Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس
عمل فني يجسد صورة ميسي مرتديا البشت في بيونيس آيريس

نضال منصور

انتهى المونديال في قطر بصورة تاريخية لميسي يرتدي "البشت" العربي حاملاً كأس العالم بعد فوز الأرجنتين على فرنسا في المباراة النهائية، وهي الصورة التي أثارت جدلاً ولغطاً، وستظل مخلدة على مر العقود. 

انتهى المونديال، وتساءلت وكثيرون غيري فعلوا؛ ماذا سنفعل بعد أسابيع من الشغف والتوتر والانفعال؟ ولم أكن أعلم أن هناك ما يسمى "اكتئاب ما بعد المونديال"، أو "متلازمة ما بعد المونديال"، وعكفت مؤسسات صحية عالمية على دراسة هذه الظاهرة التي تصاحب العديد من الناس بعد انتهاء بطولة كأس العالم لكرة القدم، والحالة الشعورية التي تسيطر، وتطغى عليهم حين يعودون إلى رتابة الحياة اليومية، ويفقدوا متعة التشجيع التي تتيح لهم مساحات للتنفيس، وتفريغ شحنات الإحباط المتراكم الذي يعيشونه. 

بشهادات دولية، فإن نسخة مونديال قطر لن تتكرر، وباستفتاء لشبكة "بي بي سي"، فإن بطولة كأس العالم في الدوحة أفضل نسخة للمونديال في القرن الحادي والعشرين، مقارنة بمونديالات كوريا/ اليابان 2002، ألمانيا 2006، جنوب أفريقيا 2010، برازيل 2014، وروسيا 2018، وصوّت 78 بالمئة من المشاركين في الاستفتاء لصالح مونديال قطر.

وعدا عن التكنولوجيا المبهرة التي استخدمت في حفلتي الافتتاح والختام، وفي الملاعب خلال المباريات، فإنه للمرة الأولى يتمكن المشجعون من مشاهدة أكثر من مباراة في اليوم الواحد بسبب قرب الملاعب، وتوفر المواصلات العامة المجانية، ويقول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، جياني إنفانتينو، إن "البطولة جمعت الكل، ولأول مرة في التاريخ تواجدت جماهير كل الفرق في مدينة واحدة".  

في المونديال رابحون وخاسرون، والرابح الأول في الملعب كان المنتخب الأرجنتيني الذي حصد كأس العالم بعد سنوات طويلة، وأعاد الكأس إلى أميركا الجنوبية، وانتزعها من القارة الأوروبية بعد هزيمته لمنتخب الديوك الفرنسي في ضربات الجزاء، والأهم في الفوز الأرجنتيني أن ميسي توّج ملكا دون منازع، واستطاع أن يحصد في حياته الكروية كل الألقاب التي تخلده بالتاريخ، ومثلما كانت الأرجنتين تتغنى باللاعب الأسطورة، مارادونا، الذي توّجهم بآخر مونديال، فإن الجماهير في بيونس آيرس خرجت إلى الشوارع لتشكر ميسي الذي أحيى فيهم الأمل بعد أعوام عجاف. 

زاد ميسي من رصيده عالمياً قبل أن يعتزل الملاعب، وفرحته الغامرة تقابلها دموع كريستيانو رونالدو الذي ودع منتخب بلاده البرتغال البطولة مبكراً بعد هزيمة مذلة أمام المنتخب المغربي، وبقائه في أكثر المباريات على دكة اللاعبين الاحتياطيين. 

الرابح الأهم بعد الأرجنتين كانت قطر التي انتزعت إعجاب العالم، ورسخت حضورها دولياً، وصنعت معجزة في التفاصيل الكثيرة للمونديال بعد أن ظلت لأكثر من عقد من الزمن تحت مطرقة النقد، والتشكيك بقدرتها على استضافة هذه التظاهرة الكونية التي تستقطب اهتمام المليارات من البشر على هذا الكوكب. 

قطر لم يكسب فريقها، وخرج مبكرا، ولكنها ربحت في رهانات التنظيم، ولم تشهد الملاعب، أو مناطق المشجعين شغبا، أو اعتداءات مثلما كان يتكرر في البطولات، واعتبرت البطولة نموذجا خاليا من شكاوى التحرش الجنسي. 

