Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس
لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس

عبد الرحيم التوراني

في إطار "خارطة الطريق" المنبثقة عن لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس، من المرتقب أن ينعقد بالرباط  في الأول والثاني من شهر فبراير 2023، اجتماع رفيع المستوى بين إسبانيا والمغرب. سيمثل حدثا بالغ الأهمية، وعنوانا صريحا على تعزيز الارتباط بين البلدين الجارين.

هي قمة ثنائية ظلت منتظرة منذ سبعة أعوام، بعد إلغاء اجتماعين كانا مجدولين  في عامي 2020 و2021، بعِلّة "عدم استيفاء الشروط الصحية" لعقدها، حسب الرباط.  مرة بسبب انتشار جائحة كورونا، وثانية بعد أزمة استقبال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في مدريد، وهي الأزمة التي أوصلت الجارين المتوسطيين إلى حدود القطيعة، خصوصا بعد تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين- أغلبهم من الأطفال والمراهقين- إلى سبتة المحتلة. ما وصفته مدريد حينها بـ "الابتزاز والعدوان" من جانب الرباط، التي استدعت سفيرتها لدى إسبانيا، ولم تعد إلى مدريد إلا بعد تغيير إسبانيا  لموقفها التقليدي بشأن قضية الصحراء، وإعلانها لموقف واضح عبرت عنه رسالة بعث بها رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي محمد السادس. وتضمنت الرسالة دعم إسبانيا لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب في الصحراء، معتبرة أن الخطة المغربية تشكل "الأساس الأكثر صلابة ومصداقية وواقعية" لحل النزاع الصحراوي. ما يفيد الاعتراف الإسباني بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية، وما يفسح المجال أساسا لـ"بدء مرحلة جديدة تقوم على أساس الاحترام والثقة المتبادلة والتشاور الدائم والتعاون الصريح والمخلص".

وقد كرر سانشيز التأكيد على هذا المضمون قبيل أسابيع، بكون حكومته اتخذت القرار الصحيح بشأن تأييد مبادرة التفاوض على قانون للحكم الذاتي لإنهاء الخلاف حول الصحراء المغربية. وبأن إسبانيا لن تتأثر بأي ردود فعل من الممكن أن تلوح في الأفق، وأنها ستبقى مستقيمة في مكانها.

ولا شك أن هذا التغيير يمثل رغبة صريحة لإسبانيا في التغلب على الأزمة الدبلوماسية مع الرباط، والإعلان عن بدء مرحلة جديدة في العلاقات الاسبانية المغربية، تتجه صوب "التحرك نحو تعاون أكثر ازدهارًا" مع المنطقة بأكملها، من خلال الإعلان عن "تنظيم قمة مع الجوار الجنوبي على المستوى الأوروبي، لتنفيذ وتطوير هذه الأجندة الإيجابية التي يجب أن تكون لدينا مع جيراننا في الجنوب".

وسبق لسانشيز أن ذكر بأن الطرفين اتفقا على "خارطة طريق واضحة تسمح بإدارة الأمور محل الاهتمام بطريقة منسقة، بروح طبيعية وحسن جوار، دون مجال لأفعال أحادية الجانب".

يبدو أن المسؤولين الإسبان أدركوا أن مشكلة الصحراء التي طال أمد استمرارها، تشكل عائقا حقيقيا يحول دون النهوض بتطوير علاقات إسبانيا مع جيرانها في المنطقة المغاربية، ويساهم في زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن في منطقة شمال إفريقيا. في ظل تمسك الأطراف الأساسية للنزاع بمواقفها الأصلية واعتمادها لمفردات تنهل من قاموس مشيطن متبادل، بعيدًا عن إيجاد حل سياسي مقبول على النحو الذي دعت إليه الأمم المتحدة.

كما أدرك الإسبان أن النزاع المطروح منذ حوالي نصف قرن في الصحراء الغربية، هو بالنسبة لمدريد ليس مجرد صراع إقليمي عقيم، بل إنه إشكالية مستعصية لا تفتأ عن تعقيد العمل بالشأن الخارجي الإسباني، في واحدة من أكثر نقاطها حساسية، وهي حدودها الجنوبية. وبالتالي فهو صراع له تأثيراته المباشرة على السياسة المحلية والخارجية الإسبانية، خصوصا أن مدريد لها روابط  ومسؤولية تاريخية جمعتها بالإقليم، لاستعمارها الصحراء الغربية لعقود طويلة، قبل الجلاء عنها (بعد اتفاقية مدريد 1975). ناهيك عن التضامن الذي تحظى به جبهة البوليساريو لدى أحزاب ومنظمات اليسار وقطاعات واسعة من الرأي العام الإسباني. لذلك لا يجانب أحد الصواب إذا تناول قضية الصحراء الغربية باعتبارها  مشكلة داخلية كبرى في السياسة الإسبانية تثقل كاهل العلاقات الاستراتيجية بين إسبانيا والمغرب. خصوصا بعدما بدأت قضية الصحراء تكتسب أبعادا أمنية جديدة من شانها التورط أو الانغماس في مناخ انعدام الأمن الذي يهدد منطقة الساحل، هكذا أخذت مدريد تشعر بالقلق بشكل مباشر من عدم الاستقرار في المنطقة الصحراوية، وبضرورة إيقاف مصادر التوتر وانعدام الأمن في المستقبل، كمهمة أساسية في سياستها الخارجية، تستوجب التعامل الجدي لحل مشكلة الصحراء كعامل أساسي بالنسبة لمدريد.

