Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب
شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب

سناء الحنفي العاجي

بعد سنوات من العشرة الطيبة والمحبة والتساكن، تكتشف فوزية خيانة زوجها لها مع ابنة أختها، في قلب بيتها. من هول الصدمة ووجع الغدر، تغادر بيتها وتتوجه لفندق تقضي فيه الليلة إلى أن تقرر ما هي فاعلة. هنا، تكتشف أن الفندق يرفض استقبالها لأنه يوجد في مدينة الدار البيضاء... ولأن بطاقتها تشير إلى كونها تقيم في نفس المدينة! هل هناك قانون يقر بهذا؟ أبدا... لكنها ممارسة فعلية في الفنادق المغربية. ورغم أن وزير الداخلية يقول إنها غير قانونية، لكن هذا لا يمنع من كونها حقيقية ومازالت تُفَعَّل إلى غاية الآن!

هذا أحد مشاهد المسلسل المغربي الجميل جدا، "بغيت حياتك"، والذي تبثه حاليا القناة الثانية. المسلسل، الذي أخرجه شوقي العوفير ويؤدي أدواره الأساسية ثلة من النجوم المغاربة (سامية أقريو، نورا الصقلي، عزيز الحطاب، مريم الزعيمي، عبد الله شاكيري، عبد اللطيف شوقي، عبد الله ديدان، بشرى أهريش وغيرهم) يتطرق لعدد من القضايا الإنسانية، بفنية وجرأة. جرأة لم تتعامل مع هذه القضايا بخطاب نضالي ترافعي لا يفترض أن يكون الفن مكانَه، لكن بفنية وسلاسة وجمالية راقية. 
المسلسل يسائل مثلا قضية شديدة الحساسية كالأمومة، حين لا تكون اختيارا واعيا. قوة السيناريو وعبقريته أنه لا يُوَجّه سهام الاتهام لشخصية الأم، التي اكتشفت أنها غير راغبة ولا قادرة على الأمومة، لكنها لم تفكر في الأمر مسبقا. تزوجت رجلا تحبه وأنجبت كما تنجب ملايين النساء، دون تفكير واعي في تبعات الأمومة! 

يتطرق المسلسل للعلاقات الإنسانية وتعقيداتها، الهشاشة النفسية والعاطفية للأفراد... الشخصيات حقيقية وإنسانية بهشاشتها وتعقيداتها دون أحاديات تجعلها شريرة في المطلق أو طيبة في المطلق. الجارة نجاة بتناقضاتها وشطحاتها التي لا تنزع عنها شعلة الإنسانية والطيبة حين يستلزم الأمر تغليب الإنسان فيها؛ كريم بهشاشته في حبه، لكن من دون أن يكون ضعيفا مهزوزا كما قد تصوِّر شخصيَته العديد من الأعمال الدرامية؛ مريم التي نتساءل هل تحب فعلا أم أنها تدمن العلاقة العاطفية السامة ببعضٍ من الألفة؛ عزيز الذي يحب ولكنه يستكين لوضع مريح بالنسبة له؛ الجار علال كما نعرف المئات منه في أحيائنا الشعبية: "زهواني"، خدوم، شعبي حتى النخاع لكن دون ابتذال، فوضوي وفي نفس الوقت "ولد البلاد" حين يقتضي الأمر ذلك... 

شخصيات حقيقية كما نحن، صادقة حتى في خبثها أحيانا. هشة حينا وضاجة في أحيان أخرى.  كما أن إحدى ميزات المسلسل، فضلا عن سيناريو محبوك إلى غاية الحلقات التي تابعناها (إذ أن بث الحلقات لم يكتمل بعد)، كونه تطرق لقضايا جريئة دون أن يحاكم الشخصيات التي قد ينظر لها المواطن العادي (وقد تصورها أعمال أخرى) بشكل قدحي أو سلبي. تعامل معها كمكون من مكونات المجتمع بتعقيداته وتنوعه. 

في حكاية الفندق التي بدأنا بها هذا المقال، هناك طرح فني يفترض أن يسائل ممارسة فعلية في المغرب، لا سند قانونيا لها، لكنها عرفٌ لا يمكن ترجمته إلا بصيغة واحدة: كل امرأة تختار أو تضطر لأن تقيم في فندق في نفس مدينتها، هي مهنية جنس لا يفترض أن نسمح لها بذلك. 