قبيل البطولة شنّت العديد من الدول الأوروبية حملة منظمة على قطر، استخدم ملف العمالة، والانتهاكات الحقوقية للعمال الذين نفذوا مشاريع كأس العالم بيدقا للنيل منها، ورغم إحراز الدوحة لنجاحات في تحسين بيئة العمل بشهادة منظمة العمل الدولية، لكن هذا لم يشفع لها للحد من حملة اتسمت في بعض جوانبها بالعنصرية والشوفينية والعدائية. 

حاولت الدول الغربية فرض أجندتها ومعاييرها الحقوقية والأخلاقية، واعتبرت قضية المثلية الجنسية أولوية تستحق أن تُخاض من أجلها حرب لا هوادة فيها، دون مراعاة للخصوصيات القيمية للمجتمعات الأخرى، وحصدت بسبب هذه التوجهات عزلة، ورفضا مجتمعيا عربيا، وربما مشاعر الشماتة التي رافقت خروج المنتخبات الأوروبية العريقة، مثل: ألمانيا، وإسبانيا، وإنكلترا كانت مؤشرا على فقدان التعاطف معها. 

شعر العرب بالفخر وهم يرون المُنجز القطري يتحقق في المونديال، وتعرفوا بشكل جلي على النظرة الاستعلائية الغربية، وعقدة التفوق الأوروبي التي ترى أن الحضارة دونهم خراب. 

أبرز الرابحون في المونديال المنتخب المغربي الذي وصل إلى ربع النهائي، وأخرج منتخبات مهمة، مثل: إسبانيا والبرتغال وظلمه التحكيم، ولولا ذلك لكانت الفرصة أن يُشاهد منتخب عربي في نهائي كأس العالم. 

حظي المنتخب المغربي باهتمام منقطع النظير بعد خروج المنتخبات العربية، وبعد أداء لافت وروح قتالية في الملاعب، أصبح نجومهم حديث الناس وترسخت في وجدان الجماهير العربية احتفاء اللاعبين وتكريمهم لأمهاتهم، والحقيقة أن المغرب أدخل البهجة للملايين الذين يتوقون لانتصارات تُبعد شبح الهزائم في حياتهم ومجتمعاتهم، وأكثر ما يُزين صورة المنتخب المغربي "متلازمة" حبهم لفلسطين، وإبراز عدالة قضيتها، وما قدموه في المونديال عجزت عنه الجامعة العربية وقممها منذ تأسيسها. 

في مونديال قطر شارك 32 منتخبا من العالم، والواقع في المدرجات أن الغائب الحاضر كانت فلسطين، ولذلك اعتبرتها وسائل الإعلام المنتخب رقم 33 في البطولة، فعلم فلسطين كان خفاقا في كل المباريات، والهتافات لفلسطين كانت تعلو أهازيجَ، خاصة حين تلعب المنتخبات العربية، وفي مقدمتها المغرب. 

المونديال في الدوحة أسقط رهانات التطبيع مع إسرائيل، وقنوات التلفزة الإسرائيلية حظيت بالمقاطعة الشعبية، والصحفيون الاسرائيليون شعروا بأنهم منبوذون وأصيبوا بالصدمة، ولهذا فإن عنوان صحيفة "إسرائيل اليوم" كان "إنهم لا يحبوننا ولا يرغبون بوجودنا".

وكتب الصحفي، تسيون نانوس، في القناة 12 الإسرائيلية "للأسف في قطر وجزء كبير من العالم، وبالتأكيد العالم العربي ينظرون إلى أننا نمثل نظام الفصل العنصري الذي كان قائما في جنوب أفريقيا حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي"، والاستنتاج الذي توصلت له صحيفة معاريف في عنوانها "فلسطين هزمت إسرائيل في أكبر مسرح في العالم.. المونديال". 