من هذه المحبرة مداد الرسالة التي أرسلها سانشيز إلى البلاط المغربي، والتي كشف عن مضمونها للرأي العام في شهر أبريل 2022، وتوجت بلقاء رئيس الحكومة سانشيز بالعاهل المغربي، مما سمح بتطبيع إسباني مغربي مشمول بخارطة طريق ستدشن في مستهل فبراير المقبل أولى معالمها بالاجتماع الرفيع المستوى بين الجارين المغربي والإسباني.

لكل ذلك يرى المراقبون أن إعادة العلاقات الإسبانية المغربية تتجاوز مجرد أن تكون تكتيكية في نطاقها، بل إنها تنطوي ولا ريب على تغييرات استراتيجية، بالرغم من احتواء جدول أعمالها على بعض القضايا المعقدة، مثل قضية الجمارك التجاري بمعبري سبتة ومليلية، وقضية التأشيرة لدخول المدينتين، إضافة إلى قضية ترسيم الحدود البحرية، التي عهدت إلى لجنة مغربية إسبانية مشتركة مهمتها الخروج بخلاصات تُرضي البلدين. وفي المقدمةهناك الوضع المعقد المرتبط بقضية المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، والحدود البحرية لجزر الكناري مع المغرب.

لكن التفاؤل بين الطرفين سيظل مطروحا، بتجميد القضايا المعقدة، والعمل على التقاط أهمية وأبعاد التطبيع التاريخي بين الجارين في ظل مناخ غير مسبوق من الثقة بين الجانبين، والعمل على تحويل"الاجتماع الرفيع المستوى" إلى مناسبة قوية لتعميق وتعزيز العلاقات الثنائية، في المجالات السياسية والاقتصادية والتعاونية. 

وستكون على جدول الاجتماع عدة قضايا ومواضيع، منها قضايا الهجرة والدفاع والأمن، والتهريب الدولي للمخدرات، والإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما سيمثل الاجتماع مناسبة سانحة للتحقق من مدى التقدم الجيد للعلاقات الدبلوماسية، ما سيعبر عنه عدد الاتفاقيات المنتظر توقيعها، والتي يفوق مجموعها المائة اتفاقية.

لكن مسألة النزاع بين المغرب والجزائر بشأن الصحراء، هي ولا شك قضية أكثر من شائكة، بل تبدو راهنا صعبة المنال، تحول دون تحقيق التكامل الإقليمي للبلدان المغاربية. فهل تمكن المراهنة على تحولات السياسة الإسبانية الجديدة في ملف الصحراء، من أجل توفير المناخ اللازم لوضع أسس إنهاء لمشكلة الصحراء يمكن بلورته على طريق الحل.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الحياة والإنسان مرتبطان على نحو لا يمكن الفصل بينهما. أرشيفية - تعبيرية
الحياة والإنسان مرتبطان على نحو لا يمكن الفصل بينهما. أرشيفية - تعبيرية

عمران سلمان

هل يوجد معنى للحياة؟ الإجابة ببساطة هي كلا. هذا لا يعني أن الحياة لا معنى لها، ولكنه يعني أن "المعنى" المسبق أو القبلي أو الموضوع سلفا (كما في حالة الأديان) لا وجود له. وأن الإنسان هو الذي يضع معنى لحياته في كل دقيقة وكل يوم من عمره عبر كل خيار يتخذه أو قرار يتبعه. وهذه عملية مستمرة.

ولو نظرنا للأشياء من حولنا سنجد أيضا أنه لا توجد لها معان إلا تلك التي نعطيها نحن لها. والأمر هنا يشبه التسميات التي نطلقها على الأشياء. فالتسميات لم تنشأ مع تلك الأشياء، ولكن الإنسان هو الذي اخترعها وأعطاها إياها، ولو نزعنا التسميات عنها لما تغير فيها شيء.

