Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد
جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد

كوليت بهنا

في الذكرى الثانية عشرة للثورة، خرج التونسيون قبل أسبوع بمظاهرات عارمة طالبت بإسقاط النظام مع اتهامات حادة بالفساد وتراجع الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

الثورة التونسية السلمية، التي تستحضر هنا كأنموذج بوصفها فاتحة ثورات الربيع العربي المتتالية، تبدو وكأنها تعود إلى المربع الأول، وتعيد جرد حساباتها، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة المتعلقة بالدستور والأسباب والعثرات التي أعاقت التغيير وتحقيق الأهداف المنشودة، على الرغم من أنها صنفت بالأنجح عربياً حتى اليوم، قياساُ بمآلات ثورات باقي الدول التي لم تفض إلى نتائج مخيبة للآمال فقط، بل إلى خراب العديد منها ومآسٍ يصعب حصرها. 

بالعودة إلى البدايات، ومع الدهشة الأولى التي أصابت العالم عقب خروج الشعوب العربية الثائرة من قمقمها، استبشر العديد من المحللين السياسيين والباحثين والفاعلين الدوليين بموجة التغيير العارمة هذه، فكتبوا وحللوا وقدموا نصائح رئيسة عن الطرق السديدة التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الانتقال الديمقراطي المنشود. منهم ما كتبه في 15 نوفمبر 2011 على سبيل المثال بول سالم، الرئيس السابق لمركز كارنيغي الأميركي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، في مقال تحليلي مطول سيبدو اليوم لقارئه أشبه بخريطة طريق رشيدة وضعت في حينه.  

إذ قال في بعض المقتطفات الهامة: "من شأن دستور مدروس ومتوافق عليه أن يكون المفتاح لتحقيق النجاح الديمقراطي". و" إن عملية الانتقال، بمعنى ما، هي ومضة في التاريخ، لكن بناء ديمقراطية قوية وذات ديمومة هي عمل أجيال. ونجاح العملية الانتقالية قد يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية الوليدة". و"الهدف الرئيس من وضع أو تعديل الدستور في عمليات الانتقال الديمقراطية لا يكمن في السعي الى الاتفاق على كل مبدأ أو هدف سياسي واجتماعي اقتصادي، بل في اقامة مروحة من المؤسسات والقواعد التي تستوعب الخلافات وتمكّن رأي الأغلبية وتحمي آراء الأقلية". 

فإلى أي مدى ينطبق هذا الكلام مع التغييرات والتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وهل تعثُر هذه الثورات، إن لم نقل فشلها والإحباطات والخيبات التي أفضت إليها، يكمن فقط في ضعف شرعية الدساتير العربية وعمليات صياغتها التي أعقبت هذه التحولات ومحدودية دورها الذي صمم للحد من سلطة الشعب بدلاً من سلطة الدولة ومقاومتها لأي تغيير؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بهويات هذه الثورات بذاتها والشكل الذي اتخذته في الاحتجاج السلمي أو العنيف أو المسلح أو غيرها من الأسباب الجوهرية؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة والنقاش الأكاديمي الفاعل حول شرعية وعمليات وضع الدساتير في العالم العربي من خلال دراسة التغييرات الدستورية التي اختبرتها مختلف الدول العربية استجابة للاضطرابات الشعبية منذ 2010، اجتمع في بيروت الشهر الفائت، عدد من الباحثين الدوليين وخبراء قانون في مؤتمر متخصص أقيم في إطار مشروع بحثي للباحثة الرئيسية ريم تركماني بعنوان "الشرعية والمواطنة في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد، وتم تمويله من قبل مؤسسة كارنيجي في نيويورك. 

كما أقيم المؤتمر بالشراكة بين كلية لندن للاقتصاد والمنظمة العربية للقانون الدستوري التي تمثلها المديرة التنفيذية للمنظمة تمارا خوري، والتي تعتبر أول شبكة اقليمية لخبراء صياغة الدساتير في المنطقة العربية، وتهدف الى المساهمة في الحكم الرشيد والتحول والانتقال الديمقراطي وكذلك دعم جهود الاصلاح القانوني والدستوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتبر خبراء المنظمة من كبار المختصين في مجال بناء الدساتير في المنطقة حيث شاركوا في التفاوض على الدساتير وصياغتها في عدد من الدول (المغرب الجزائر تونس ليبيا مصر العراق اليمن). 