كانت بطولة كأس العالم حافلة بالمفاجآت فالمنتخب السعودي هزم الأرجنتين، والبرازيل المصنف الأول في العالم خرجت، وهزمتها كرواتيا، وكل الكبار بكرة القدم خرجوا بشكل صادم، وكارل هاينز يدعو الألمان للتعلم من التجربة المغربية للتعافي بعد الخروج المحبط من دور المجموعات. 

حقق مونديال قطر رقما قياسيا في الإيرادات للفيفا، إذ حصدت 7.5 مليار، أي أكثر بمليار دولار عن مونديال روسيا، وحسب الأرقام الرسمية فإن عوائد استضافة المونديال لقطر بلغت 17 مليار دولار، والأهم أن ما تحقق يصب بشكل مباشر في رؤية قطر الوطنية 2030، ويحولها إلى مجتمع عالمي ومركز تجاري وسياحي.

ومن المتوقع أن تحرز قطر نموا اقتصاديا عامي 2022-2023 يبلغ 3.4 بالمئة، واستطاعت في حفل الافتتاح أن تلفت الأنظار لقضايا حقوقية، ويشير رئيس الفيفا "استخدمنا قوة كرة القدم خارج الملعب لتسليط الضوء على قضايا التمييز والترويج للاستدامة وضمان تمتع الأطفال بالحماية والتعليم". 

الحركة الذكية التي تعمدها أمير قطر الشيخ تميم بإلباس ميسي "البشت" رغم كل الجدل وضعت بصمة عربية بتاريخ المونديال، والانتقادات التي راجت في وسائل إعلام غربية مثل قول دايلي تيليغراف إن "إلباس البشت عمل غريب أفسد أكبر لحظة في تاريخ كأس العالم"، أو وصف التلفزيون الفرنسي "BFM" "البشت بخرقة أو رداء حمام" أعاد إلى المشهد حملة عدائية غير مبررة تستكثر ولا تريد لأي دولة خارج أوروبا أن تفلح في تنظيم مبهر لأكبر تظاهرة عالمية.

وبالتوازي وردا على الاتهامات استحضرت منصات التواصل الاجتماعي صورة للأسطورة بيليه وهو يلبس "الطاقية" المكسيكية بعد فوزه في كأس العالم بالمكسيك باعتبار أن ما فعلته قطر ليس خارج السياق. 

انتهى المونديال، وستظل الصور، واللحظات التي عشناها حاضرة تُذكرنا أن كرة صغيرة تحتشد لأجلها كل البشرية. 

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وليد الركراكي متحدثا عن أشرف حكيمي: كان يرفض الخروج كلما حاولنا إخراجه
"المدرب وليد الركراكي وضع أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل"

عبد الرحيم التوراني

سيسدل الستار غدا الأحد على فعاليات كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الحالية التي احتضنتها دولة قطر (من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022).   

وطبعا ستكون الكأس للمنتخب الأفضل والموفق، من سيحالفه الحظ. نعم، فللحظ نصيب وارد مهما تضاءلت نسبته في هذه الرياضة الشعبية التي تم تطويرها باستمرار وعلى مدى يقارب قرنا من الزمن، منذ انطلاق أول دورة للمونديال قبل 92 عاما، في واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية، دولة الأوروغواي سنة 1930، إلى أن أصبحت كرة القدم اليوم تخضع لضوابط علمية ولقواعد وقوانين محددة تتجه صوب مواكبة اجتهادات العصر واختراعاته التكنولوجية، وتساير استثماراته التجارية أيضا.  

 لكن أعدادا من الجماهير، تعد بالملايين من محبي وعشاق كرة القدم ومن متابعي أطوار المونديال، لن يهتموا كثيرا بصافرة النهاية في المبارة التي ستجمع غدا المنتخبين الفرنسي بنظيره الأرجنتيني لمعرفة المتوج منهما، بعد أن أجمعوا على اسم الفائز مسبقا، وهو هنا متعدد بأسماء مختلفة وعناوين موحدة، تختصر في قطر والمغرب وفلسطين والبلدان العربية وأفريقيا وشعوب الجنوب ومن يساندها عبر أرجاء المعمور.  