ومع ذلك نصاب بالمفاجأة أحيانا حين نقرأ أو نسمع من يقول بأنه لا يوجد معنى للحياة. ولا نكاد أن نتصور بأن تخلو الحياة من معنى وإلا كيف نعيشها وماذا نفعل طوال سنوات حياتنا وما هو المغزى من كل هذا الوجود؟

والإنسان معذور حين يفكر على هذا النحو. فالعلة والسبب هما من أكثر الروابط منطقية بالنسبة للعقل البشري، وكل ما يخالفهما أو يناقضهما يبدو مستغربا ومفارقا للمنطق.

وفي الأحوال العادية يتعامل الإنسان مع الحياة كما لو أنها منفصلة عنه. فهو يتصور أن هناك "إنسان" وهناك "حياة". وهو يتحدث طوال الوقت عن الحياة بضمير الغائب "هي" كما لو أنها توجد في حيز آخر مختلف عن وجوده هو نفسه. وهذا من أثر التنشئة والتكييف العقلي.

لكن الواقع أنه لا توجد حياة خارج الإنسان، بمعنى أن الحياة والإنسان مرتبطان على نحو لا يمكن الفصل بينهما، والحياة بالنسبة له تنتهي بمجرد موته، وهي لها معنى ما دام أنه موجود فيها. وهذا الارتباط بين الإنسان وحياته هو الذي يجعل من الممكن له أن يعطيها معنى. ومن دون ذلك فلا معنى لها.

لكن كيف يعطي الإنسان معنى للحياة؟

هو في الواقع لا يعطي معنى للحياة، هو يعطي معنى لأفكاره وأقواله وأفعاله وتصرفاته مع الوقت. بمعنى أن طريقة تفكيره والكلام الذي يصدر عنه والأفعال التي يقوم بها كلها تحدد تصور الإنسان وماذا يريد وما يهدف إليه، وهذه العملية تحدد الغاية التي يضعها لنفسه أو ما يمكن أن نسميها مجازا غايته في الحياة.

والإنسان حين يفعل ذلك فهو يحدد موقفه من نفسه ومن الأشياء من حوله، بما في ذلك العوالم الكثيرة المحيطة به. وهذه العملية تحدث مع كل فكرة وكل خاطرة تمر بالإنسان، كما لو أنه يخلق نسخا جديدة من نفسه على نحو مستمر.

وهذه النسخ قد تكون مختلفة كثيرا أو قليلا في كل مرة، لكنها تجسد المعنى الذي يعطيه الإنسان لحياته، ويكون هو بذلك الخالق الفعلي لواقعه حتى من دون أن يسمي ذلك خلقا.

كثيرون لا يتصورون هذه العملية، مع أنهم يقومون بها في كل لحظة من لحظات حياتهم، لأنهم تعودوا أن ينظروا إلى السماء بدلا من أن ينظروا إلى أنفسهم.

بل لعله من النادر أن ينظر الإنسان إلى نفسه، لأنه حينها سوف يضطر إلى تحمل مسؤولية حياته بما تشمله من خيارات وقرارات. والإنسان بطبيعته لا يطيق ذلك، إذ من الأسهل دائما أن نترك المسؤولية إلى آخرين يحددون لنا ما يجب أن نفعله وما لا يجب. ومن ضمن ما يتم تحديده هو: معنى الحياة.

بيد أن أسوأ ما في الأمر هنا هو أن هذه المسألة ليست نتاج اقتناع معقول، ولكنها نتاج التلقين الذي يحصل للطفل من قبل البالغين، ولأن أجهزة الطفل الدفاعية في هذه السن ضعيفة جدا وغير قادرة على رد الحجة أو تفنيد الرأي أو إبداء الاعتراض، فإن الأفكار والآراء العادية تتسرب إليه بسهولة شديدة ثم تتحول فيما بعد إلى "قناعات" و"مبادئ" وربما "مقدسات" أيضا. والأدهى من ذلك أنه يتم تطوير ميكانيزمات وطرق لإقناع الطفل عندما يكبر بأنه قد توصل إلى كل ذلك عن طريق تفكيره المحض وعقله وأن الأمر لا يحتاج سوى النظر والتدبر!

أقول إن هذه مجرد حيل لا أكثر ولا أقل، بينما التحدي الحقيقي كان ولا يزال وسيظل هو القيام بعكس هذه العملية، أي الذهاب إلى البداية حيث الصفحة البيضاء وفحص ومساءلة ما غرسه البالغون في نفس الطفل وعقله من "قناعات" و"مبادئ" و"مقدسات" بتجرد قدر الإمكان. ثم إجراء سيناريوهات موازية والنظر في الاحتمالات الأخرى التي كان يمكن أن تحدث، وهي احتمالات لا نهاية لها تقريبا.

بهذه الصورة يعطي الإنسان معنى لحياته حيث تعذّر أن يكون للحياة معنى!

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).