحتى المنقبة (بالمناسبة، للذين يعتبرون الجينز أو التنورة القصيرة ملابس دخيلة على ثقافتنا المغربية، ماذا عن النقاب؟ ومنذ متى كان "جزءا من ثقافتنا"؟). 

باختصار، لم تكن صورة مفبركة لوسائل الإعلام كما قد نتابع لدى عدد من مشاهير مواقف التواصل: كانت صورة أصْلية أصِيلة تمثل البساطة والتنوع المغربيين. بساطة ليست نابعة من الفقر، فمعظم هؤلاء اللاعبين أغنياء اليوم ومن المؤكد أن أسرهم تستفيد من إمكانياتهم المادية. هي بساطة متأصلة ونابعة من "تامغرابيت" التي لم تتأثر بـ "الفانيشستا" وعوالم التصنع الممتدة من الانستغرام للفايسبوك والتيكتوك. 

هؤلاء الأبطال، وبالإضافة لإنجازهم الرياضي، صنعوا إنجازا أهم من ذلك بكثير: لقد أعادوا توثيق رباطنا بشيء كان قد ضاع من بعضنا تدريجيا: الإحساس الجميل بـ "التامغاربيت" الأصيلة وبالقيم الإيجابية للارتباط بالوطن، الحب، العفوية، الأصالة الصادقة وغير المتصنعة، وبالقدرة على الحلم وعلى تجاوز خطابات الانهزام التي ترسخت في أعماق الكثيرين منا.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد"
"لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد"

سناء العاجي الحنفي

كيف نفسر هذا الحزن وهذه الدموع يا أمي؟ نحن الذين، منذ أسابيع قليلة، كنا نتمنى مجرد التأهل للدور الثاني أو حتى الإقصاء بدون فضائح وخسارات كبيرة؟ كيف نمسح هذه الدموع وهذه الغصة في القلب ونحن نستقبل نتيجة مباراة نصف النهاية... نهاية كأس العالم يا أمي؟ 

كيف نزاوج، يا أمي، بين هذا الإحساس بالفخر للنتيجة التي حققها "أسود الأطلس" بوجودهم ضمن أربع أفضل منتخبات لدورة 2022، وبين إحساس بالحزن والوجع لأن الحلم لم يبلغ مداه؟ كيف نتعايش، يا أمي، مع هذا الحزن الذي يغلفه الفخر، ومع هذا الفخر الذي تغلفه دموع الحزن؟ كيف نروض هذا الحب الدامع وكيف نكفكف الدموع برعشات الحب والفخر؟ 

بعد اليوم، لا تحدثوني عن مؤثري مواقع التواصل، بعد ملحمة وليد الركراكي وكل أعضاء المنتخب المغربي، بإصاباتهم، بتعبهم، بالضغط، بالمسار الفردي المرهق لأغلبهم، وحدهم هؤلاء الأسود صنعوا التغيير ونفضوا عنا رماد اليأس والإحباط.

وحدهم أثروا فعليا، ليس فينا فقط، بل في العالم المنبهر بهم مع كل مباراة وكل تمريرة وكل هدف وكل هجمة مرتدة! أخرَجوا أعلام الوطن من قلوبنا ودثرونا بالنشيد الوطني وهتافات الوطن. وحدهم زرعوا النجمة الخضراء في أقاصي الأرض وغيروا فعليا صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم! 

الأسود حققوا إنجازا رياضيا غير مسبوق، لكن، أكثر من ذلك، صنعوا ملحمة إنسانية تذكّرنا بأن الحلم ممكن، بفضل الثقة في النفس والاجتهاد والندية الإيجابية. لقد عشنا، لسنوات، إحساس النقص (في كرة القدم وفي عوالم أخرى) أمام من اعتبرناهم أفضل منا أو أحق منا.

الناخب الوطني، وليد الركراكي، علَّمَنا أن من حقنا، ومن واجبنا، أن نطمح لما نعتبر أننا نستحقه، وأن نؤمن بأنفسنا، وأن نجتهد لبلوغ الهدف، بـ "النية" وبالاجتهاد. بالجهد وبالعرق وبالقتال وبالإيمان والثقة والحب. كثير من الحب شاهدناه في الملعب وخارج الملعب. كثير من الاحترام ومن الثقة المتبادلة. كثير من "النية". 

بالمناسبة، "النية" التي يتحدث بها وعنها الركراكي (والتي تدل في الثقافة المغربية على الثقة والإيمان) لا يمكن ترجمتها بالتكاسل والتقاعس والخرافة. هو لم يطلب منا أننا "نديرو النية"، وأن نكتفي بذلك. المدرب المغربي يتحدث عن القتال والمثابرة، لكنه يطالب الجمهور بالإيمان بقدرات الفريق والثقة به، لا بالتقاعس والاكتفاء بالنية.