استطاعت قطر كسب الرهان عن جدارة واستحقاق، بنجاحها الباهر والمذهل في تنظيم النسخة الثانية والعشرين للمونديال. إن هناك إجماعا كبيرا، قلما توفر لبلد منظم، على أن ما حدث في قطر إنجاز غير مسبوق ونجاح كبير واستثنائي توفق في تحدي كل الحواجز والمعوقات والحملات الواسعة التي رعتها جهات معينة دعت إلى المقاطعة، حيث تم تسجيل أرقام قياسية عالمية في إحصائيات مشاهدي مباريات المونديال على الشاشات، لم تحقق في الدورات السابقة.  

بالنسبة لفلسطين، فقد تم رفع أعلامها وشعاراتها في عموم شوارع وساحات البلد المنظم، ناهيك عن المدرجات وفوق أرضية الملاعب، بتلقائية وعفوية انتصرت على أعتى واضعي استراتيجيات ومنفذي برامج الدعاية والترويج، وعلى خبراء العلاقات العامة، بدرجة آلمت كثيرا إسرائيل، وأزعجت مؤيديها من دعاة التطبيع، خاصة بعد عجز مبعوثي ومراسلي الإعلام الإسرائيلي إلى المونديال في انتزاع تصريحات إيجابية من الجماهير العربية، أو الحصول على كلمة طيبة عن إسرائيل يمكن توظيفها في خدمة مسار تطبيع أنظمة عربية مع إسرائيل.  

لا شك أن منتخب المغرب حقق إنجازا استثنائيا وتاريخيا غير مسبوق، بانتصاره على منتخبات كبيرة كانت مرشحة للظفر بالكأس، من بلجيكا وإسبانيا إلى البرتغال، ووصوله إلى خانة المربع الذهبي ضمن الصفوة الكبار في أوروبا وأميركا اللاتينية، وهو ما لم يتأت لأي بلد عربي أو أفريقي من قبل. إذ اعتبر تقدم المغرب في المسابقة وإنجازه مكسبا عظيما للقارة الإفريقية التي تأهل باسمها، ثم للعرب بتنوعهم الحضاري، وللمسلمين وبقية شعوب الجنوب.  

دون أن ننسى استهلال المونديال بفوز رائع لمنتخب السعودية على منتخب الأرجنتين بنجمهم الأسطوري ليونيل ميسي، وفوز مشرف لمنتخب تونس على فرنسا، بطلة العالم للنسخة السابقة (2018)، والفوز الكاميروني المبهج على منتخب السحرة البرازيل.  

في دورة قطر اصطبغت جماهير المونديال بألوان المغرب ورايته الحمراء، وتغنت باسم أبطاله من اللاعبين، وأنشدت أهازيج وشعارات جماهير الكرة في المغرب، حتى أن العرب والأفارقة وجدوا أنفسهم أحيانا، في غمرة توحدهم والتحامهم الإيجابي، يزايدون على بعضهم في حبهم وتشجيعاتهم للمنتخب المغربي في هذا المونديال المثير للغاية، والذي انتقل فيه الجمهور من اللاعب رقم 12 كما يقال عادة، إلى اللاعب رقم واحد.  

علما أن المنتخب المغربي مكون في غالبية أفراده من لاعبين ولدوا ونشأوا بديار المهجر الأوروبي، من عائلات فقيرة وأسر مهاجرة كادحة، في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها من أقطار القارة العجوز، لكن لما وضع هؤلاء الفتية أمام الاختيار، استفتوا قلوبهم والدماء التي تسري في عروقهم، فاختاروا أصلهم ومَحْتَدَهُم، أي بلد انتماء الأهل والجذور: المغرب، رغم كل الإغراءات التي قدمت لتحفيز كثير منهم من أجل أخذ القرار المعاكس. وبذلك ساهموا بوضوح وقوة في تأكيد الدور الذي صارت تلعبه كرة القدم اليوم في "تكريس وتحديد الانتماءات ورسم الهويات"، على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، حيث يجري استحضار دور المشترك في الدين واللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وهو دور عميق وبالغ الأهمية، له تداعياته الملموسة غير الخفية على المجالات الاقتصادية والسياحية والسياسية، ما يرقى بكرة القدم من مجرد لعبة رياضية إلى منبر ومنصة شعبية تعبر فيها الجماهير عن طموحاتها وأمانيها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان وفي نيل الحرية والتقدم والسلام.  

