Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة
مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة

د. توفيق حميد

يتسابق الملايين لأداء الحج والعمرة كل عام. وتعمدت في هذا المقال ألا أستخدم تعبير "فريضة الحج" لأن الحج ليس فريضة على جميع المسلمين وإنما على القادرين منهم فقط الذين يستطيعون تحمل نفقاته كما قال تعالى" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (سورة آل عمران آية 97). 

وتصل نفقات الحج في دولة مثل مصر إلى أكثر من مئة ألف جنيه للشخص الواحد، وهي معرضة للزيادة خاصة بعد ارتفاع الدولار الأميركي في الآونة الأخيرة أمام الجنيه المصري.

ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية لإدراك كم طفل مريض يمكن إنقاذ حياته وكم أسرة يمكن حمايتها من الإنهيار وكم إنسان جائع يمكن إطعامه بثمن حجة واحدة!

وأستطيع أن أتفهم أن يحج الإنسان إلى بيت الله الحرام مرة واحدة إن كان قادراً، ولكني لا أستطيع أن أتفهم تكرار الحج، وبخاصة الحج السياحي وأداء العمرة كل عام، وأداء الحج عن الغير بالرغم من وضوح القرآن التام أن الإنسان لا يجني إلا ثمار عمله هو كما  قال القرآن الكريم " وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ" (سورة النجم آية 39). والعجيب في الأمر أن القرآن الكريم استخدم تعبير "سعى"، وهو نفس التعبير الذي يستخدمه الناس لوصف أحد طقوس الحج وهو " السعي بين الصفا والمروة"!

وهناك العديد من النقاط التي توضح أن أمورا مثل إطعام جائع أو إنقاذ إنسان هي أفضل عند الله تعالى من تكرار الحج والإسراف فيه. ومن هذه النقاط ما يلي:

أولاً: جعل الله تعال الحج "مثابة للناس وأمنا" فهل إنفاق مئات الآلاف من الجنيهات على الحج  بدلاً من إنفاقها على المحتاجين والضعفاء فيه أي مثابة للناس؟ 

ثانياً: ذكر القرآن الكريم الحج مرات محدودة فقط يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة، وعلى العكس تماماً من هذا، فقد ذكر القرآن الكريم الإنفاق على المحتاجين وإطعام الفقراء عشرات المرات، وبالعديد من التعبيرات اللغوية، مثل :" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون ( أي الذين لا ينفقون في سياق الآية) هم الظالمون." (البقرة 254)....  ومثل " مَّثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِی كُلِّ سُنۢبُلَةࣲ مِّا۟ئَةُ حَبَّةࣲۗ وَٱللَّهُ یُضَـٰعِفُ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰ⁠سِعٌ عَلِیمٌ" (البقرة 261)...  ومثل  "ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا یُتۡبِعُونَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ مَنࣰّا وَلَاۤ أَذࣰى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ"  (البقرة  162).

فهل لو كان الحج أهم عند الله تعالى من الإنفاق وإطعام الجوعى كان ذكره مرات محدودة فقط، وعلى العكس تماماً ذكر الإنفاق على المحتاجين عشرات - إن لم يكن المئات - من المرات!  

ثالثاُ: حينما ذكر القرآن يوم القيامة لم يذكر ولو لمرة واحدة الحج، ولم يعاتب الناس على عدم أدائه، ولكن القرآن الكريم على العكس تماما، ربط بين دخول الجنة والنجاة من النار، وبين الإنفاق على المحتاجين، وإطعام اليتامى فقال جل وعلا مايلي...

"فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ… فَكُّ رَقَبَةٍ… أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ… أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ… ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ… أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (أي أهل الجنة) (سورة البلد 11 ـ 18) ".

وقال صراحة " لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ " ولم يقل "حتى تحجون"!

وحين عاتب الخالق سبحانه وتعالى الناس يوم الدين، عاتبهم على عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين، ولم يعاتبهم على عدم أداء الحج والعمرة فقال في محكم آيات  الذكر الحكيم في سورة النجم مايلي....

" كلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ   وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ   وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا   وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا   كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا   وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ " (سورة النجم آية 17-23).

وحينها سيتذكر الكثيرون أن إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين لم يكن أهم أولوياتهم الدينية!

وأضيق لهذا السياق تعريف القرآن لمن يكذب بالدين " أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ  وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ" (سورة الماعون آية 1-3) فالمكذب بالدين هو من يقسو على اليتيم ولا يحض على طعام المسكين وليس من لا "يحج"!  

رابعاً: ذكر الله تعالى الإنفاق باستخدام فعل الأمر كما قال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"، ولم يذكر الحج بنفس القوة اللغوية أو استخدام فعل الأمر بصورة صريحة كما ذكر في الإنفاق.

وكل ماسبق يطرح نقاطا تحتاج إلى تفكير في الأولويات الدينية، وهل الحج أهم عند الله تعالى من إكرام اليتيم، ومن الرحمة بالفقير ومن إطعام المسكين - خاصة في ظل مناخ اقتصادي قاتم تسبب في إفقار الكثيرين في الآونة الأخيرة! 