بعد الاستماع ومناقشة تجارب الدول المشاركة، وهي بمجموعها الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية منذ 2010، خلص المؤتمر إلى عدد من النتائج المتعلقة بكيف يصاغ الدستور والتشاركية في صياغته وكم تستغرق هذه الصياغة وغيرها، والتي لخصها البروفسور ناثان براون بعدد من النقاط، وهو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي. حيث وجد بحسب خبرته وعمله منذ أكثر من نصف قرن في مجال الدستور أن جميع القصص متشابهة في جميع الانتفاضات العربية منذ 2010، ومازالت هناك أسئلة بلا أجوبة ولا توجد خلاصة عامة. كما لا يوجد جواب واحد حول مضمون الدستور، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع حول ما يجب أن يقوله الدستور. وأن معظم النقاشات تتعلق بشكل الدولة وليس بالحقوق والحريات التي غابت عن معظم التجارب الدستورية العربية، وأفضت إلى نتيجة مخيبة بأنه لا نهايات سعيدة أبداً. 

ويضيف بحسب خلاصة استنتاجاته، أن الحكام العرب يتحججون دوماً بالظروف الاستثنائية لتأخير الديمقراطية، وأن الدستور في المحصلة يجب أن يساعد الناس في إدارة اختلافاتهم، وفي الواقع لم تعبر هذه الدساتير عن إرادة الشعوب، حيث لا توجد مشاركة شعبية حقيقية لأن الجنرالات هم من يتحدثون بالإنابة عن الناس الذين يمكن وصفهم " بالناس الكثر وليس الشعب" كما الحال في مصر، وأن الحالات الأصعب في صياغة الدساتير تتمثل برأيه حين يشارك لاعبون مختلفون يأتون بمفاهيم مختلفة ويعملون على الدساتير، كما الحال في سوريا.  

قد يبدو رأي الباحث براون صائباً في المعنى العام، وإن كان يشي ببعض التشاؤم حول الانسداد العربي، لكن في الواقع، فإن المتابع لمناقشات هذا المؤتمر سيخرج بخلاصة مضافة تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن توظيفها واستثمارها بشكل أكثر فاعلية وديمومة في المستقبل. وتتلخص بزخم وسخونة النقاشات واحترافية وغنى محتوى الأوراق البحثية التي قدمت من جميع المشاركين والمعقبين. وأهمية تبادل الخبرات العربية والتقاطع فيما بينها، وبشكل خاص الخبرة الدستورية لكل من تونس والمغرب، كتجربتين متفوقتين حتى اليوم قياساً بتجارب عربية أخرى مازالت تراوح في مكانها، أو تتراجع لصالح الأنظمة الحاكمة ومزيد من الشمولية والاستبداد، سواء فيما يخص الجمهوريات أو الملكيات الحاكمة على حد سواء. 

كما برزت أيضاً أهمية مساحة المشاركة النسائية العربية رفيعة المستوى والندية على كافة المستويات، والتي تدفع إلى تفاخر حقيقي بحجم ونوعية الكفاءات النسائية العلمية الموجودة على الساحة العربية، والدور الهام والمبشر الذي يلعبنه، وبشكل خاص فيما يتعلق بمواقعهن كخبيرات قانونيات ودستوريات في عمليات صياغة دساتير بلادهن، أو من خلال مواقعهن الأخرى التي برزن فيها بشكل خاص عقب الثورات العربية، والتي أفضت إلى تغييرات مبشرة وإيجابية فيما يتعلق بدور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة. 