ما جرى في مونديال قطر يمكن اعتباره بمثابة "ربيع عربي وأفريقي"، يتجاوز "الربيع العربي" المفترى عليه، أو المجهض والمخيب للآمال، الذي عاشته المنطقة قبل عقد من الأعوام، لنعيش اليوم ربيعا جديدا مكللا بالقيم الجديدة لكرة القدم المعبأة بنسائم الأفراح وبرغبة جامحة في إثباث الهوية والذات والوجود. "حراك" رياضي سلمي رددت فيه جماهير الكرة العربية والأفريقية بلسان واحد "إننا هنا.. وأن الساعة دقت لتغيير العقلية، للإنهاء مع سجلات الفشل والنقص والدونية، وإلغاء فكرة الاكتفاء بلعب دور مكمل يؤثث احتفالات الكبار، بغاية الاستشفاء من عقدة الإطار الأوروبي والأميركي، والقطيعة مع عدم الثقة في أبناء البلد بالاستمرار في سياسة التعويل الدائم على "الآخر المتفوق".  

هي الأفكار التي ما فتئ المدرب المغربي وليد الركراكي يرددها في مؤتمراته الصحفية ويعلنها في تصريحاته قبل وبعد المباريات، منذ وطأت قدماه أرض الدوحة.   

بكلمات بسيطة وضع الركراكي أسس مشروع حضاري وسياسي متكامل، يتجاوز غرف تبديل ملابس اللاعبين ومدرجات وملاعب الكرة. حتى أن بعض الكتاب انساقوا بجد في الخوض في تحليل ظاهرة كرة القدم خلال نسخة هذا المونديال، "ظاهرة وليد الركراكي"، ووجدنا بعضهم يقارن المدرب المغربي بالزعيم القومي جمال عبد الناصر في سعيه من أجل وحدة الأقطار والشعوب العربية. آخرون لقبوا مدرب أسود الأطلس بالفيلسوف وبالخبير النفسي. أما الجماهير المغربية فتمنت لو كان يقود حكومة بلادهم رجل بمواصفات وليد الركراكي وحماسته وقد أصبحت كلماته على كل شفة ولسان، خصوصا منها تعبير "النية"، وعبارة "سِيرْ.. سِيييرْ"، التي اعتادت جماهير الكرة في المغرب ترديدها، لكن أصبح لها اليوم معنى ودلالة أقوى لما التقطها ووظفها وليد الركراكي. وترجمتها الفصيحة: (سِرْ إلى الأمام.. انطلق وتقدم)...  

لذلك ولا شك، أنه لو جرى استفتاء شعبي نزيه لاختيار رجل السنة في المغرب، وفي البلاد العربية وأفريقيا، فسوف يكون هو وليد الركراكي، وقد انتشرت فيديوهات وتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين من الكاميرون والكونغو ونيجيريا ومصر والعراق والجزائر ولبنان وفلسطين وغيرهم من مشجعي الفريق المغربي، كلهم قالوا بالحرف: "نحن مغاربة" و"قلبنا ينبض بالمغربي". وقد شاهدنا كيف ارتدى منتخب السينغال في المدرجات مع مدربه الوطني إليو سيسي، قميص المنتخب المغربي، بل إن العرب والأفارقة كلهم اصطفوا خلف المنتخب المغربي. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بتلك النبوءة الموعودة بالغد المشرق الجميل، غد صافية سماؤه، ومن أديمها تلوح تباشير الأمل في تحقيق قيم التضامن والوحدة المنشودين.

 لقد سال كثيرٌ من الحبر حتى الآن، وأنهار من التعليقات والتحليلات والتفسيرات، صبّت كلها في بحار المغامرة المغربية في مونديال قطر، علت أمواجها لمستويات وامتدادات لم يكن ممكنا قبل كأس العالم تصديقها.   