وماذا عن فوزية ومثيلاتها ممن قد تضطرهن ظروف الحياة للمبيت في فندق بمفردهن؟ ماذا عن صديقتي أسماء التي يقيم أهلها في سلا والتي تأخرت في إحدى الليالي في الرباط، بسبب تنظيم المؤسسة التي كانت تشتغل فيها حينها، لتظاهرة مهنية كبيرة. ولأنه كان يفترض أن تعود للعمل في وقت مبكر صباح الغد، فضلت صديقتي المبيت في فندق في الرباط. لكن معظم فنادق العاصمة رفضتها. ماذا عن الفنانة سامية أقريو نفسها التي حكت صديقتها نورا الصقلي في أحد الحوارات كيف أنهما، خلال إحدى الجولات المسرحية، توجهتا لفندق في الدار البيضاء. الفندق قَبِل استضافة الفنانة نورا الصقلي لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الرباط ورفض استقبال الفنانة سامية أقريو لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الدار البيضاء. نتحدث هنا عن فنانتين معروفتين ويفترض أن يفهم موظف الاستقبال طبيعة مهنتهن، فماذا عن مئات النساء ممن لسن في شهرتهما؟

أليست هذه إهانة لكل النساء بكل مستوياتهن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ من شخصية فوزية، الممرضة البسيطة، إلى الفاعلة الحقوقية إلى الفنانة... إلى الطبيبة والمهندسة والعاملة والبرلمانية. كلنا متهمات بامتهان الجنس إلى أن نثبت العكس. يمكننا المبيت في العراء، لكن توفير غرفة في فندق فيه تهديد للأخلاق والقيم المجتمعية!!!

الإشكالية التي تطرق لها المسلسل في مشهد واقعي، والتي تطرقنا لها أكثر من مرة في السابق، هي مثال من أمثلة كثيرة عن واقع مر: الواقع المجتمعي والممارسات تتطور بشكل سريع جدا، يجعل حكايات فوزية وأسماء وسامية أقريو والمئات من النساء العاملات في قطاعات كثيرة، يعشن واقعا لم يفهمه بعد المشرع ولا المؤسسات التي تسهر على تطبيق هذه الممارسات. حكاية الفندق إحداها، لكن هناك عشرات القضايا التي سبقت فيها الممارسات واقع القوانين... والتي نحتاج للكثير من المقالات والمسلسلات والكتب... لكي نزعزع الصخر الراكد فوقها!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد"
"لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد"

سناء العاجي الحنفي

كيف نفسر هذا الحزن وهذه الدموع يا أمي؟ نحن الذين، منذ أسابيع قليلة، كنا نتمنى مجرد التأهل للدور الثاني أو حتى الإقصاء بدون فضائح وخسارات كبيرة؟ كيف نمسح هذه الدموع وهذه الغصة في القلب ونحن نستقبل نتيجة مباراة نصف النهاية... نهاية كأس العالم يا أمي؟ 

كيف نزاوج، يا أمي، بين هذا الإحساس بالفخر للنتيجة التي حققها "أسود الأطلس" بوجودهم ضمن أربع أفضل منتخبات لدورة 2022، وبين إحساس بالحزن والوجع لأن الحلم لم يبلغ مداه؟ كيف نتعايش، يا أمي، مع هذا الحزن الذي يغلفه الفخر، ومع هذا الفخر الذي تغلفه دموع الحزن؟ كيف نروض هذا الحب الدامع وكيف نكفكف الدموع برعشات الحب والفخر؟ 

بعد اليوم، لا تحدثوني عن مؤثري مواقع التواصل، بعد ملحمة وليد الركراكي وكل أعضاء المنتخب المغربي، بإصاباتهم، بتعبهم، بالضغط، بالمسار الفردي المرهق لأغلبهم، وحدهم هؤلاء الأسود صنعوا التغيير ونفضوا عنا رماد اليأس والإحباط.

وحدهم أثروا فعليا، ليس فينا فقط، بل في العالم المنبهر بهم مع كل مباراة وكل تمريرة وكل هدف وكل هجمة مرتدة! أخرَجوا أعلام الوطن من قلوبنا ودثرونا بالنشيد الوطني وهتافات الوطن. وحدهم زرعوا النجمة الخضراء في أقاصي الأرض وغيروا فعليا صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم! 

الأسود حققوا إنجازا رياضيا غير مسبوق، لكن، أكثر من ذلك، صنعوا ملحمة إنسانية تذكّرنا بأن الحلم ممكن، بفضل الثقة في النفس والاجتهاد والندية الإيجابية. لقد عشنا، لسنوات، إحساس النقص (في كرة القدم وفي عوالم أخرى) أمام من اعتبرناهم أفضل منا أو أحق منا.

الناخب الوطني، وليد الركراكي، علَّمَنا أن من حقنا، ومن واجبنا، أن نطمح لما نعتبر أننا نستحقه، وأن نؤمن بأنفسنا، وأن نجتهد لبلوغ الهدف، بـ "النية" وبالاجتهاد. بالجهد وبالعرق وبالقتال وبالإيمان والثقة والحب. كثير من الحب شاهدناه في الملعب وخارج الملعب. كثير من الاحترام ومن الثقة المتبادلة. كثير من "النية". 

بالمناسبة، "النية" التي يتحدث بها وعنها الركراكي (والتي تدل في الثقافة المغربية على الثقة والإيمان) لا يمكن ترجمتها بالتكاسل والتقاعس والخرافة. هو لم يطلب منا أننا "نديرو النية"، وأن نكتفي بذلك. المدرب المغربي يتحدث عن القتال والمثابرة، لكنه يطالب الجمهور بالإيمان بقدرات الفريق والثقة به، لا بالتقاعس والاكتفاء بالنية.