"نحن الشعب، السادة الشرعيون للكونغرس والمحاكم. لا لقلب الدستور، بل لإسقاط الرجال الذين يفسدون الدستور". هذا ما قاله الرئيس الأميركي التاريخي ابراهام لينكولن قبل نحو مائتي عام. وهو ما دفع حياته ثمنا له لأجل أن تحظى الأجيال المقبلة بالمساواة وتنعم بحقوقها وحرياتها.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد"
"لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد"

سناء العاجي الحنفي

كيف نفسر هذا الحزن وهذه الدموع يا أمي؟ نحن الذين، منذ أسابيع قليلة، كنا نتمنى مجرد التأهل للدور الثاني أو حتى الإقصاء بدون فضائح وخسارات كبيرة؟ كيف نمسح هذه الدموع وهذه الغصة في القلب ونحن نستقبل نتيجة مباراة نصف النهاية... نهاية كأس العالم يا أمي؟ 

كيف نزاوج، يا أمي، بين هذا الإحساس بالفخر للنتيجة التي حققها "أسود الأطلس" بوجودهم ضمن أربع أفضل منتخبات لدورة 2022، وبين إحساس بالحزن والوجع لأن الحلم لم يبلغ مداه؟ كيف نتعايش، يا أمي، مع هذا الحزن الذي يغلفه الفخر، ومع هذا الفخر الذي تغلفه دموع الحزن؟ كيف نروض هذا الحب الدامع وكيف نكفكف الدموع برعشات الحب والفخر؟ 

بعد اليوم، لا تحدثوني عن مؤثري مواقع التواصل، بعد ملحمة وليد الركراكي وكل أعضاء المنتخب المغربي، بإصاباتهم، بتعبهم، بالضغط، بالمسار الفردي المرهق لأغلبهم، وحدهم هؤلاء الأسود صنعوا التغيير ونفضوا عنا رماد اليأس والإحباط.

وحدهم أثروا فعليا، ليس فينا فقط، بل في العالم المنبهر بهم مع كل مباراة وكل تمريرة وكل هدف وكل هجمة مرتدة! أخرَجوا أعلام الوطن من قلوبنا ودثرونا بالنشيد الوطني وهتافات الوطن. وحدهم زرعوا النجمة الخضراء في أقاصي الأرض وغيروا فعليا صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم! 

الأسود حققوا إنجازا رياضيا غير مسبوق، لكن، أكثر من ذلك، صنعوا ملحمة إنسانية تذكّرنا بأن الحلم ممكن، بفضل الثقة في النفس والاجتهاد والندية الإيجابية. لقد عشنا، لسنوات، إحساس النقص (في كرة القدم وفي عوالم أخرى) أمام من اعتبرناهم أفضل منا أو أحق منا.

الناخب الوطني، وليد الركراكي، علَّمَنا أن من حقنا، ومن واجبنا، أن نطمح لما نعتبر أننا نستحقه، وأن نؤمن بأنفسنا، وأن نجتهد لبلوغ الهدف، بـ "النية" وبالاجتهاد. بالجهد وبالعرق وبالقتال وبالإيمان والثقة والحب. كثير من الحب شاهدناه في الملعب وخارج الملعب. كثير من الاحترام ومن الثقة المتبادلة. كثير من "النية". 

بالمناسبة، "النية" التي يتحدث بها وعنها الركراكي (والتي تدل في الثقافة المغربية على الثقة والإيمان) لا يمكن ترجمتها بالتكاسل والتقاعس والخرافة. هو لم يطلب منا أننا "نديرو النية"، وأن نكتفي بذلك. المدرب المغربي يتحدث عن القتال والمثابرة، لكنه يطالب الجمهور بالإيمان بقدرات الفريق والثقة به، لا بالتقاعس والاكتفاء بالنية.

لا، لم نسترجع الأندلس. خطاب مثل هذا لا مكان له في كرة القدم. خطاب مثل هذا هو خطاب حرب وغزو وهويات معطوبة تتغذى على الكراهية والرغبة في الهيمنة على الآخر المختلف. يا أصدقائي ويا صديقاتي، إن كنا نرفض غطرسة الغرب، فلا يمكننا أن نواجههم برغبة في الهيمنة باسم الدين. 

المنتخب المغربي لم يحقق نجاحاته بفضل الدين والتدين، بل بفضل الاجتهاد والمثابرة، لكن هذا لا يمنعنا من احترام قناعات وإيمان اللاعبين. لا أفهم اعتراض البعض، صراحة أو تلميحا أو سخرية، من سجود بعض اللاعبين بعد الفوز وحتى بعد "الخسارة" في مباراة نصف النهاية.