 فورة من الأحلام الجميلة، ومن المحبة والتعاطف والأخوة والفخر، دثرت الجسد العربي والأفريقي، لكن عمر الحلم دائما قصير مثل لمعة ضوء بارقة في ليلة مظلمة، ويأتي بعدها صحو المواجهة مع الواقع العنيد. فسريعا ما سينجلي الوهم الكبير الذي صنعته كرة مستديرة، جوفاء لا يملؤها غير الهواء، لا، بل إن الكوابيس تأبى إلا أن تكون شاخصة وسط رفرفة الحلم الوردي لتنغص لذته. ولسنا من الواقفين فوق رُبوات التشاؤم، أو من مُسرِّبي ثقافة التيئيس، إلا أن ما حدث في الدوحة من ممارسات توصف بالفضائح، كان أبطالها شخصيات رياضية من قيادة الجامعة الملكية لكرة القدم، لم يترددوا في المتاجرة بتذاكر دخول مباريات المغرب في المونديال، التي منحت لهم لتوزيعها على الجمهور المغربي بالمجان، لكن هؤلاء "الأبطال" حولوا تلك التذاكر إلى السوق السوداء بأثمنة عالية جدا، ومن بين هؤلاء المنغصين أعضاء في البرلمان المغربي، إذ يعرف البرلمان الحالي عضوية عدد من رؤساء أندية كرة القدم المنتمين في أغلبهم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة "البام"، اللذين يقودان الحكومة الحالية مع حزب الاستقلال، ما يجعل  الطموحات التي عقدت على المدرب وليد الركراكي والمنتخب المغربي مهددة بالانكسار وبتبديد الرصيد المحصل. فلا إصلاح من دون مصلحين حقيقيين، لذلك لا غرابة في المحاولات التي تحركت من أجل سرقة ما حققه شباب المنتخب من أبناء الشعب المغربي، ونسبه إلى جهات ومؤسسات وأشخاص آخرين، مثل رئيس فيدرالية الكرة فوزي لقجع، القيادي في حزب "البام"، الذي يشغل في الآن ذاته مهمة الوزير المنتدب لوزارة المالية والاقتصاد في حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته بسخط واستياء شعبي واسع، في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية والصعبة وغلاء الأسعار الذي تعاني منها الطبقات الشعبية والأسر الفقيرة في المغرب.  

 يسوقنا الأمر إلى تفادي التطلع صوب الشيء الكثير من "انتصارات المغرب في مونديال قطر"، التي تحققت على يد وليد الركراكي مع أعضاء المنتخب، بعد أن أبانوا على مستوى عالٍ في المهارة والموهبة والتنافسية داخل المستطيل الأخضر مع منتخبات القوى العظمى في العالم، وكذا على مستوى الصور والرموز الإيجابية التي قدموها على الواجهات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والتي حظيت بمزيد من التنويه والتقدير واستحوذت على إعجاب العالم.  

 إن الأمر ليس "وليد" الصدفة، بل هو "وليد" الركراكي، وياسين بونو، ومنير المحمدي، ورومان سايس، ونصير المزراوي، وحكيم زيّاش، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، ويحيى عطية الله، وسليم املاح، ونايف اكرد، وعز الدين أوناحي، وسفيان بوفال، ويوسف النصيري، ويحيى جبران، وزكرياء أبو خلال، وباقي رفاقهم الشجعان الأفذاذ، من عبَّرُوا جهرا بصوت واحد من خلال أدائهم المشرف والبطولي، على أن المستحيل ليس من مفرادات قاموسهم. وكأني بالقائد التاريخي العسكري الإمبراطور نابليون بونابرت كان يقصد وليد الركركي عندما قال: "إن الرجل الذي عقد النية على الفوز لا ينطق كلمة مستحيل". وهو القائل أيضا: "لا توجد كلمة مستحيل إلا في قاموس الضعفاء". وما قام به منتخب المغرب برهن على "أننا" لسنا ضعفاء، وأنه لم تكن تنقصنا سوى "النية"، أي الإرادة والقصد والعزم. فكيف ومتى سيتم استثمار هذا النجاح الرياضي بشكل إيجابي، والشروع في تصحيح الأمور من خلال العمل الجدي والجاد.   

 لا أحد يريد لما يصحو من الحلم أن يجد الإحباط بالباب.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).