لا، لم نسترجع الأندلس. خطاب مثل هذا لا مكان له في كرة القدم. خطاب مثل هذا هو خطاب حرب وغزو وهويات معطوبة تتغذى على الكراهية والرغبة في الهيمنة على الآخر المختلف. يا أصدقائي ويا صديقاتي، إن كنا نرفض غطرسة الغرب، فلا يمكننا أن نواجههم برغبة في الهيمنة باسم الدين. 

المنتخب المغربي لم يحقق نجاحاته بفضل الدين والتدين، بل بفضل الاجتهاد والمثابرة، لكن هذا لا يمنعنا من احترام قناعات وإيمان اللاعبين. لا أفهم اعتراض البعض، صراحة أو تلميحا أو سخرية، من سجود بعض اللاعبين بعد الفوز وحتى بعد "الخسارة" في مباراة نصف النهاية.

إذا كان بعض الأسود يقاتلون بشراسة في الملعب، لكنهم يؤمنون في قرارة أنفسهم أن إيمانهم وصلواتهم تدعمهم في قتالهم الكروي، فهذا حقهم ومن واجبنا أن نحترم هذا الحق وأن ندعمه ونشجعه. الإيمان والممارسة الدينية لم يكونا يوما مشكلة، إلا حين يصبحان فرضا على الآخرين أو وسيلة لتبرير التقاعس والكسل، بذريعة أن الله سيساعدنا ويدعمنا. 

النقاش حول العروبة والأمازيغية في المغرب نقاش مغلوط. المنتخب المغربي يمثل المغرب أولا. لكن، أليس جميلا أن يحتفي بنا العرب والأفارقة وشعوب أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا؟

كما أن الثقافة لا يمكن اختزالها في مجرد عرق. الأكيد علميا أن العرق الأمازيغي يغلب لدى أغلبية المغاربة، لكن الأكيد أيضا أن الثقافة المغربية هي مزيج من الأمازيغية والعربية والأفريقية والموريسكية والإسلامية واليهودية. إقصاء الآخر بناء على عرقه هو نوع آخر من العنصرية.

وفي حديثنا عن العنصرية، لا يجب أن ننسى مواقف بعض وسائل الإعلام الغربية التي صنفت لاعبين مغاربة ضمن الداعمين لداعش (وهذا، بالمناسبة، تقرير حقيقي على إحدى القنوات الألمانية) وتلك التي سيّست المباراة بين فرنسا والمغرب بشكل رهيب وعبرت عن عنصرية مقيتة.

كأس العالم في نسختها 2022 وإنجازات المنتخب المغربي فضحت المواقف العنصرية للغرب الأبيض، باستثناء بعض النماذج المشرقة، والتي ألمحت إلى أن المنتخبات الجنوبية (الأفريقية والعربية) يفترض أن تكتفي بـ "مشاركة مشرفة" وأن الوصول للمراحل الذهبية يجب أن يبقى حصريا على الفرق الكبرى، وحبذا لو كانت أوروبية. قد يغفر الأوروبيون لنجوم أميركا اللاتينية (البرازيل والأرجنتين) تفوقهم. لكن، أن يتفوق عليهم منتخب عربي أفريقي، فهذه إهانة غير مقبولة!

عن صور الأمهات، هي ليست فقط حكاية حب أو تقديس للأم أو إيمان ديني بمكانتها لأن "الجنة تحت أقدامها"، هي أيضا حكاية الأسر المغربية في بلدان المهجر. جيل أول من المهاجرين عانى معظم أفراده من العنصرية والتهميش، خصوصا أولئك منهم الذين يوجدون في أسفل السلم الاجتماعي.

فهو ليس فقط حبا للأم، هو أيضا رد اعتبار وشكر معنوي بعد سنوات من الفقر والهشاشة والتهميش والعنصرية. 

كرويا وإنسانيا وإعلاميا، الركراكي هو بالتأكيد أفضل ناخب وطني عرفه المغرب. إضافة إلى الإنجازات الجبارة التي حققها، فخرجاته الإعلامية تشكل دروسا إنسانية وتواصلية وتدبيرية ونفسية ووطنية نحتاج أن نشاهدها عشرات المرات لنتعلم منها ومنه. 

لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد. تعلمنا أن نواجه الكبار بدون عقد نقص. بل تعلمنا أننا يمكن أن نكون ضمن الكبار، دون عقد نقص! لهذا، فسنبقى مدينين لهم بذلك لعقود قادمة!

تعلمنا يا أمي، أننا صرنا كبارا. وأننا حين نخسر مباراة في مربع الكبار، نبكي. نبكي لأننا صرنا، منذ اليوم، نعرف أن مكاننا هناك. وأن قدَر الكبار الفوز!

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).