وللحديث بقية!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

القمة الأميركية الأفريقية عقدت على 3 أيام في واشنطن.
القمة الأميركية الأفريقية عقدت على 3 أيام في واشنطن.

د. توفيق حميد

جاءت القمة الثانية بين الولايات المتحدة الأميركية وقادة معظم الدول الأفريقية في توقيت تاريخي يحمل في طياته احتمال ولادة نظام عالمي جديد، تلعب فيه الصين وروسيا دوراً محورياً إن لم يكن قيادياً.

وقد تدارك قادة الولايات المتحدة الأمر، وتم عقد القمة الأخيرة في واشنطن في محاولة لإصلاح أخطاء الماضي، التي تم بسببها إهمال العلاقات الأميركية الأفريقية، ما سمح للمارد الصيني بدرجة عالية وللدب الروسي (ربما بدرجة أقل!) بالتوغل في القارة السمراء للسيطرة الاقتصادية والأمنية عليها.

وتمت دعوة 49 مسؤول وزعيم أفريقي، لحضور القمة الثانية التي تجمع الولايات المتحدة وقادة أفريقيا، واستضافها الرئيس جو بايدن في واشنطن.

والقمة التي تم عقدها من 13 إلى 15 ديسمبر الجاري هي التجمع الثاني لرؤساء الدول الأفارقة ورئيس أميركي، بعد قمة 2014 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. 

وجدير بالذكر في هذا السياق أن لأفريقيا أهمية كبيرة على المستوى العالمي، فهي ثاني أكبر قارة مساحة ربع آسيا. وتقع أكثر من نصف الأراضي الصالحة للزراعة في العالم في القارة الأفريقية. وبالإضافة إلى ذلك فإن أفريقيا تمتلك جانبا كبيرا من الموارد المعدنية غير المستغلة على كوكب الأرض، بما في ذلك المعادن الاستراتيجية والنفيسة. 

وأدرك الصينيون والروس أهمية أفريقيا وبدأوا في التوغل الاقتصادي والأمني في القارة السمراء منذ أكثر من عقدين من الزمان، وأصبح هذا التوغل في القارة الأفريقية مصدر قلق متزايد لصانعي السياسة الأميركيين.

ولتوضيح مدى التوغل الصيني في أفريقيا يكفي أن نذكر أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة -بوصفها أكبر شريك تجاري لأفريقيا- وذلك منذ عام 2009، حيث بلغ إجمالي التجارة الثنائية بين الصين وأفريقيا أكثر من 254 مليار دولار عام 2021، بزيادة 35% عن عام 2020.

وقد يكون توجه أفريقيا ناحية الولايات المتحدة أفضل لها من أكثر من ناحية.

فمن المعروف عن أميركا دعمها للكثير من الدول على عكس الصين التي تقرض الدول بشروط قاسية قد تهدد سيادة هذه الدول على أراضيها. ومن ضمن أمثلة هذه القروض، ما تم تداوله عن احتمال تنازل أوغندا عن مطار عنتيبي لصالح الصين إن لم تستطع الأخيرة - أي أوغندا – سداد مديونيتها. وعلى العكس من ذلك تماماً، فإننا نرى كيف تساعد أميركا العديد من الدول عبر إعادة جدولة ديونها المستحقة وعمل تسهيلات لهذه الدول لسداد ديونها.

وعلى الجانب الروسي، فقد وسّعت روسيا وجودها في أفريقيا، وركّزت بشكل عام على مبيعات الأسلحة والتدريب العسكري عن طريق شركات شبه عسكرية روسية مثل "فاغنر"، إضافة لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الدول الأفريقية، والوصول إلى المعادن، ولا سيما عنصرى اليورانيوم والبلاتين. وأصبحت روسيا أكبر مورد للأسلحة في أفريقيا، وتهدف موسكو إلى بناء نفوذ واسع لها من خلال المشاركات الأمنية. 

ويشير رفض العديد من الدول الأفريقية شجب قرارات الأمم المتحدة بشأن غزو روسيا لأوكرانيا إلى تزايد النفوذ الروسي في هذه الدول.

ومن العوامل التي ستساعد على نمو العلاقات الأميركية الأفريقية في المرحلة القادمة، إدراك الولايات المتحدة لخطورة إهمال البعد الأفريقي وترك أفريقيا في يد الصين وروسيا. وبالإضافة إلى ذلك فإن عامل اللغة ووجود روابط سياسية استراتيجية بين أميركا وأفريقيا - قبل ظهور المارد الصيني على الساحة - قد يساعد في توطيد العلاقات مرة أخرى بين أميركا وبين دول القارة السمراء.  

وقد تضطر الولايات المتحدة إلى التقليل من المطالبات الحقوقية مثل حقوق الإنسان من العديد من الدول الأفريقية – على الأقل على المدى القصير - حتى لا يكون هذا العامل عائقاً تستغله الصين وروسيا لإثناء بعض الدول الأفريقية عن المضي قدماً في تطوير علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وفي جميع الأحوال فإن تحسين العلاقات الأميركية الأفريقية هو عامل هام في خلق عالم أكثر توازناً في المرحلة القادمة. وللحديث بقية!

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).