لا، لم نسترجع الأندلس. خطاب مثل هذا لا مكان له في كرة القدم. خطاب مثل هذا هو خطاب حرب وغزو وهويات معطوبة تتغذى على الكراهية والرغبة في الهيمنة على الآخر المختلف. يا أصدقائي ويا صديقاتي، إن كنا نرفض غطرسة الغرب، فلا يمكننا أن نواجههم برغبة في الهيمنة باسم الدين. 

المنتخب المغربي لم يحقق نجاحاته بفضل الدين والتدين، بل بفضل الاجتهاد والمثابرة، لكن هذا لا يمنعنا من احترام قناعات وإيمان اللاعبين. لا أفهم اعتراض البعض، صراحة أو تلميحا أو سخرية، من سجود بعض اللاعبين بعد الفوز وحتى بعد "الخسارة" في مباراة نصف النهاية.

إذا كان بعض الأسود يقاتلون بشراسة في الملعب، لكنهم يؤمنون في قرارة أنفسهم أن إيمانهم وصلواتهم تدعمهم في قتالهم الكروي، فهذا حقهم ومن واجبنا أن نحترم هذا الحق وأن ندعمه ونشجعه. الإيمان والممارسة الدينية لم يكونا يوما مشكلة، إلا حين يصبحان فرضا على الآخرين أو وسيلة لتبرير التقاعس والكسل، بذريعة أن الله سيساعدنا ويدعمنا. 

النقاش حول العروبة والأمازيغية في المغرب نقاش مغلوط. المنتخب المغربي يمثل المغرب أولا. لكن، أليس جميلا أن يحتفي بنا العرب والأفارقة وشعوب أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا؟

كما أن الثقافة لا يمكن اختزالها في مجرد عرق. الأكيد علميا أن العرق الأمازيغي يغلب لدى أغلبية المغاربة، لكن الأكيد أيضا أن الثقافة المغربية هي مزيج من الأمازيغية والعربية والأفريقية والموريسكية والإسلامية واليهودية. إقصاء الآخر بناء على عرقه هو نوع آخر من العنصرية.

وفي حديثنا عن العنصرية، لا يجب أن ننسى مواقف بعض وسائل الإعلام الغربية التي صنفت لاعبين مغاربة ضمن الداعمين لداعش (وهذا، بالمناسبة، تقرير حقيقي على إحدى القنوات الألمانية) وتلك التي سيّست المباراة بين فرنسا والمغرب بشكل رهيب وعبرت عن عنصرية مقيتة.

كأس العالم في نسختها 2022 وإنجازات المنتخب المغربي فضحت المواقف العنصرية للغرب الأبيض، باستثناء بعض النماذج المشرقة، والتي ألمحت إلى أن المنتخبات الجنوبية (الأفريقية والعربية) يفترض أن تكتفي بـ "مشاركة مشرفة" وأن الوصول للمراحل الذهبية يجب أن يبقى حصريا على الفرق الكبرى، وحبذا لو كانت أوروبية. قد يغفر الأوروبيون لنجوم أميركا اللاتينية (البرازيل والأرجنتين) تفوقهم. لكن، أن يتفوق عليهم منتخب عربي أفريقي، فهذه إهانة غير مقبولة!

عن صور الأمهات، هي ليست فقط حكاية حب أو تقديس للأم أو إيمان ديني بمكانتها لأن "الجنة تحت أقدامها"، هي أيضا حكاية الأسر المغربية في بلدان المهجر. جيل أول من المهاجرين عانى معظم أفراده من العنصرية والتهميش، خصوصا أولئك منهم الذين يوجدون في أسفل السلم الاجتماعي.

فهو ليس فقط حبا للأم، هو أيضا رد اعتبار وشكر معنوي بعد سنوات من الفقر والهشاشة والتهميش والعنصرية. 

كرويا وإنسانيا وإعلاميا، الركراكي هو بالتأكيد أفضل ناخب وطني عرفه المغرب. إضافة إلى الإنجازات الجبارة التي حققها، فخرجاته الإعلامية تشكل دروسا إنسانية وتواصلية وتدبيرية ونفسية ووطنية نحتاج أن نشاهدها عشرات المرات لنتعلم منها ومنه. 

لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد. تعلمنا أن نواجه الكبار بدون عقد نقص. بل تعلمنا أننا يمكن أن نكون ضمن الكبار، دون عقد نقص! لهذا، فسنبقى مدينين لهم بذلك لعقود قادمة!

تعلمنا يا أمي، أننا صرنا كبارا. وأننا حين نخسر مباراة في مربع الكبار، نبكي. نبكي لأننا صرنا، منذ اليوم، نعرف أن مكاننا هناك. وأن قدَر الكبار الفوز!

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).