إذا كان بعض الأسود يقاتلون بشراسة في الملعب، لكنهم يؤمنون في قرارة أنفسهم أن إيمانهم وصلواتهم تدعمهم في قتالهم الكروي، فهذا حقهم ومن واجبنا أن نحترم هذا الحق وأن ندعمه ونشجعه. الإيمان والممارسة الدينية لم يكونا يوما مشكلة، إلا حين يصبحان فرضا على الآخرين أو وسيلة لتبرير التقاعس والكسل، بذريعة أن الله سيساعدنا ويدعمنا. 

النقاش حول العروبة والأمازيغية في المغرب نقاش مغلوط. المنتخب المغربي يمثل المغرب أولا. لكن، أليس جميلا أن يحتفي بنا العرب والأفارقة وشعوب أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا؟

كما أن الثقافة لا يمكن اختزالها في مجرد عرق. الأكيد علميا أن العرق الأمازيغي يغلب لدى أغلبية المغاربة، لكن الأكيد أيضا أن الثقافة المغربية هي مزيج من الأمازيغية والعربية والأفريقية والموريسكية والإسلامية واليهودية. إقصاء الآخر بناء على عرقه هو نوع آخر من العنصرية.

وفي حديثنا عن العنصرية، لا يجب أن ننسى مواقف بعض وسائل الإعلام الغربية التي صنفت لاعبين مغاربة ضمن الداعمين لداعش (وهذا، بالمناسبة، تقرير حقيقي على إحدى القنوات الألمانية) وتلك التي سيّست المباراة بين فرنسا والمغرب بشكل رهيب وعبرت عن عنصرية مقيتة.

كأس العالم في نسختها 2022 وإنجازات المنتخب المغربي فضحت المواقف العنصرية للغرب الأبيض، باستثناء بعض النماذج المشرقة، والتي ألمحت إلى أن المنتخبات الجنوبية (الأفريقية والعربية) يفترض أن تكتفي بـ "مشاركة مشرفة" وأن الوصول للمراحل الذهبية يجب أن يبقى حصريا على الفرق الكبرى، وحبذا لو كانت أوروبية. قد يغفر الأوروبيون لنجوم أميركا اللاتينية (البرازيل والأرجنتين) تفوقهم. لكن، أن يتفوق عليهم منتخب عربي أفريقي، فهذه إهانة غير مقبولة!

عن صور الأمهات، هي ليست فقط حكاية حب أو تقديس للأم أو إيمان ديني بمكانتها لأن "الجنة تحت أقدامها"، هي أيضا حكاية الأسر المغربية في بلدان المهجر. جيل أول من المهاجرين عانى معظم أفراده من العنصرية والتهميش، خصوصا أولئك منهم الذين يوجدون في أسفل السلم الاجتماعي.

فهو ليس فقط حبا للأم، هو أيضا رد اعتبار وشكر معنوي بعد سنوات من الفقر والهشاشة والتهميش والعنصرية. 

كرويا وإنسانيا وإعلاميا، الركراكي هو بالتأكيد أفضل ناخب وطني عرفه المغرب. إضافة إلى الإنجازات الجبارة التي حققها، فخرجاته الإعلامية تشكل دروسا إنسانية وتواصلية وتدبيرية ونفسية ووطنية نحتاج أن نشاهدها عشرات المرات لنتعلم منها ومنه. 

لم نتأهل لمباراة النهاية، لكننا تعلمنا مع منتخبنا المغربي أن بلوغ السماء ممكن بالتحدي والإرادة والاجتهاد. تعلمنا أن نواجه الكبار بدون عقد نقص. بل تعلمنا أننا يمكن أن نكون ضمن الكبار، دون عقد نقص! لهذا، فسنبقى مدينين لهم بذلك لعقود قادمة!

تعلمنا يا أمي، أننا صرنا كبارا. وأننا حين نخسر مباراة في مربع الكبار، نبكي. نبكي لأننا صرنا، منذ اليوم، نعرف أن مكاننا هناك. وأن قدَر الكبار الفوز!

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).